بين المناخ السياسي وأولويات المانحين.. تجدد أزمة التمويل الأجنبي للمنظمات الحقوقية

وزارة التضامن: الرقابة على التمويل تتم وفق القانون والرفض يقتصر على الطلبات غير المستوفاة
مجدي عبد الحميد: التضييق على المنظمات الحقوقية منهج يضر بالصالح العام ويقوض مصداقية المؤسسات الوطنية
مجدي حلمي: هناك توجه حكومي لمحاصرة المجتمع المدني الحقوقي وتعطيل تنفيذ توجيهات الرئيس الداعمة للعمل الأهلي
أمجد فتحي: المشكلة ليست في الرقابة على التمويل.. بل في بطء الإجراءات وتأخر الموافقات
لم يكن إعلان مؤسسة قضايا المرأة المصرية برئاسة الحقوقية عزة سليمان تعليق العمل بالمؤسسة طوال شهر أغسطس سوى أحدث حلقات أزمة التمويل التي تواجه عدداً من منظمات المجتمع المدني المستقلة في مصر، بعد شكاوى متكررة بشأن تأخر الموافقات من وزارة التضامن الاجتماعي على المنح ورفض مشروعات، وما ترتب على ذلك من تقليص الموارد والاعتماد بصورة أكبر على العمل التطوعي.
هذه التطورات أعادت إلى الواجهة ملف التمويل الأجنبي للمنظمات الحقوقية الممتد منذ القضية رقم 173 لسنة 2011، مروراً بقانون تنظيم العمل الأهلي، وصولاً إلى تداعيات حرب غزة في أكتوبر 2023 والتحولات في سياسات المانحين الدوليين، وهي عوامل تفسر الأزمة الراهنة.
وتعتمد هذه المنظمات تاريخياً على التمويل الأجنبي لتمويل برامجها الحقوقية، في ظل محدودية التمويل المحلي، فيما تشير مصادر حقوقية لـ”ليبرالي” إلى أن المنظمات المستقلة تواجه صعوبات أكبر في الحصول على الموافقات مقارنة بالجمعيات ذات الطابع التنموي أو المدعومة رسمياً، التي تستحوذ على النصيب الأكبر من التمويل المعتمد.
أزمة الرفض الإداري
أرجعت مؤسسة قضايا المرأة المصرية قرار تعليق العمل خلال أغسطس إلى انتهاء عدد من المشروعات، وتراجع الموارد المالية، والضغوط التي تعرض لها فريق العمل، مؤكدة أن التعليق يهدف إلى إعادة تنظيم الموارد ومراجعة أولويات العمل، على أن يُستأنف تقديم الخدمات الشهر المقبل.

وجاء القرار بعد أسابيع من إعلان المؤسسة رفض التظلم المقدم بشأن مشروع “من حقي حمايتي”، ورفض مشروع “تعزيز قدرات مجتمع الواحات البحرية لمناهضة تزويج الأطفال ومنع الزواج المبكر” دون إبداء أسباب، ليرتفع عدد المشروعات التي تعذر تنفيذها خلال العامين الماضيين إلى سبعة، رُفض خمسة منها، بينما فقد مشروعان التمويل بسبب طول مدة البت في طلبات الموافقة رغم استيفاء الإجراءات القانونية.
وأكدت المؤسسة أن هذه المشروعات كانت تستهدف حماية وتمكين النساء ومناهضة العنف والتمييز وزواج الأطفال، معتبرة أن تكرار رفض المشروعات وعدم تسبيب القرارات وطول إجراءات الموافقة يحد من قدرة منظمات المجتمع المدني على التخطيط وتعبئة الموارد.
ولا تقتصر الأزمة على المؤسسة، إذ أعلنت مؤسسة حرية الفكر والتعبير سابقًا تأخر تفعيل حسابها البنكي لمدة 11 شهرًا، كما رُفضت لها منح خارجية في 2025 دون إعلان أسباب. كما عرض المدير التنفيذي للمؤسسة، محمد عبد السلام، الأزمة أمام وفد لجنة حقوق الإنسان بالبرلمان الأوروبي، خلال زيارته إلى القاهرة في 22 يوليو الماضي، مؤكدًا استمرار رفض مشروعات منظمات حقوقية مستقلة، بما يؤثر على قدرتها على الحصول على التمويل ومواصلة تقديم خدماتها.
جذور الأزمة.. من القضية 173 إلى تداعيات حرب غزة
تعود أزمة التمويل الأجنبي إلى ما بعد ثورة 25 يناير 2011 مع فتح القضية رقم 173 لسنة 2011، المعروفة بـ”التمويل الأجنبي”، والتي استمرت أكثر من 13 عامًا وشملت قرارات بمنع السفر وتجميد الأموال لعدد من الحقوقيين، قبل إغلاقها في مارس 2024 لعدم كفاية الأدلة، رغم أن هذه القضية مازالت تثير لغطا، وعلامات استفهام حول مصادر التمويل، والثروات وطبيعة أنشطة عدد من المنظمات، ورغم أن هذا اللغط، لم يحسم قانونيا، لكنه يبدو أن أثاره ممتدة.
ولذلك على رغم إغلاق القضية ” التمويل الأجنبي”، ترى منظمات حقوقية أن القيود استمرت بموجب قانون تنظيم العمل الأهلي رقم 149 لسنة 2019، الذي يشترط موافقة وزارة التضامن الاجتماعي على التمويل الأجنبي، إلى جانب إجراءات إضافية لتشغيل الحسابات البنكية. كما وثقت منظمة العفو الدولية، في تقرير صدر عام 2025، حالات رفض وتأخير طويل لطلبات التمويل، إلى جانب ما وصفته بتدخلات في عمل بعض الجمعيات.
وشكلت الحرب على غزة في أكتوبر 2023 نقطة تحول في علاقة بعض المانحين بالمنظمات المصرية، إذ أوقفت الحكومة الألمانية تمويل عدة مشروعات لمنظمات أصدرت بينات بشأن الحرب الإجرامية على قطاع غزة، وهو قرار أثار انتقادات من أكثر من 50 منظمة حقوقية، وأوقفت عدة منظمات تعاونها مع الجانب الألماني احتجاجًا عليه.
كما أدت الحرب إلى إعادة توجيه جزء من التمويل الدولي إلى الإغاثة في غزة، وتشديد بعض المانحين لشروط التمويل، بالتزامن مع تخفيضات واسعة في برامج الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية بين عامي 2024 و2026، ما أدى – وفق مصادر حقوقية لـ”ليبرالي” – إلى تعليق أو إنهاء عشرات المشروعات، وتقليص البرامج، وفقدان وظائف، فيما أوقفت بعض المنظمات تعاونها مع مانحين غربيين بسبب مواقفهم من الحرب.
واستمرت الأزمة خلال عامي 2025 و2026، لتعلن مؤسسة قضايا المرأة المصرية في أغسطس 2026 تعليق نشاطها مؤقتًا بعد رفض عدد من مشروعاتها وتراجع مواردها المالية.
الرواية الرسمية
في المقابل، تؤكد وزارة التضامن الاجتماعي أن الغالبية العظمى من طلبات التمويل الأجنبي تحصل على الموافقات اللازمة، وأن حالات الرفض محدودة وترتبط بعدم استيفاء المستندات أو الاشتراطات القانونية.

ووفقًا لبيان رسمي، وافقت الوزارة خلال عام 2024 على 1637 منحة للجمعيات الأهلية بإجمالي يتجاوز 14.5 مليار جنيه، مقارنة بـ 1186 منحة بقيمة تجاوزت 5.5 مليار جنيه في عام 2023، مؤكدة أن نسبة الطلبات التي لم تحصل على الموافقة لم تتجاوز 0.3%، وكان معظمها بسبب نقص المستندات المطلوبة.
وأضافت الوزارة أن أكبر المنح جاءت من الولايات المتحدة والإمارات والكويت والهيئات الأممية وألمانيا وفرنسا والسعودية وبريطانيا، ووجهت لتمويل مشروعات صحية وتنموية، وحقوق الإنسان، وحماية اللاجئين، وحقوق المرأة والطفل، والأشخاص ذوي الإعاقة، والتعليم، والبيئة، وخلق فرص العمل، بما يدعم التنمية والاستقرار الاجتماعي.
أضرار جمة بلا أي سبب
من جانبه، وصف الحقوقي البارز مجدي عبد الحميد في حديثه لـ”ليبرالي” ما يحدث بـ”التضييق الشديد الذي تستهدَف به المنظمات الحقوقية وحرمانها من مصادر تمويلها المشروعة، مؤكدًا أنه “مسار سيئ وضار” ينعكس سلبًا على الصالح العام، وعلى التقييم الدولي لملف حقوق الإنسان في البلاد.
وأوضح عبد الحميد أن تقليص مساحات الحريات العامة والحدّ من قدرة المواطنين والنشطاء الحقوقيين على التعبير يتجاوز مفهوم “الأثر السلبي” التقليدي ليصل إلى أذى حقيقي ومباشر، مؤكداً أن هذا التضييق يضرّ حتى بمنظور صاحب ومتخذ القرار نفسه، وتدفع الدولة لتكون في موضع مواجهة مباشرة مع القوى الشعبية والحقوقية المطالبة بالحقوق عبر الطرق والأساليب السلمية المتعارف عليها.

وتطرق الحقوقي البارز إلى أن ما يحدث تقف وراءه مساعي إزاحة نشطاء المجتمع المدني والجمعيات الحقوقية الأصيلة سواء من القدامى أو النصف قدامى، وإحلال منظمات بديلة مجهزة ومصنوعة محلها، مؤكداً أنها “تجربة فاشلة تماماً”، مشيرًا إلى أن محاولات تصدير صورة شكليّة عن وجود حيوية ومجتمع مدني لم تخدع المراقب الداخلي ولا الخارجي.
وشدد على أن الجمعيات الخيرية معروفة بطبيعتها، بينما الكيانات التي صُنعت كبديل حقوقي فشلت في سد الفراغ الذي تركته المؤسسات المستقلة التي تتمتع بامتدادات ومصداقية تاريخية، لفتًا إلى ما وصفه بـ” الوهم القديم” باعتبار أي تواصل بالخارج نوعاً من أنواع الإضرار بالوطن لم يعد قائماً في ظل التطور الاتصالي؛ حيث تتطلع الهيئات والمنظمات الدولية بانتظام على كافة التقارير والتفاصيل الخاصة بحالة حقوق الإنسان والنشطاء في مصر.
كما شدد عبد الحميد على أن هذا الواقع يضع المؤسسات الوطنية والمحلية في موقف “محرج” أمام المحافل الدولية التي تراجع ملف مصر، حيث تجد هذه المؤسسات نفسها عاجزة عن الدفاع عن الإجراءات الحكومية أو تقديم تقارير تبريرية، نظراً لفقدانها المصداقية إذا ما حاولت التغطية على الواقع المعاش.
ورداً على الذرائع المتعلقة برفض التمويل الأجنبي ومخاوفه، فرق عبد الحميد بين الرفض المستند لأسباب وقائع محددة وبين الرفض الممنهج، موضحاً أنه لو كان الأمر يقتصر على حالات فردية تعود لحساسية موضوعات معينة في توقيت غير مناسب لكان من الممكن تفهمه، غير أن ما يحدث على الأرض هو “منهج متكامل” للإقصاء والتضييق.
وأشار عبد الحميد في ختام تصريحاته إلى أن النشطاء والمنظمات المستهدفة بالإزاحة ليسوا رافضين للتعاون، بل يمدون أيديهم للعمل مع الدولة تحت مظلة القانون ويعترفون بالقيود والمساحات المتاحة، إلا أنهم يقابَلون بـ”الاستبعاد من المشهد”، مؤكداً أن شلّ حركة العمل الحقوقي لا يشكل انتهاكاً صارخاً للحقوق فحسب، بل يخلّف آثاراً وتداعيات في غاية الخطورة على المستقبل والصالح العام.
توجه واضح
بدوره قال مجدي حلمي، عضو مجلس أمناء المنظمة المصرية لحقوق الإنسان، لـ”ليبرالي ” قال مجدي حلمي، عضو مجلس أمناء المنظمة المصرية لحقوق الإنسان، إن هناك توجهًا حكوميًا لما وصفه بـ”محاصرة المجتمع المدني الحقوقي”، مضيفًا أن ما يجري، بحسب وصفه، يمثل تعطيلًا لتنفيذ توجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي الداعمة لمنظمات المجتمع المدني، والتي أعلنها عندما خصص عامًا للمجتمع المدني، مشيرًا إلى أنه منذ تولي الدكتورة مايا مرسي منصب وزيرة التضامن الاجتماعي، أصبحت عرقلة النشاط الحقوقي تتم بصورة ممنهجة.

وأوضح أن صندوق تمويل منظمات المجتمع الأهلي أصبح، وفق قوله، يوجه معظم التمويلات إلى مشروعات سبق أن وفرت لها الحكومة مصادر تمويل، مثل مشروعات “حياة كريمة”، بدلاً من دعم منظمات المجتمع المدني والحقوقية في تنفيذ برامجها وأنشطتها.
وأشار حلمي إلى أن حالتي “مؤسسة قضايا المرأة” و”حرية الفكر والتعبير” هما فقط ما أُعلن عنهما، بينما توجد، بحسب قوله، أعداد كبيرة من المنظمات التي تُرفض مشروعاتها أو تُترك طلباتها دون رد، رغم أن القانون ألزم وزارة التضامن الاجتماعي بالرد خلال 60 يومًا، إلا أن ما وصفه بـ”الحيل الإدارية المعتادة” يؤدي إلى امتداد هذه المدة لسنوات، بما يعطل عمل تلك المنظمات وأنشطتها.
وأضاف مجدي حلمي أن المنظمة المصرية لحقوق الإنسان كانت قد أبرمت بروتوكول تعاون مع عدد من الجامعات لتدريب الطلاب على نشر ثقافة حقوق الإنسان، وكان المشروع ممولًا من صندوق دعم الجمعيات الأهلية بوزارة التضامن الاجتماعي. وأوضح أنه عقب تولي الدكتورة مايا مرسي منصب وزيرة التضامن الاجتماعي، تم إيقاف المشروع دون إبداء أسباب، وأُبلغت المنظمة بأن أولوية الوزارة أصبحت توجيه التمويل إلى مشروعات “حياة كريمة”، وهو ما أدى إلى توقف البرنامج التدريبي رغم استمرار الحاجة إليه، بحسب قوله.
أزمة سرعة وكفاءة الإجراءات
من جانبه، يقول الكاتب والباحث الحقوقي أمجد فتحي لـ”ليبرالي”، إن أزمة التمويل التي تواجه بعض مؤسسات المجتمع المدني لا يمكن تفسيرها من زاوية واحدة، موضحًا أن المؤسسات التي أعلنت تعليق بعض أنشطتها أو اشتكت من صعوبات التمويل ترى أن تأخر الموافقات على المنح والمشروعات يؤثر مباشرة على استمرارية عملها، في حين تؤكد الجهات الرسمية أن الرقابة على التمويل تتم وفقًا للقانون ولضمان الشفافية.

وأضاف فتحي أن جوهر المشكلة، في تقديره، لا يتمثل في مبدأ الرقابة ذاته، وإنما في سرعة وكفاءة الإجراءات، مشيرًا إلى أنه إذا طال انتظار الموافقات فإن الأثر العملي قد يكون توقف المشروعات وفقدان العاملين، حتى دون صدور قرار برفض التمويل.
وأوضح أن بعض مؤسسات المجتمع المدني تعتمد بدرجة كبيرة على المنح الخارجية، وهو ما يجعلها أكثر عرضة للأزمات عند أي تأخير إداري أو تغير في سياسات المانحين، مؤكدًا أن الحل لا يكمن في إلغاء الرقابة أو التضييق على التمويل، وإنما في وضع إجراءات واضحة وسريعة، وتحديد مدد زمنية للبت في طلبات التمويل، إلى جانب تشجيع المؤسسات على تنويع مصادر تمويلها، بما يحقق التوازن بين متطلبات الشفافية واستدامة العمل الأهلي.



