
خبير تأمينات لـ”ليبرالي”: المؤتمر الصحفي لرئيس الهيئة لم يحسم الجدل.. والواقع وحده يحكم على نجاح منظومة التحول الرقمي
دار الخدمات النقابية: رئيس هيئة التأمين الاجتماعي يتجاهل معاناة أصحاب المعاشات ونطالب بكشف حقيقة تعثر منظومة التحول الرقمي
لم يحسم المؤتمر الصحفي الذي عقده رئيس الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي اللواء جمال عوض بشأن منظومة التحول الرقمي، الجدل المثار حول أدائه في أزمة التأمينات، وتصاعدت ردود فعل رافضة للرواية الرسمية التي نفت وجود أزمة في تقديم الخدمات التأمينية.
وبينما أكدت دار الخدمات النقابية والعمالية ، اليوم الثلاثاء، استمرار معاناة أصحاب المعاشات والمؤمن عليهم داخل مكاتب التأمينات، شدد خبير التأمينات والمعاشات كامل السيد، في تصريحات خاصة لـ”ليبرالي”، على أن نجاح أي مشروع للتحول الرقمي لا يُقاس بالأرقام المعلنة أو المؤتمرات الصحفية، وإنما بقدرة المواطن على الحصول على حقه بسهولة وكرامة وفي الوقت المناسب، معتبرًا أن الواقع الميداني لا يزال يطرح تساؤلات جوهرية حول أداء المنظومة.
وعقدت الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي، أمس الاثنين، مؤتمرًا صحفيًا لاستعراض الموقف التنفيذي لمنظومة التأمينات الاجتماعية الجديدة، وما تحقق منذ بدء تشغيلها، وذلك في أعقاب تزايد الشكاوى خلال الأشهر الماضية بشأن تعطل بعض الخدمات وإجراءات صرف المستحقات. وخلال المؤتمر، استعرض رئيس الهيئة اللواء جمال عوض مؤشرات أداء المنظومة، مؤكدًا أنها أتاحت لأول مرة 170 خدمة تأمينية عبر نظام إلكتروني موحد، ومستعرضًا أرقامًا بشأن حجم الخدمات المقدمة، والتحصيل الإلكتروني، وصرف المعاشات، إلى جانب مراحل تنفيذ المشروع ونقل قواعد البيانات قبل إطلاق النظام الجديد في مارس 2026.
لم يقدم إجابات عملية
من جانبه، أكدت دار الخدمات النقابية والعمالية أن المؤتمر الصحفي الذي عقده رئيس الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي، وما تضمنه من عرض لتطورات منظومة التحول الرقمي والخدمات التأمينية وردود على الشكاوى التي أثيرت خلال الفترة الماضية، لم يقدم إجابات عملية على معاناة أصحاب المعاشات والمؤمن عليهم، معتبرة أن نفي وجود أزمة لا يغير من واقع الشكاوى اليومية داخل مكاتب التأمينات.
وأوضحت الدار، في بيان لها، أنها تدعم تطوير منظومة التأمينات الاجتماعية والتحول الرقمي باعتبارهما ضرورة تصب في مصلحة ملايين المؤمن عليهم وأصحاب المعاشات، شريطة أن ينعكس ذلك في صورة خدمات أكثر كفاءة وسرعة واحترامًا لحقوق المواطنين، لا أن يتحول التطوير إلى سبب جديد لتعطيل حصولهم على مستحقاتهم.

وشددت على أن نجاح أي منظومة لا يقاس بما يُعلن عنها من خدمات، وإنما بقدرة المواطن على الحصول على حقه بسهولة وفي الوقت المناسب، مؤكدة أن استمرار تردد المواطنين على مكاتب التأمينات مرات متكررة لإنهاء معاملاتهم، وتأخر صرف المستحقات، يعكس وجود مشكلات ميدانية لا يمكن تجاهلها أو تجاوزها بالمؤتمرات الصحفية.
وأضافت أن التحول الرقمي الحقيقي يجب أن يختصر الوقت والجهد، معتبرة أنه من غير المقبول استمرار اضطرار المواطنين لإعادة زيارة المكاتب بسبب الأعطال التقنية أو ضعف التنسيق أو فقدان البيانات التي سبق تقديمها.
وأشارت الدار إلى أن نجاح أي مشروع للتحول الرقمي يرتبط بالاستثمار في العنصر البشري، مؤكدة أن تحميل الموظفين مسؤولية تعثر المنظومة يثير تساؤلات حول كفاية برامج التدريب والتأهيل التي سبقت تشغيل النظام الجديد، ومدى توافر الدعم الفني المستمر للعاملين أثناء التطبيق.
كما طالبت بتطوير آليات إخطار المواطنين فورًا بأي مستندات أو بيانات ناقصة من خلال الرسائل النصية أو الوسائل الإلكترونية أو الهاتفية، بدلاً من تحميلهم أعباء الحضور المتكرر وإهدار الوقت والنفقات، بما يتوافق مع أهداف التحول الرقمي.
ودعت الدار الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي إلى إعلان تقرير تفصيلي للرأي العام يتضمن ما تحقق من خطة تطوير المنظومة، ونسب الإنجاز الفعلية، وعدد الخدمات المتاحة، وحجم الطلبات المتراكمة، إلى جانب خطة زمنية واضحة لمعالجة المشكلات، بما يعزز الشفافية ويعيد الثقة بين الهيئة والمواطنين.
وطالبت كذلك بتشكيل لجنة مستقلة تضم خبراء في التأمينات ونظم المعلومات والإدارة، إلى جانب ممثلين عن منظمات المجتمع المدني والجهات المعنية، لإجراء تقييم موضوعي لمنظومة التحول الرقمي منذ بدء تشغيلها، ورصد أوجه القصور، وتقديم توصيات عملية لتصحيح المسار ومنع تكرار الأزمات.
كما دعت إلى تكثيف المتابعة الميدانية لمكاتب التأمينات والاستماع المباشر إلى المواطنين والعاملين، باعتبار أن التقييم الحقيقي للأداء يبدأ من مواقع تقديم الخدمة وليس من التقارير أو المؤشرات الرقمية وحدها.
وطرحت الدار عددًا من التساؤلات التي قالت إنها تستحق إجابات واضحة من الهيئة، أبرزها: ما هي الشركة التي تولت تنفيذ منظومة التحول الرقمي الجديدة؟ وما خبراتها وسابقة أعمالها؟ وما قيمة التعاقد معها؟ وما الالتزامات الفنية والتعاقدية التي تعهدت بتنفيذها؟ وهل أجرت الهيئة تقييمًا مستقلاً لمدى التزام الشركة بهذه الالتزامات في ضوء ما شهدته المنظومة من تعثر وشكاوى متكررة؟
وأكدت أن من حق الرأي العام الاطلاع على هذه المعلومات بشفافية، باعتبار أن الأمر يتعلق بإدارة أموال التأمينات وحقوق ملايين المواطنين، مطالبة بمساءلة الشركة المنفذة وتطبيق الإجراءات القانونية والتعاقدية اللازمة إذا ثبت وجود أي تقصير من جانبها، حتى لا يتحمل المواطنون والعاملون تبعات أي إخفاق فني أو إداري.
وشددت على أن التأمين الاجتماعي حق دستوري وضمانة أساسية للأمن الاجتماعي والاقتصادي لملايين العاملين وأصحاب المعاشات وأسرهم، وأن نجاح أي عملية تطوير يجب أن يقاس بمدى احترام هذا الحق، وسرعة إنجازه، وصون كرامة المواطنين أثناء حصولهم على خدماتهم، وليس بمجرد الإعلان عن أرقام أو مؤشرات لا يلمس المواطن أثرها في حياته اليومية.
لم يحسم الجدل
من جانبه، قال خبير التأمينات والمعاشات نائب رئيس اتحاد المعاشات، كامل السيد، في تصريحات خاصة لـ”ليبرالي”، إن المؤتمر الصحفي الأخير لرئيس الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي لم يحسم الجدل الدائر بشأن أداء منظومة التحول الرقمي، مؤكدًا أن المعيار الحقيقي لنجاح أي مشروع تطوير لا يتمثل في الأرقام أو البيانات الرسمية، وإنما في قدرة المواطن على الحصول على حقه بسهولة وكرامة وفي الوقت المناسب.

وأضاف أن إعلان رئيس الهيئة إتاحة 170 خدمة تأمينية للمؤمن عليهم وأصحاب المعاشات وأصحاب الأعمال يستحق التوقف، لافتًا إلى أن مركز خدمة العملاء الذي أُنشئ عام 2006 كان يقدم ما يقرب من 200 خدمة بكفاءة شهد بها المتعاملون، معتبرًا أن التطوير الحقيقي كان ينبغي أن يبني على هذا الإنجاز لا أن يقدم عددًا أقل باعتباره نقلة جديدة.
وأشار السيد إلى أن إعلان رئيس الهيئة فشل محاولتين لدمج قواعد البيانات يطرح تساؤلات فنية مهمة، أبرزها مدى سلامة قرار دمج قاعدة بيانات صندوق قطاع الأعمال العام والخاص، وهي الأكبر والأكثر تعقيدًا، داخل قاعدة بيانات الصندوق الحكومي الأصغر، مؤكدًا أن الإجابة عن هذا السؤال قد تفسر جانبًا من التعثر الذي شهدته المنظومة.
وأوضح، في تصريحاته لـ”ليبرالي”، أن التأكيد المتكرر على عدم وجود “أزمة سيستم”، ووصف ما حدث بأنه مجرد “تحدٍ تقني”، إلى جانب الإعلان عن الانتهاء من 90% من الحالات المتأخرة، لا يتوافق مع ما يشهده المواطنون يوميًا داخل مكاتب التأمينات، حيث لا تزال الشكاوى مستمرة، والازدحام قائمًا، وكثير من أصحاب الحقوق ينتظرون إنهاء إجراءاتهم أو صرف مستحقاتهم بعد مراجعات متكررة.
كما ذكّر بالوعود التي أُعلنت قبل تشغيل نظام CRM خلال اجتماع رئيس مجلس الوزراء في 8 فبراير 2026، والتي تضمنت إتاحة 40 خدمة جديدة فور التشغيل ترتفع إلى 95 خدمة خلال ستة أشهر، مشيرًا إلى أن النظام بدأ العمل في 24 فبراير، وانقضت المدة المحددة، بينما لا يزال المواطنون يتساءلون عن الخدمات التي نُفذت بالفعل، وأسباب عدم إعلان نتائج واضحة بشأن ما تحقق.
ورأى أن تحميل الموظفين مسؤولية تعثر المنظومة بدعوى مقاومة النظام الجديد أو ضعف استيعاب التدريب يثير تساؤلات حول مدى كفاية برامج التأهيل التي سبقت تشغيل النظام، مؤكدًا أن نجاح أي مشروع للتحول الرقمي يبدأ بتأهيل العنصر البشري وتوفير الدعم الفني المستمر، وليس بإلقاء مسؤولية الإخفاق عليه.
وأضاف أن تبرير تعطل بعض الطلبات بنقص المستندات يفرض بدوره سؤالًا مشروعًا: لماذا قُبلت الملفات الناقصة من الأساس؟ ولماذا لم تُفعّل وسائل الإخطار الحديثة، مثل الرسائل النصية، لإبلاغ المواطنين بالنواقص فور اكتشافها، بما يخفف عنهم مشقة الحضور المتكرر؟
وأكد السيد أن التحول الرقمي الحقيقي لا يقتصر على تشغيل برامج أو شراء أجهزة، وإنما يقوم على بناء منظومة تجعل الخدمة أسهل وأسرع وأكثر شفافية، مشددًا على أن اضطرار المواطن لتقديم مستندات سبق أن قدمها أو العودة أكثر من مرة للحصول على الخدمة يعني وجود خلل في إدارة المنظومة.
ودعا إلى تشكيل لجنة تقصي حقائق مستقلة تضم خبراء في التأمينات ونظم المعلومات والإدارة لتقييم ما جرى منذ تشغيل النظام الجديد، وتحديد المسؤوليات، ووضع خارطة طريق لتصحيح المسار، إلى جانب إجراء تقييم مالي واكتواري مستقل، وتكليف الأجهزة الرقابية بالنزول إلى مكاتب التأمينات والاستماع مباشرة إلى المواطنين ومتابعة الأداء الفعلي للمنظومة.
وشدد خبير التأمينات والمعاشات على أن مؤسسات الدولة تزداد قوة عندما تعترف بأوجه القصور وتعالجها، مشددًا على أن السؤال الذي سيظل الفيصل في تقييم التجربة هو: هل خرج المواطن من مكتب التأمينات وقد حصل على حقه بسهولة وكرامة وفي الوقت المناسب؟ فإذا كانت الإجابة نعم فقد نجح المشروع، أما إذا كانت لا، فإن الواقع سيظل الحكم الأول والأخير.







