5 عقبات تواجه قانون التصالح في مخالفات البناء.. الرسوم والمعاينات وأزمة المتخللات في الصدارة
البرلمان ينتظر المشروع بعد تعديلات حكومة مدبولي وسط مطالبات بتبسيط إجراءات التراخيص لوقف المخالفات

يترقب مجلس النواب إرسال الحكومة مشروع قانون بتعديل قانون التصالح في مخالفات البناء، وذلك بعدما أعلن الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، خلال اجتماع مع وزراء التنمية المحلية والبيئة، وشئون المجالس النيابية، والعدل، عن عدد من التعديلات المقترحة على قانون التصالح في بعض مخالفات البناء وتقنين أوضاعها رقم 187 لسنة 2023.
وتبرز من واقع شكاوى المواطنين والمشكلات التي ظهرت أثناء التطبيق 5 عقبات رئيسية تتطلب معالجة تشريعية وتنفيذية لضمان إغلاق الملف بصورة نهائية
1_ بطء المعاينات وطول الإجراءات
تأتي إطالة مدة المعاينات واستكمال الإجراءات داخل اللجان المختصة على رأس المشكلات التي واجهت المتقدمين بطلبات التصالح، حيث أدى تعدد مراحل الفحص والمعاينة إلى تأخر حسم عدد من الملفات.
وتطرح هذه المشكلة حاجة إلى تبسيط الإجراءات وتقليل المدد اللازمة لفحص الطلبات، بما يضمن انتقال الملف من مرحلة إلى أخرى دون تأخير غير مبرر.
2_ ارتفاع رسوم التصالح
يمثل ارتفاع قيمة الرسوم المقررة عقبة أمام شريحة من المواطنين الراغبين في تقنين أوضاع مخالفاتهم، خاصة مع تفاوت القدرة المالية بين أصحاب طلبات التصالح. وتعد هذه المسألة من أبرز النقاط التي تستهدف التعديلات المقترحة معالجتها من خلال تقديم مزيد من التيسيرات التي تساعد المواطنين على استكمال ملفاتهم وعدم توقف إجراءات التصالح بسبب الأعباء المالية.
3_ أزمة “المتخللات” والكتل العمرانية
تعد “المتخللات” من أكثر الملفات تعقيدا، والمقصود بها المساحات الفضاء الواقعة بين مبان متلاصقة ومخالفة داخل نطاق التصالح. كما تبرز إشكالية الكتل المبنية المتاخمة للأحوزة العمرانية، وهو ما يجعل اعتماد الأحوزة العمرانية المحدثة عاملا أساسيا في تحديد الموقف القانوني لهذه الحالات وإنهاء مساحة الاجتهاد في التعامل معها.
4_ التعديات على خطوط التنظيم
تواجه بعض طلبات التصالح إشكالية وجود مبان أو أجزاء من مبان متجاوزة لخطوط التنظيم، خصوصا في الحالات التي يصعب فيها إزالة هذه التعديات فعليا على أرض الواقع. وتحتاج هذه الحالات إلى قواعد واضحة تحدد كيفية التعامل معها، بما يحقق التوازن بين ضبط العمران والتعامل الواقعي مع أوضاع قائمة بالفعل.
5_ اختلاف تفسير القانون بين المحليات
من أبرز مشكلات التطبيق أيضا تباين تفسير الكتب الدورية والتعليمات من محافظة إلى أخرى، وهو ما أدى إلى اختلاف طريقة التعامل مع الطلبات وتأخر حسم بعضها. ويؤدي هذا التباين إلى غياب معيار موحد أمام المواطن، بحيث قد يختلف موقف طلب التصالح وفقا للجهة المحلية التي تتولى فحصه، وهو ما يفتح الباب أمام الاجتهادات الفردية ويزيد من تعقيد الإجراءات.
الطلبات القديمة.. عقبة إضافية أمام إغلاق الملف
ولا تتوقف مشكلات التصالح عند العقبات الخمس السابقة، إذ يظل مصير الطلبات التي سبق تقديمها وفقا للقوانين السابقة من الملفات التي تحتاج إلى حسم واضح.
أكدت النائبة سحر عتمان أن ملف التصالح في مخالفات البناء وتراخيص المباني يمثل أهمية بالغة لقطاع عريض من المواطنين، مشددة على ضرورة تسهيل الإجراءات وحل العقبات التي تواجه المواطنين عقب إتمام عملية التصالح.
وأوضحت في تصريحات خاصة لـ”ليبرالي” أن عدم الاعتداد بـ “نموذج “» و”نموذج “10” كترخيص ملاحق لاستكمال البناء يفرغ قانون التصالح من هدفه الحقيقي، مشيرة إلى أن الهدف من التصالح ليس فقط تقنين الأوضاع الحالية، بل تمكين المواطنين من التوسع العمراني واستكمال البناء، بالإضافة إلى تسهيل الحصول على التراخيص الخاصة بالأنشطة التجارية والخدمية داخل المبنى (مثل المحال التجارية والصيدليات والعيادات) واستخراج المرافق الأساسية من مياه وكهرباء.

وأضافت “عتمان” أن التعديلات الإجرائية الأخيرة أزالت عبارة “استكمال البناء” من النموذج الجديد، مما تسبب في توقف أعمال البناء لدى العديد من المواطنين رغم سدادهم للمبالغ المستحقة للتصالح.
كما أشادت النائبة بالتوجيهات والجهود الوزارية الأخيرة التي تضمنت تقديم تخفيض بنسبة 50% على قيمة التصالح لحاملي بطاقات “تكافل وكرامة” والأشخاص من ذوي الإعاقة، واصفة القرار بالممتاز والذي يراعي البعد الاجتماعي، مطالبة بضرورة القضاء على البيروقراطية وتخفيف الدورة المستندية وتعدد جهات المعاينة والقياس، لضمان سرعة إنجاز المعاملات وتيسير الخدمة على المواطنين.
فيما أكد النائب أحمد السجيني السابق ورئيس لجنة الادارة المحلية السابق بمجلس النواب، أن إنهاء ملف التصالح في مخالفات البناء بشكل نهائي يتطلب التعامل بواقعية وتيسير الإجراءات على المواطنين، مشدداً على أن حل هذه الأزمة مرتبط جذرياً بتسهيل استصدار تراخيص البناء لمنع ظهور مخالفات جديدة.

وأوضح “السجيني” في تصريحاته لـ”ليبرالي” أن الحكومة إذا أرادت إغلاق هذا الملف للابد، فعليها توحيد جهات الإقرار والتصديق وتقليل الدورة المستندية التي يمر بها المواطن، مشيراً إلى أن تعقيد إجراءات التراخيص وتعدد الجهات المطلوبة للحصول على الموافقات يدفع المواطنين لارتكاب المخالفات، مما يضطر الدولة لاحقاً لتعديل القوانين وفتح مهل جديدة لتحقيق السلم الاجتماعي.
وأضاف أن الحق الدستوري للمواطن في البناء يوجب على السلطات التنفيذية إصدار التراخيص في المواعيد القانونية المحددة، لافتاً إلى أن الصعوبات في التراخيص تشمل القرى والوحدات المحلية وحتى بعض مناطق هيئة المجتمعات العمرانية.
وأشار “السجيني” إلى أن التعديلات الأخيرة التي أعلنت عنها الحكومة تضمنت التغلب على عقبات سابقة مثل تغيير الاستخدام والاشتراطات البنائية وتعدد الجهات، مؤكداً أن هذه التعديلات تعكس الرؤى والملاحظات التي سبق وأن طالب بها النواب خلال مناقشات القانون بمجلس النواب لتفادي القصور التنفيذي وتحقيق الهدف المنشود منه.
طالب النائب محمد جامع، عضو مجلس الشيوخ ونائب رئيس الهيئة البرلمانية لحزب العدل، بأن تتجاوز تعديلات قانون التصالح المرتقبة أمام مجلس النواب حدود التعديل التشريعي الشكلي، لتنفذ إلى جوهر المشكلات التي عانها المواطنون خلال تطبيق القانون في الفترة الماضية.

وكشف جامع أن البيانات الحكومية المعلنة تشير إلى تقدّم أكثر من مليوني مواطن بطلبات تصالح بموجب القانون رقم 187 لسنة 2023، جرى الانتهاء من نحو 1.75 مليون طلب منها. ورأى أن هذه الأرقام، وإن كانت تعبّر عن إقبال واسع من المواطنين على تقنين أوضاعهم، إلا أنها تكشف في المقابل عن تراكم أعداد كبيرة من الطلبات التي ما زالت تنتظر الاستكمال أو الحسم النهائي.
وأشار إلى معطيات وتقديرات أخرى تتعلق بالطلبات المتراكمة منذ قوانين سابقة، تفيد بوجود ملايين الحالات العالقة منذ سنوات في انتظار الفحص والبت فيها، مؤكدًا أن جوهر الأزمة ليس في عزوف المواطنين عن التقنين، وإنما في قدرة المنظومة الإدارية على استيعاب هذا الكم الهائل من الطلبات بكفاءة وسرعة.
وضرب مثالاً على الفجوة القائمة بين حجم الطلبات والقرارات الصادرة بشأنها، موضحًا أن طلبات التصالح في المدن الجديدة تجاوزت 36 ألف طلب، في حين لم يتجاوز عدد القرارات الصادرة بشأنها نحو 12.5 ألف قرار فقط، وفق بيانات حكومية معلنة حتى يناير 2026.
ورصد جامع أبرز العقبات التي واجهت المواطنين أثناء تطبيق القانون، ومنها: بطء الإجراءات، وتعدد الجهات المعنية بملف واحد، وتضارب التفسيرات القانونية، إضافة إلى تعطل المنظومة الإلكترونية، وتأخر البت في الطلبات، فضلًا عن الإشكاليات المرتبطة بتحديد قيمة التصالح وأعمال التثمين.
وأوضح أن تراكم هذه العقبات حوّل إجراءات التصالح، في كثير من الحالات، إلى مسار طويل ومرهق، وهو ما يستوجب معالجة جذور التعطيل بدلًا من إقحام إجراءات إضافية جديدة.
شدد جامع على أن التعديلات المقبلة ينبغي ألا تكتفي بتوسيع نطاق حالات التصالح، بل يجب أن تعالج أصل الاختلالات وتوفر آلية أكثر وضوحًا وسرعة، قائلاً: “نحتاج إلى مدة زمنية محددة وملزمة لحسم كل طلب، وإخطار المواطن مرة واحدة وبشكل واضح بكل ما ينقص ملفه، بدلًا من أن يظل يتنقل بين الجهات ويستكمل مستندات جديدة في كل مرحلة”.
كما دعا إلى وضع قواعد موحدة وواضحة للفحص والتقييم وتحديد مقابل التصالح، للحد من التفاوت في التطبيق بين المحافظات واللجان المختلفة، مع الإعلان الصريح عن هذه القواعد والمعايير للمواطنين. وأكد ضرورة إتاحة مسار سريع وفعّال للتظلم، مع إلزام الجهات المختصة بتسبيب قرارات الرفض، وتحديد سقف زمني واضح للبت في التظلمات.
حماية المواطن من تبعات الأخطاء الإدارية
طالب نائب رئيس الهيئة البرلمانية لحزب العدل في الشيوخ بحماية المواطن الذي استوفى مستنداته وسدد مستحقاته المالية، من تحمّل أي أعباء إضافية بسبب تأخير أو خطأ إداري لا يد له فيه.
وأضاف أن التعديلات المرتقبة ينبغي أن تتضمن مؤشرات أداء واضحة لمساءلة الجهات المسؤولة، أبرزها: المدة الزمنية اللازمة لإنهاء الطلبات، وعدد الطلبات المحسومة شهريًا، وحجم الملفات المتراكمة، ونسبة الطلبات التي آلت إلى قرارات نهائية.
كما طالب النائب إيهاب منصور، وكيل لجنة القوى العاملة بمجلس النواب، بضرورة الإسراع في إصدار قانون تصالح واضح وسليم الصياغة، بما يضمن إنهاء كافة الملفات العالقة منذ سنوات دون ترك أي غموض قانوني قد يعرقل تطبيقه على أرض الواقع.
وأكد منصور، أن وضوح النصوص القانونية يمثل شرطًا أساسيًا لنجاح أي تعديل تشريعي في هذا الملف، مشددًا على أن أي غموض أو تفسيرات متعددة للقانون ينعكس سلبًا على المواطنين ويطيل أمد إجراءاتهم دون مبرر.

وشدد وكيل لجنة القوى العاملة بمجلس النواب على أهمية أن يتضمن القانون الجديد فترة زمنية محددة وواضحة لإغلاق ملف التصالح بشكل نهائي وكامل، سواء كانت هذه المدة عامًا واحدًا أو عامين على الأكثر، بحيث لا يظل الباب مفتوحًا إلى أجل غير مسمى.
وأوضح أن تحديد هذه المهلة الزمنية من شأنه أن يمنح المواطنين فرصة حقيقية وكافية لتوفيق أوضاعهم القانونية، واستكمال كل ما يلزم من إجراءات ومستندات خلال إطار زمني معلوم ومحدد سلفًا، بدلًا من استمرار حالة الترقب والانتظار التي يعيشها كثير من أصحاب الطلبات حاليًا.
وأشار منصور إلى أن الهدف من هذه المطالبة ليس مجرد تمديد آخر لفترة التصالح كما حدث في مرات سابقة، وإنما وضع حد فاصل وأخير لهذا الملف، بما يحقق حالة من الاستقرار القانوني للمواطنين والدولة على حد سواء، ويضع نهاية واضحة لسنوات طويلة من التعديلات المتلاحقة والتمديدات المتكررة، مؤكدا على أن نجاح القانون الجديد لن يُقاس بمجرد إصداره، وإنما بقدرته الفعلية على إنهاء الملفات العالقة بالكامل خلال المهلة المحددة، بما يضع حلاً جذريًا ونهائيًا لأزمة استمرت لسنوات طويلة.



