عربي ودولي

حرب ناقلات النفط.. الحلقة الأحدث في صراع واشنطن وطهران

في أحدث محاولات واشنطن وطهران فرض سيطرتهما البحرية على مضيق هرمز، ذلك الممر الاستراتيجي الذي أغلق في بدايات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، شنت كل من الولايات المتحدة وإيران هجمات على ناقلات النفط في مضيق هرمز.

وقد صعّدت الولايات المتحدة وإيران هجماتهما المتبادلة خلال الأربع والعشرين ساعة الماضية، حيث استهدفت واشنطن ثلاث ناقلات نفط إيرانية، بينما استهدفت طهران ناقلات أخرى وأطلقت صاروخًا باليستيًا باتجاه سفن حربية أمريكية تقوم بدوريات بالقرب من مضيق هرمز.

وتأتي الهجمات على ناقلات النفط في الوقت الذي تزعم فيه الولايات المتحدة أن كميات متزايدة من النفط بدأت تتدفق عبر المضيق، على الرغم من أن الأرقام الدقيقة لا تزال محل جدل، في حين يستمر الحصار البحري المفروض على الموانئ الإيرانية، وتأتي المناوشات الأخيرة لتضعف الآمال في خفض التصعيد عبر الدبلوماسية.

خلفية الأحداث

بعد فترة من الهدوء النسبي، استأنفت الولايات المتحدة هجماتها يوم الأحد الماضي، حين أعلنت أنها ضربت منصتي إطلاق صواريخ لمنع استخدامهما في زرع ألغام بحرية في مضيق هرمز.

وصرح الرئيس ترامب يوم الثلاثاء الماضي بأن الولايات المتحدة شنت هجومًا عنيفًا آخر، لكنه ادعى أن القتال المتجدد لن يطول.

دفعت هذه الضربات إيران إلى الرد باستهداف مواقع أمريكية في المنطقة، بما في ذلك في الإمارات العربية المتحدة والبحرين والكويت والأردن.

ويوم الخميس، تحدث نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس أيضًا عن مزاعم إيران بأن غارات أمريكية أسفرت عن مقتل أربعة أشخاص على الأقل، بينهم طفلان، في حفل زفاف جنوب إيران.

وأعرب عن شكوكه البالغة حيال التقارير المتعلقة بالضربة المزعومة، لكنه أكد أن الولايات المتحدة ستجري تحقيقًا في الأمر.

وأعلنت القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM)، يوم السبت، أن قواتها استهدفت ثلاث سفن إيرانية، من بينها ناقلة نفط قبالة جزيرة خُرك، التي كانت تصدر عبرها إيران 90% من نفطها الخام قبل الحرب.

وأوضحت القيادة المركزية الأمريكية أن هذه الهجمات جاءت عقب إطلاق إيران صواريخ باليستية على حاملة طائرات ومدمرة بحرية أمريكيتين، واللتين، بحسب قولها، تمكنتا من تفادي الضربات بنجاح، ولم يصب أي من أفراد القوات الأمريكية.

وقال الأدميرال براد كوبر، قائد القيادة المركزية الأمريكية: «إذا أطلقتم النار على سفينتين من سفننا، فسوف نكبدكم خسائر اقتصادية أكبر بكثير، وذلك بتدمير ثلاث من سفنكم».

تأتي الهجمات في أعقاب إعلان الحرس الثوري الإيراني إطلاقه عدة صواريخ باليستية على حاملة طائرات ومدمرة، متهمًا إياهما بمضايقة السفن الإيرانية والمشاركة في حصار بحري.

ثم أعلنت طهران أن قواتها استهدفت أيضًا ثلاث ناقلات نفط تعبر ما وصفته بـ «ممر غير مصرح به» في مضيق هرمز، وثلاث سفن أخرى مرتبطة بالولايات المتحدة في مواقع أخرى.

سبب استهداف واشنطن ناقلات النفط الإيرانية؟

تزعم واشنطن أن ناقلات النفط الإيرانية التي استهدفتها كانت جزءًا من شبكة سرية بمليارات الدولارات تمول الحرس الثوري الإيراني وحلفاءه الإقليميين، ولطالما اعتمدت طهران جزئيًا على أسطول سري للالتفاف على العقوبات وبيع النفط، وهو مصدر دخل ازداد أهمية منذ أن بدأت الولايات المتحدة حصار الموانئ الإيرانية في أبريل الماضي.

وتواصل الولايات المتحدة الضغط على إيران لفتح مضيق هرمز عسكريًا واقتصاديًا، فمن الجانب الاقتصادي، أعلن وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت الشهر الماضي عن حزمة من الإجراءات الاقتصادية لاستهداف المصالح المالية لطهران في جميع أنحاء العالم.

وقال بيسنت، إن الولايات المتحدة ستستهدف جميع مصادر دخل إيران، بما في ذلك النفط، لمنع الدول والشركات الأخرى من التعامل تجاريًا مع طهران.

دور موسكو في ترجيح كفة طهران في الصراع

يأتي هجوم إيران على السفن الحربية الأمريكية في أعقاب تقرير نشرته صحيفة «فايننشال تايمز» هذا الأسبوع، يفيد بأن روسيا تساعد إيران سرًا في تطوير صواريخ كروز أسرع من الصوت.

ومن المرجح أن تزود صواريخ كروز المضادة للسفن والطائرات البرية بالطاقة بنظام الدفع النفاث، الذي يتيح للصاروخ التحليق بسرعة تفوق سرعة الصوت عدة مرات.

ومن المعتقد أن مثل هذا السلاح سيجبر السفن والطائرات البحرية الأمريكية على الابتعاد كثيرًا عن إيران، ما ينهي خنق اقتصادها.

إلى أين سيتجه الصراع؟

يمثل تجدد تبادل الضربات بين إيران والولايات المتحدة التصعيد الطبيعي للصراع المستمر منذ ستة أشهر، والذي يفتقر إلى الدبلوماسية، وأن كلا الطرفين يرفض الاستسلام ويلجأ إلى خيار التصعيد، لأن الاستسلام يعني تشويه صورته أمام العالم.

ومع غياب التسوية السياسية، فمن المتوقع استمرار الحرب كما هي، وإرسال واشنطن المزيد من القوات إلى المنطقة، لكن هذا لا يعني استسلام طهران، بل يدفعها إلى الهجوم بصورة أقوى، ومن المتوقع أيضًا وقوع ضحايا من المدنيين في الجانب الإيراني، فالوضع الآن يدور في فلك من يستطيع الصمود وتحمل المزيد من العقوبات والتكاليف، والذي لن يستمر طويلًا.

أسعار النفط العالمية

تزيد الهجمات المتبادلة بين واشنطن وطهران المخاوف بشأن إمدادات الطاقة العالمية، حيث أغلقت العقود الآجلة لخام برنت يوم الجمعة عند 96.28 دولارًا للبرميل، وهو أعلى مستوى لها منذ 24 يوليو، بعد أن كانت تقارب 70 دولارًا قبل الحرب.

كما ارتفعت أسعار النفط والغاز في الولايات المتحدة بشكل حاد، في وقت حرج بالنسبة لترامب مع توجه الأمريكيين إلى صناديق الاقتراع لانتخابات التجديد النصفي في نوفمبر المقبل، وسجل سعر الديزل رقمًا قياسيًا جديدًا في الولايات المتحدة يوم الجمعة، حيث ارتفع إلى متوسط 5.85 دولار للجالون الأمريكي (يعادل الجالون 3.785 لترًا) لأول مرة على الإطلاق، مقارنة بمتوسط 3.71 دولار قبل عام.

شعبية الحرب وترامب في الولايات المتحدة

ما بين وصف الرئيس ترامب للصراع الإيراني بأنه قضية تافهة، وإصرار نائب الرئيس فانس على عدم وجود حرب وعدم وجود إطلاق نار فعلي بين البلدين، أظهر استطلاع رأي أجرته مجلة «الإيكونوميست» بالتعاون مع مؤسسة «يوجوف» في الفترة من 14 إلى 17 أغسطس أن 65% من الأمريكيين يرغبون في أن تتوصل الولايات المتحدة إلى اتفاق لإنهاء الحرب في أسرع وقت ممكن.

حرب الاستنزاف

يبدو الوضع وكأنه حرب استنزاف طويلة الأمد، فإذا تمكنت أمريكا من إبقاء أسعار النفط عند مستويات أقل من الكارثية، فقد يميل الرئيس ترامب إلى الحفاظ على الوضع الراهن، حيث سيتدهور الاقتصاد الإيراني أكثر، لكن النظام الإيراني له تاريخ طويل في التعامل مع مثل هذه المعاناة، وحاليًا، لا يبدو أن أيًا من الطرفين يميل إلى تصعيد كبير، لكنهما في الوقت نفسه لا يعانيان من خسائر كافية للتوصل إلى اتفاق جديد.

زر الذهاب إلى الأعلى