النائب حسين هريدي في حوار خاص لـ”ليبرالي”: حان وقت رحيل الحكومة.. ونحتاج إلى رئيس وزراء بخلفية اقتصادية

النهج الحكومي الحالي يعتمد على جيب المواطن بدلًا من البحث عن حلول هيكلية حقيقية

 أتمنى أن يتولى رئاسة الحكومة نموذج بمواصفات الدكتور محمود محيي الدين

الشعب المصري يدفع ثمن إخفاقات حكومات مدبولي المتعاقبة الأولي والثانية والثالثة

سأتقدم بمشروع قانون لتنظيم الاتحادات الطلابية في المدارس والجامعات

يعد النائب حسين هريدي، عضو مجلس النواب عن حزب العدل ومن أصغر نواب البرلمان، أحد أبرز الأصوات البرلمانية المعارضة خلال دور الانعقاد الأول، حيث برز حضوره من خلال استخدام الأدوات الرقابية، وطرح ملفات اقتصادية وخدمية وتشريعية شغلت الرأي العام، إلى جانب تبنيه مواقف سياسية وبرلمانية تتعلق بالإصلاح الاقتصادي، والحريات العامة، وتنشيط الحياة الحزبية، وتقوية العمل النيابي.

هريدي من مواليد محافظة قنا، مركز فقط، وتخرج في كلية الحقوق بجامعة جنوب الوادي، وحصل على درجة الماجستير في إدارة الأعمال من الأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري بالإسكندرية، كما حصل على دبلوم العلوم السياسية من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة.

وفي هذا الحوار، يتحدث هريدي عن تقييمه لأداء الحكومة والبرلمان، ورؤيته لدور المعارضة، وأبرز أولوياته التشريعية خلال المرحلة المقبلة، كما يكشف موقف حزب العدل من عدد من القضايا المطروحة، وفي مقدمتها تغيير الحكومة، وسجناء الرأي، والمحليات، إلى جانب رؤيته لملفات الصعيد والخدمات العامة، ومستقبل الحياة السياسية في مصر.

تقييم أداء الحكومة

في البداية لماذا يطالب حزب العدل باستقالة الحكومة الآن رغم موافقة البرلمان على برنامجها؟

في البداية، نحن في حزب العدل رفضنا برنامج الحكومة، ومثلنا في ذلك بعض الأحزاب الأخرى والنواب المستقلون المعارضون، بينما وافقت عليه أغلبية أعضاء مجلس النواب؛ وبالتالي فإن الأغلبية البرلمانية هي التي أقرت البرنامج، وليس حزب العدل.

أما بخصوص رؤيتنا بأن الحكومة الحالية استنفدت رصيدها وحان وقت رحيلها، فهناك أسباب عديدة. فمعيار القياس الأساسي لدينا هو مدى رضا الشارع. لو كان المواطن راضيًا، لكنا دعمنا بقاء هذه الحكومة، ولكن الواقع يشير إلى انعدام هذا الرضا.

 إن الحكومة الحالية استنفدت رصيدها، وباتت في خصومة مع الشارع بسبب سياساتها، ولذا نرى ضرورة تشكيل حكومة جديدة بمسؤوليات مختلفة تضع مصلحة المواطن في مقدمة أولوياتها، بدلًا من اللجوء إلى الحلول السهلة المتمثلة في تحميل المواطن ضريبة الإخفاقات الإدارية. فعند حدوث أي عجز مالي، يكون التفكير المباشر متجهًا نحو رفع الأسعار على المواطنين لحل الأزمة.

وعلى سبيل المثال، في ملف منظومة المعاشات والتأمينات، طلب رئيس الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي في اللجنة مهلة حتى منتصف يوليو لحل المشكلات التقنية، ونحن اقترحنا منحه مهلة أوسع حتى الأول من أغسطس، ولكن الأزمة لم تُحل رغم انقضاء المهلة التي حددها بنفسه، وهذا يُعد إخفاقًا كبيرًا. هناك مشكلة حقيقية تواجه المواطنين الذين قضوا حياتهم في خدمة هذا الوطن وسددوا اشتراكاتهم التأمينية بانتظام، فهل أوفت الحكومة بالتزاماتها تجاههم؟ الواقع يقول لا، ولذلك نطالب برحيلها.

هل تستندون إلى ملفات أخرى غير التأمينات؟

لقد ضربت بالتأمينات مثالًا فقط، فالأزمة تشمل كذلك ملف العدادات الكودية، ومستويات الأسعار، وفواتير الخدمات العامة. على سبيل المثال، تم الإعلان عن رفع الحد الأدنى للأجور إلى ثمانية آلاف جنيه، ولكن هل هذا مطبق فعليًا ويحصل عليه الجميع؟ في الواقع لا. وحتى في القطاع الحكومي، تُستقطع نسب مرتفعة للتأمينات والضرائب، ليكون صافي ما يتقاضاه الموظف في حدود 5500 أو 6000 جنيه فقط. في المقابل، تبلغ فاتورة الكهرباء في حدها الأدنى نحو ألف جنيه، فماذا يتبقى للمأكل والمشرب؟

اليوم يحتاج الفرد، في الحد الأدنى، إلى 100 جنيه يوميًا لتأمين وجبتي الإفطار والعشاء البسيطتين، أي ما يعادل ثلاثة آلاف جنيه شهريًا للفرد الواحد، وهنا نتحدث عن الوجبات البسيطة كالفول والفلافل، دون النظر إلى القيمة الغذائية المتكاملة. ناهيك عن أسعار البنزين، والتراجع الكبير في قيمة العملة، والتضخم المصاحب له. فهل يتحمل المواطن مسؤولية هذه الأوضاع، أم أنها نتاج السياسات الاقتصادية للحكومة؟

هل الحكومة وحدها مسؤولة عن هذه الأوضاع الاقتصادية؟

بالتأكيد الحكومة هي المسؤولة الأولى، فمن يكون غيرها؟ وحكومة الدكتور مصطفى مدبولي تمتلك كامل الصلاحيات السياسية والتنفيذية لاتخاذ القرار، وهي صاحبة القرار الفعلي في إدارة شؤون البلاد.

حديث التوجيهات

هناك من يرى أن الحكومة يقتصر دورها على تنفيذ السياسات أكثر من صياغتها.. كيف ترد على هذا الطرح؟
من الذي يضع هذه السياسات والخطط التنفيذية؟ أليس رئيس مجلس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي؟ حتى المشروعات الكبرى التي يتم تنفيذها، مثل العاصمة الإدارية الجديدة أو تطوير القاهرة التاريخية، كانت تشكل صلب أطروحة الدكتوراة الخاصة بالدكتور مصطفى مدبولي نفسه، وليست لشخص آخر؛ فهو يعمل على تطبيق رؤيته وأفكاره الأكاديمية التي طرحها سابقًا.

هل ترى أن رئيس الوزراء يطبق رؤيته على حساب المواطنين؟

نعم بالفعل، وليته نجح في تحقيقها بالشكل المطلوب؛ فالشعب المصري، في النهاية، هو من يدفع كلفة إخفاقات حكومات الدكتور مصطفى مدبولي المتعاقبة الأولى والثانية والثالثة.

أداء الوزارء

هل يتحمل رئيس الوزراء المسؤولية وحده أم مع باقي الوزراء؟

من الذي يختار هؤلاء الوزراء؟ أليس رئيس الوزراء؟ الدكتور مصطفى مدبولي هو رئيس الحكومة والمدير التنفيذي المسؤول عن إدارة الدولة، ومعه مجموعته الوزارية.

على سبيل المثال، في قطاع الطاقة، نواجه مشكلات واضحة. فرغم تصريحات وزير البترول حول تحقيق مؤشرات إيجابية وتسديد مستحقات الشركاء، فإن معدلات إنتاج الغاز الطبيعي في تراجع مستمر. وقبل نحو شهر، واجهناه بأدوات برلمانية وناقشنا طلبات إحاطة في جلسة ممتدة من الثانية ظهرًا حتى التاسعة مساءً، وكان الوزير يرى أننا نتجنى عليه ولا ننصف إنجازاته، علمًا بأن الإنتاج اليومي للغاز كان حينها في حدود 4.5 مليار متر مكعب، بينما تراجع اليوم إلى نحو 3.6 مليار متر مكعب.

كيف تقيم أداء وزير النقل؟

بخصوص وزير النقل، فإنني أرى أن جزءًا كبيرًا من الأزمة المالية الحالية، قد يصل إلى 60% منها، يرتبط بحجم القروض والتزامات التمويل الخارجية التي تم التوسع فيها لتنفيذ مشروعات النقل.

وماذا عن أداء وزير التربية والتعليم؟

أما وزير التربية والتعليم الحالي، فهناك مشكلات وتحديات جوهرية تواجه المنظومة التعليمية، وما شهدناه من وقائع غش في امتحانات الثانوية العامة يمثل أزمة حقيقية. بالإضافة إلى ذلك، فإن نظام البكالوريا الدولية، الذي صرح الوزير تحت قبة البرلمان وفي مضابط الجلسات خلال الفصل التشريعي المنصرم بأنه معتمد دوليًا، لم نرَ له أي اعتماد دولي ملموس حتى الآن، ولا أحد يعرف عنه أي شيء.

نأمل أن يتحلى كل مسؤول بالصراحة والمسؤولية الكاملة أمام المواطنين؛ فالشعب المصري، عندما تلقى وعودًا ببرامج الإصلاح الاقتصادي، تحمل الأعباء بصبر، وهو مستعد للمزيد من العمل والتحمل شريطة وجود ثقة متبادلة، ولكن للأسف تراجعت ثقة الشارع في حكومة الدكتور مصطفى مدبولي.

أليس من الإجحاف وصف الحكومة بأكملها بالفشل؟ ألا ترى أن هناك وزراء يؤدون بشكل جيد؟

بلا شك، وزير المالية الحالي، على سبيل المثال، يبذل جهودًا جيدة ويقدم أداءً محترمًا. لكن في النهاية، العبرة بالحصيلة العامة والسياسة التي تنتهجها الحكومة.

ما النتيجة التي يشعر بها المواطن في حياته اليومية؟ بعد الزيادة الأخيرة في أسعار الكهرباء، تلقيت رسائل من مواطنين لم أكن أتوقع يومًا أن يشتكوا من فواتير الخدمات، يتساءلون: من أين سنأتي بالمال لسداد هذه الفواتير؟

ولهذا أقول للدكتور مصطفى مدبولي: إذا كانت الحكومة ستستمر في السياسات نفسها، فمن أين سيأتي المواطن بالمال لتلبية احتياجاته الأساسية؟

المواجهة البرلمانية

رغم امتلاككم الأدوات الرقابية، لماذا لا يبدو أثرها واضحًا في مواجهة الحكومة برلمانيا؟

لقد حدث ذلك بالفعل؛ فالهيئة البرلمانية لنواب حزب العدل قدمت أكثر من 455 أداة رقابية برلمانية. وعلى الصعيد الشخصي، تقدمت بـ64 طلب إحاطة، إلى جانب الأسئلة البرلمانية والاقتراحات برغبة.

الحكومة المصرية في اجتماع لها - حساب مجلس الوزراء على فيس بوك
الحكومة المصرية في اجتماع لها – حساب مجلس الوزراء على فيس بوك

ونحن نشتبك بفاعلية داخل اللجان النوعية، وكإعلاميين تتابعون مواقفنا تجاه مشكلات وزارة البترول، وملف الكهرباء، والعدادات الكودية التي كنا من أوائل من أثارها، فضلًا عن ملف التأمينات الاجتماعية ونظام المعاشات. كما امتد دورنا الرقابي إلى تبني قضايا النقابات المهنية، وكنت من أوائل النواب الذين طرحوا قضية زيادة بدل التكنولوجيا للصحفيين تحت قبة البرلمان، رغم أنني لست عضوًا في نقابة الصحفيين.

هذه الأدوات الرقابية تعكس تغطية شاملة لمعظم الأزمات التي تمس حياة المواطن. بل إننا استخدمنا أقوى الأدوات الدستورية، وهي الاستجواب، وتقدمنا باستجواب لوزير البترول، إلا أن عدم إدراجه للمناقشة قرار يُسأل عنه مكتب المجلس، وليس نواب حزب العدل، حيث جرى تأجيله بدعوى وجود طلبات إحاطة تناقش الموضوع نفسه داخل اللجان المختصة.

سياسات اقتصادية بديلة

في تقديرك الشخصي، من هي الشخصية الوطنية التي تصلح لتولي رئاسة الحكومة في المرحلة المقبلة؟

على المستوى الشخصي، أتمنى أن أرى شخصية بمواصفات الدكتور محمود محيي الدين تتولى رئاسة الوزراء، أو أي نموذج قادر على بناء سياسات اقتصادية بديلة ومختلفة جذريًا عن السياسات الحالية.

هل نفهم من ذلك أنك تطالب برئيس حكومة ذي خلفية اقتصادية؟

نعم، نحن بحاجة ماسة إلى رئيس حكومة اقتصادي، لأن مشكلاتنا الأساسية في مصر اليوم هي مشكلات اقتصادية بامتياز. وبوضوح شديد، لا نريد رئيس وزراء آخر بخلفية في قطاع الإسكان أو المقاولات، فالأولويات الحالية مختلفة.

نموذج محمود محيي الدين

لماذا اخترت الدكتور محمود محيي الدين بالاسم؟ هل يتعلق الأمر بشخصه أم بالمشروع الذي يمثله؟

المسألة لا تتعلق بالأشخاص لذواتهم، بل بالنموذج والمنهج. فالدكتور محمود محيي الدين يمثل نموذجًا قادرًا على صياغة سياسات اقتصادية حقيقية ووضع استراتيجيات واضحة لا تعتمد على الحلول السهلة أو الجباية. نحن نريد رئيس حكومة يمتلك رؤية اقتصادية مختلفة، ولا يرى في جيب المواطن الحل الأسهل والأوحد لسد العجز وحل الأزمات.

محمود محي الدين
محمود محي الدين

إذا استمرت حكومة الدكتور مصطفى مدبولي، فما النصيحة السياسية والاقتصادية التي توجهها لها؟

النصيحة الأولى والأهم هي تغيير فقه الأولويات. يجب على رئيس الحكومة البحث عن موارد وحلول حقيقية بعيدًا عن جيب المواطن البسيط.

الشارع المصري يقدر الصدق. فعلى سبيل المثال، الناس تحترم وزير الصناعة لأنه يتحدث بصدق ووضوح دون وعود رنانة. أما المواطنون فقد سئموا الوعود التي لا تنعكس على أرض الواقع. فمنذ عام 2018 والحكومة تتحدث عن الإصلاح والرخاء، ثم جاءت جائحة كورونا، وبعدها استمرت الوعود في 2022 و2024، والآن يتحدثون عن 2026. والسؤال المشروع: متى ينتهي هذا الإصلاح الاقتصادي وتبدأ ثماره في الظهور؟

هل يمكن أن يقدم حزب العدل استجوابات جديدة للحكومة خلال دور الانعقاد المقبل؟

إذا استمرت حكومة الدكتور مصطفى مدبولي، فمن المتوقع أن يشهد دور الانعقاد المقبل تقديم أكثر من استجواب من الهيئة البرلمانية للحزب، وليس استجوابًا واحدًا فقط.

غياب استجوابات الفساد

هل ترجع الأزمة ككل إلى سوء الإدارة أم إلى الفساد كما يرى البعض؟

السببان معًا، لأن كل سوء إدارة في العمل التنفيذي ينتج عنه، بالتبعية، بيئة ممهدة للفساد.

هذا ما يحدث في هذا الإطار يندرج تحت مظلة سوء الإدارة وضعف الرقابة. وكما يُقال: “الطريق إلى الجحيم مفروش بالنوايا الحسنة”. فالأصل هو سوء الإدارة، الذي تترتب عليه ممارسات الفساد، سواء كانت مقصودة أو ناتجة عن إهمال؛ فالنتيجة واحدة، وحيثما وُجد سوء الإدارة وُجد الفساد.

لماذا لا تركزون على الاستجوابات في ملفات الفساد؟

لقد فعلنا ذلك بالفعل. فمثلًا، أعتبر تضارب المصالح أحد أوجه الفساد، وتقدمت بطلب إحاطة بشأن واقعة تضارب مصالح تخص مساعد رئيس مجلس الوزراء، الدكتور هاشم السيد، بعدما تبين جمعه بين منصبه الحكومي وعضوية ورئاسة مجالس إدارة بعض الشركات التجارية، رغم أن منصبه يقتضي التفرغ الكامل. وقد نوقش الطلب داخل اللجنة الاقتصادية، وانتهى بتوصية واضحة بإنهاء حالة تضارب المصالح، وبناءً عليها استقال من مناصبه في تلك الشركات واستمر في عمله الحكومي وفقًا للضوابط القانونية.

لماذا لم تتوسعوا في استخدام الاستجوابات؟

الاستجواب أداة دستورية لها شروط وإجراءات دقيقة، وفي مقدمتها توافر مستندات ووثائق رسمية دامغة تدعم مضمونه. فلا يمكن بناؤه على معلومات مرسلة أو تخمينات قد يتبين لاحقًا عدم صحتها.

لذلك نبدأ بالأسئلة وطلبات الإحاطة لجمع الأدلة، وعندما اكتملت لدينا المستندات الرسمية في ملف قطاع البترول، تقدمنا بالاستجواب فورًا.

ما أبرز العقبات التي تواجهكم في استكمال ملفات الاستجواب؟

تكمن العقبة الأساسية في صعوبة الحصول على المعلومات والبيانات الرسمية. فنقص البيانات يحول دون إعداد ملف متكامل يرقى إلى مستوى الاستجواب، الذي قد يترتب عليه دستوريًا سحب الثقة من المسؤول الحكومي. فالاستجواب يحتاج إلى أدلة قاطعة، بينما تُستخدم طلبات الإحاطة والأسئلة البرلمانية للتحقق من المعلومات الأولية والحصول على ردود رسمية بشأنها.

هل يؤثر غياب قانون تداول المعلومات على دوركم الرقابي؟

بلا شك، نحن في حاجة ماسة إلى قانون ينظم حرية تداول المعلومات. فمن غير المقبول، ونحن نسعى لترسيخ مبادئ الحوكمة والشفافية، أن تستمر صعوبة الحصول على البيانات الرسمية. غياب هذا الإطار التشريعي يفتح الباب أمام الشائعات والتأويلات، بينما تمثل الشفافية الحكومية السلاح الأهم لمواجهتها.

وعلى سبيل المثال، عندما تأخر التعليق الحكومي عدة ساعات على واقعة الطائرة المسيرة، بدأت وسائل إعلام عالمية في تداول سيناريوهات متباينة، ما دفعنا إلى مطالبة الحكومة بإصدار بيان يوضح الحقيقة للرأي العام، وعندما صدر البيان أشدنا به. نحن نثق في كفاءة القوات المسلحة ومؤسسات الدولة الأمنية، لكن الصمت كان يفتح الباب أمام تأويلات سلبية. لذلك فإن الشفافية وإتاحة المعلومات تمثلان جزءًا أساسيًا من حماية الجبهة الداخلية.

حادث ميناء دمياط

بذكر حادث ميناء دمياط الذي يخضع للتحقيقات الآن.. تعرض حزب العدل لهجوم بعد بيانه بشأن واقعة الطائرة المسيرة، ثم تبنت أطراف أخرى الموقف نفسه لاحقًا. كيف تفسر ذلك؟

لدينا مثل شعبي في الصعيد يقول: “اللي يقول كلمة يشيلها”. وأرى أن من يعلن موقفًا عليه أن يتحمل مسؤوليته.

أما بشأن البيان، فهو لم يجزم بوجود طائرة مسيرة من عدمه، وإنما أشار إلى وجود تقارير صحفية دولية صادرة عن جهات متخصصة في قطاع الطاقة تحدثت عن رصد طائرة مسيرة. وبناءً على ذلك طالبنا الحكومة بتوضيح الحقيقة للرأي العام، وطرحنا موقفنا السياسي في حال صحة تلك الأنباء.

لم نجزم بشيء، بل طلبنا توضيحًا رسميًا، وعندما أصدرت الحكومة بيانها في اليوم التالي، أصدرنا فورًا بيانًا آخر أكدنا فيه دعمنا للموقف الرسمي للدولة.

كيف تفسر مهاجمة بعض الكيانات لكم ثم تبنيها الموقف نفسه لاحقًا؟ وهل تتعرضون لاستهداف سياسي؟

ربما لم يقرأ البعض البيان جيدًا، أو لم يستوعبوا طبيعة صياغة البيانات السياسية ومغزاها. أما الحديث عن وجود استهداف، فأراه توصيفًا كبيرًا، ولا أعتقد أن الأمر يصل إلى هذا الحد.

نحن حزب يعمل بجدية، ولدينا مواقف واضحة وثابتة، ونتحرك وفق رؤية سياسية محددة. وعندما يطرأ أي ملف يتعلق بالأمن القومي أو يشغل الرأي العام، فمن الطبيعي أن نتعامل معه باعتبارنا حزبًا سياسيًا مرخصًا يعمل داخل الدولة، وتستمد شرعيته من الدستور والقانون. نحن جزء من مؤسسات هذه الدولة ولسنا طرفًا يعمل من خارجها أو في مواجهتها.

نواب المعارضة

في ظل الأوضاع الراهنة.. ما حدود تأثير النائب المعارض في السياسات العامة؟ وكيف تنسقون مع باقي قوى المعارضة؟

بوصفنا أقلية برلمانية حاليًا، مع تطلعنا إلى أن نصبح أغلبية مستقبلًا، فإننا نسعى إلى تقديم أداء يعبر بوضوح عن مواقفنا. والواقع أن أحزاب الأكثرية لا تشكل الحكومة بشكل مباشر، وإنما يقتصر دورها على دعم سياساتها والتصويت على برنامجها، بخلاف النظم البرلمانية التي تشكل فيها الأغلبية الحكومة وتُحاسب عليها انتخابيًا.

نواب حزب العدل تحت قبة البرلمان - خاص
نواب حزب العدل تحت قبة البرلمان – خاص

أما التنسيق بين قوى المعارضة، على اختلاف توجهاتها الفكرية، من اليسار إلى يمين الوسط والليبراليين، فهو قائم بصورة مستمرة من خلال التوقيع المتبادل على مشروعات القوانين والمقترحات، بما يضمن تمكين جميع الأصوات المعارضة من طرح رؤاها ومبادراتها تحت قبة البرلمان، في إطار من التوافق والتنسيق المستمر لتعزيز دور المعارضة.

بعد انتهاء دور الانعقاد الأول، كيف تقيم مساحة تأثير المعارضة داخل البرلمان؟

لو وجهت إليّ هذا السؤال قبل شهرين، لكانت إجابتي أنه لا توجد مساحة للتحرك على الإطلاق. لكن بعد انتهاء دور الانعقاد ومناقشة عدد من مشروعات القوانين، تغير هذا التقييم نسبيًا، وأستطيع القول إن هناك مساحة للتأثير.

أتذكر في أول يوم لي داخل المجلس، وخلال أول اجتماع للجنة الشؤون الدستورية والتشريعية، طُرح مشروع قانون متعلق بالكهرباء كان من شأنه أن يتسبب في زيادة الأسعار بنسبة تتراوح بين 20% و30%. شهدت اللجنة نقاشًا حادًا، ولم يكن الحاضرون يعرفونني جيدًا في يومي الأول بالمجلس، ولا إلى أي حزب أنتمي. وشارك في الاعتراض عدد من نواب المعارضة، من بينهم ضياء الدين داود ومحمد عبد العليم داود وآخرون.

ورغم الموافقة على مشروع القانون من حيث المبدأ بأغلبية 11 صوتًا مقابل 9 أصوات معارضة، وهو ما أثار دهشة كثيرين، فإننا وضعنا اشتراطات واضحة لتمريره، أهمها إلزام وزارة الكهرباء بالرد على تساؤلاتنا، خاصة المتعلقة بنسبة الفاقد في الشبكة الكهربائية. وحتى الآن لم تقدم الوزارة هذه الردود، ولذلك لم يُطرح القانون للنقاش التفصيلي، وبقي مجمدًا عمليًا.

وهناك نموذج آخر يتمثل في مشروع قانون جهاز مستقبل مصر، حيث نجحت المعارضة في إدخال 72 تعديلًا على 81 مادة، وهو ما يؤكد أن هناك مساحة حقيقية للتأثير متى أحسن استخدامها.

الحيز المتاح

ما ردك على من يصف حزب العدل بأنه “معارضة مستأنسة” أو معارضة تتحرك فقط داخل “الحيز المتاح”؟

دعنا نتحدث أولًا عن مفهوم “الحيز المتاح”. العمل السياسي في جوهره هو فن الممكن.

في عام 2020 كان لحزب العدل ثلاثة نواب فقط في البرلمان، واليوم لدينا 16 نائبًا، وهذا تطور ملموس. ولو كنا نملك الأغلبية البرلمانية وشكلنا الحكومة ثم عجزنا عن تنفيذ برنامجنا، لكان من حق المواطنين محاسبتنا. لكننا نمثل أقلية برلمانية، ومع ذلك كنا من رفضوا برنامج الحكومة، بينما وافقت عليه الأغلبية.

وعلى الشارع أن يدرك جيدًا من يدافع عن حقوقه تحت قبة البرلمان. نحن لسنا معارضة مستأنسة، بل وصفنا حكومة الدكتور مصطفى مدبولي بأنها حكومة فاشلة، وطالبنا برحيلها، واعتبرناها من أضعف الحكومات في تاريخ مصر الحديث. فكيف يمكن بعد ذلك وصفنا بأننا معارضة متفقة مع الحكومة؟

الأجندة البرلمانية المقبلة

ما أبرز ملامح أجندتك في دور الانعقاد المقبل؟

تتضمن أجندتي خلال المرحلة المقبلة عدة ملفات رئيسية، بعضها يمكنني الإعلان عنه الآن، بينما أفضّل الاحتفاظ بتفاصيل البعض الآخر لأننا لا نزال في مرحلة المراجعة والإعداد.

سأتقدم بثلاثة مشروعات قوانين، من أبرزها مشروع قانون لتنظيم الاتحادات الطلابية في المدارس والجامعات. وأرى أن هذا الملف تأخر كثيرًا، وبوصفي أحد أبناء الاتحادات الطلابية، فإن هذه التجربة هي التي صقلت شخصيتي، ورسخت لدي حب العمل العام والممارسة السياسية.

وأعتقد أن الجيل الحالي يواجه تضييقًا بسبب غياب المساحة الكافية للنشاط الطلابي داخل الجامعات، وربما أكون قد عاصرت آخر الفترات التي شهدت قدرًا من فاعلية الاتحادات الطلابية، دون أن ألحق بعصرها الذهبي.

أتمنى أن تعود الممارسة السياسية الحقيقية داخل الجامعات، ولا أرى مبررًا لعبارة “لا سياسة داخل الجامعة”. فالطلاب مواطنون، والمرحلة الجامعية هي السن القانونية للمشاركة والترشح في انتخابات المحليات، وإذا كنا جادين في تفعيل المحليات، فمن الطبيعي أن نتيح للشباب ممارسة العمل السياسي داخل الجامعات.

ما طموحاتكم السياسية كحزب خلال المرحلة المقبلة؟

إذا تحدثنا عن الطموحات، فمن الطبيعي أن يسعى أي حزب سياسي إلى أن يكون قادرًا على تشكيل الحكومة مستقبلًا. وعلى المدى القريب، أتمنى أن تشهد المرحلة المقبلة تمثيلًا لبعض كوادر الحزب في مواقع تنفيذية، لأن لدينا كفاءات تمتلك الخبرة والسيرة الذاتية التي تؤهلها لتحمل هذه المسؤوليات.

الإفراج عن سجناء الرأى

كان من بين الملفات المطروحة مؤخرًا تنشيط الحياة السياسية. ما مطالب حزب العدل لتنشيط الحياة السياسية في المرحلة المقبلة، خاصة فيما يتعلق بملف سجناء الرأي؟

مطلبنا الأول والثابت هو الإفراج الكامل عن جميع سجناء الرأي؛ كل من سُجن بسبب التعبير عن رأيه أو اتخاذ موقف سياسي معارض، ما دام لم يتورط في دماء المصريين أو يشارك في أعمال عنف. فقضايا الرأي يجب ألا يكون مصير أصحابها السجون في مصر.

كما أن تنشيط الحياة السياسية يتطلب فتح المجال العام، ومنح الأحزاب مساحات حقيقية للعمل والتعبير، وإقرار قانون حرية تداول المعلومات، وإجراء انتخابات المحليات المتوقفة.

المحليات واجب الوقت

بالحديث عن المحليات.. فإن قانون الإدارة المحلية معطل منذ سنوات، وغياب المجالس المحلية المنتخبة ألقى بعبء خدمي ورقابي كبير على نواب البرلمان. ما تحركاتكم التشريعية والسياسية لإقرار القانون وإجراء الانتخابات المحلية؟

هذا صحيح تمامًا؛ فغياب المحليات يشكل عبئًا كبيرًا يجهض الدور الرقابي والتشريعي الحقيقي للنائب البرلماني. اليوم، إذا واجه المواطنون مشكلة انقطاع مياه، أو كسر ماسورة، أو احتاجوا إلى إنشاء مطب صناعي، فإنهم يتوجهون إلى نائب البرلمان، رغم أن هذه الملفات الخدمية من صميم اختصاص المجالس المحلية المنتخبة.

ونحن في حزب العدل تقدمنا بمشروعي قانون متكاملين؛ الأول يتعلق بنظام الإدارة المحلية، والثاني بإجراءات الانتخابات المحلية. وقد حظيا بتوافق واسع خلال جلسات الحوار الوطني، وسنواصل الضغط البرلماني لإخراج هذين القانونين إلى النور وإجراء الانتخابات المحلية في أقرب وقت.

مطالب الصعيد

نذهب للصعيد.. تقدمت بطلب إحاطة بشأن تعثر وتوقف العمل في عدد من المستشفيات العامة بمحافظة قنا. ما آخر تطورات هذا الملف، وكيف كان رد الحكومة؟

الصعيد عمومًا، ومحافظة قنا على وجه الخصوص، يعانيان من إهمال حكومي تراكمي وتاريخي في الخدمات الأساسية، سواء في المستشفيات أو الطرق أو الصرف الصحي.

نحن اليوم في عام 2026، وما زالت مستشفيات مركزية كبرى متوقفة عن العمل منذ عام 2015، مثل مستشفى دشنا المركزي ومستشفى نقادة. والحكومة تعطينا موعدًا تلو الآخر دون تنفيذ.

يتم إنشاء مبانٍ خرسانية جيدة ضمن مبادرة “حياة كريمة”، لكنها تظل مباني خاوية دون أطباء أو تجهيزات طبية. فما فائدة إنفاق المليارات على مبانٍ لا تقدم خدمة علاجية للمواطن؟

ويبدو أن الحكومة تعيش في معزل عن الواقع، وتتعامل وكأن مصر هي القاهرة الجديدة أو العاصمة الإدارية فقط، بينما تناست الصعيد.

وقد أبلغتنا وزارة الصحة مؤخرًا بأن مستشفى دشنا سيفتتح في 30 أكتوبر، وأنا شخصيًا نقلت للأهالي موعدًا احترازيًا في الأول من ديسمبر، لكن مع هذه الحكومة تظل جميع المواعيد قابلة للتسويف والتعطيل.

في الختام.. نسألك كمواطن.. هل تتوقع زيادات جديدة في الأسعار خلال الفترة المتبقية من العام؟

أتمنى بالطبع أن تتوقف هذه الموجة تخفيفًا عن المواطنين، لكن ذلك في تقديري يرتبط بإجراء تغيير حكومي شامل.

أما إذا استمرت الحكومة الحالية، فلا أعتقد أن هذا النهج سيتغير، لأنه يعتمد على اللجوء إلى جيب المواطن باعتباره الحل الأسهل، بدلًا من البحث عن حلول هيكلية وتشغيلية حقيقية.