بيان “بهية” يفتح جدلًا جديدًا حول التمييز.. ومطالبات إنشاء مفوضية مستقلة تعود للواجهة

أثار بيان مؤسسة بهية بشأن ما أُثير حول تقديم خدمات علاجية لغير المصريات جدلًا جديدًا في الاوساط السياسية والفضاء الالكتروني حول حدود التمييز في تقديم الخدمات الطبية، بعدما أوضحت المؤسسة أن علاج غير المصريات يتم من خلال “قسم العلاج الاقتصادي” وبروتوكولات تعاون مع جهات وسفارات تتحمل تكاليف العلاج، مع تأكيدها أن التبرعات المصرية المخصصة للعمل الخيري توجه لعلاج السيدات المصريات غير القادرات، فيما عادت مطالبات النخب السياسية بشأن إنشاء مفوضية مكافحة التمييز للواجهة مجددا.
ورغم توضيحات المؤسسة، اعتبر المفكر الاقتصادي رائد سلامة أن ما جرى خلال الأسابيع الأخيرة، سواء في واقعة اللاعب الناشئ بنادي الاتحاد السكندري أو الجدل المرتبط بمستشفى بهية، يعكس حاجة ملحة إلى فتح نقاش جاد حول مكافحة التمييز ووضع إطار مؤسسي واضح للتعامل مع هذه القضايا، مؤكدًا أن إنشاء مفوضية مستقلة لمكافحة التمييز لم يعد مجرد استحقاق دستوري، وإنما أصبح “ضرورة اجتماعية مُلِحة”.

وقال سلامة لـ “ليبرالي” إنه يعمل بشكل طوعي في مجال مكافحة التمييز منذ فترة طويلة، ولديه خبرة فنية وقانونية وإدارية في هذا الملف، كما سبق له إعداد مقالات ودراسات والمشاركة في ندوات ومؤتمرات تناولت القضية، إلى جانب مشاركته في إعداد مسودة مشروع قانون لتعريف التمييز ومكافحته وإنشاء المفوضية المختصة، وفقًا للمادة 53 من الدستور.
وأشار إلى أن المادة الدستورية الخاصة بمكافحة التمييز تفرض الحاجة إلى وجود آلية مستقلة وفعالة للتعامل مع الوقائع التي قد تثير شبهة التمييز، بما يضمن وضع معايير واضحة، وفحص الشكاوى، والتمييز بين الحالات التي تستند إلى أسباب موضوعية وتنظيمية وبين الممارسات التي قد تنطوي على تمييز غير مبرر.
بيان بهية
وكانت مؤسسة بهية قد أكدت في بيانها أن هدفها الأساسي منذ تأسيسها هو علاج السيدات المصريات غير القادرات على تحمل تكلفة العلاج، وأن التبرعات المقدمة من الأفراد والمؤسسات المصرية يتم توجيهها لعلاج السيدات المصريات وفقًا للأغراض المخصصة لها والضوابط المنظمة لعمل المؤسسة.

وأوضحت المؤسسة أن قسم العلاج الاقتصادي يقدم خدمات علاجية لمصريات قادرات على تحمل تكلفة العلاج، وكذلك لغير المصريات اللاتي يفضلن تلقي العلاج داخل مستشفيات بهية، مشيرة إلى أن هذه الخدمات تتم من خلال بروتوكولات تعاون مع جهات وسفارات تتحمل تكاليف علاج تلك الحالات، مع وجود فصل مستقل بين هذا القسم وبين الخدمات الخيرية والتبرعات الموجهة لعلاج المصريات غير القادرات.
وأضافت بهية أن هذه البروتوكولات تساهم في دعم عدد من الخدمات المجانية التي تقدمها الأقسام الخيرية، مؤكدة أن دورها الأساسي سيظل في خدمة المرأة المصرية، وأنها مستمرة في التوسع بخدمات الكشف المبكر والعلاج في مختلف المحافظات.
ووفقًا لبيان المؤسسة، نجحت بهية خلال 11 عامًا في علاج أكثر من 284 ألف سيدة، واستقبال وخدمة أكثر من 314 ألف سيدة من خلال وحدات الكشف المبكر، والمساهمة في رفع الوعي بأهمية الكشف المبكر لدى أكثر من مليوني سيدة في مختلف المحافظات.
وشهدت تعليقات المواطنين على بيان المؤسسة انتقادات لما جاء في بيان بهية من تمييز على حد وصف بعض المعلقين الذين طالبوا المؤسسة بالتراجع عن البيان.



ويعيد هذا الجدل، في المقابل، طرح سؤال أوسع من الواقعة نفسها حول مفهوم المساواة في الحصول على الخدمات الطبية، والحد الفاصل بين تقديم خدمة بمقابل وفق ترتيبات مالية مستقلة، وبين أي تمييز قائم على الجنسية أو غيرها من المعايير، وهي قضايا يرى سلامة أن وجود مفوضية مستقلة لمكافحة التمييز يمكن أن يسهم في حسمها وفق معايير قانونية وموضوعية.
وأكد سلامة أن التجارب والوقائع التي أثارت الجدل مؤخرًا تجعل فتح هذا الملف ضرورة، وليس مجرد استحقاق دستوري مؤجل، داعيًا إلى التعامل مع قضايا التمييز من خلال إطار مؤسسي واضح يضمن الحقوق ويمنع الالتباس ويتيح فحص الوقائع بعيدًا عن الانطباعات والسجالات على مواقع التواصل الاجتماعي.
محاولات عديدة
تُعد مفوضية مناهضة التمييز، استحقاقاً دستورياً نص عليه دستور جمهورية مصر العربية لعام 2014 صراحةً في المادة (53)، التي أكدت أن “المواطنون لدى القانون سواء، وهم متساوون في الحقوق والحريات والواجبات العامة، لا تمييز بينهم بسبب الدين، أو العقيدة، أو الجنس، أو الأصل، أو العرق، أو اللون، أو اللغة، أو الإعاقة، أو المستوى الاجتماعي، أو الانتماء السياسي أو الجغرافي، أو لأي سبب آخر”.
ونصت المادة كذلك على أن “التمييز والحض على الكراهية جريمة يعاقب عليها القانون”، وألزمت الدولة باتخاذ التدابير اللازمة للقضاء على كافة أشكال التمييز، كما نصت على أن “ينظم القانون إنشاء مفوضية مستقلة لهذا الغرض”.
وتعود فكرة إنشاء المفوضية إلى مناقشات لجنة الخمسين لتعديل الدستور في عام 2013، حيث وافقت اللجان المعنية على إدراج النص الخاص بالمفوضية ضمن مواد الدستور، بما يلزم المشرع بإصدار قانون ينظم عملها، فيما جرى رفض بعض المقترحات التفصيلية في ذلك الوقت، وترك تحديد التفاصيل والاختصاصات للقانون المنظم للمفوضية.
ومنذ إقرار دستور 2014، توالت المحاولات الرامية إلى إخراج المفوضية إلى النور، إلا أن هذه الجهود لم تكلل بالنجاح حتى الآن، وبعد مرور أكثر من 12 عاماً على النص الدستوري.
وشملت تلك المحاولات مشروعات قوانين تقدم بها نواب برلمانيون ومنظمات من المجتمع المدني، من أبرزها مشروع النائبة الراحلة أنيسة حسونة، ومشروع القانونية منى ذو الفقار، إلى جانب مشروعات أعدتها مؤسسات ومبادرات، من بينها “شراع”، و”مصريون ضد التمييز الديني”، والاتحاد النوعي لنساء مصر، ومؤسسة قضايا المرأة المصرية، ومؤسسة المرأة الجديدة.وخلال عامي 2016 و2017، شهدت اللجان البرلمانية مناقشات لعدد من مشروعات القوانين المتعلقة بإنشاء المفوضية، قبل أن يتجدد النقاش حول الاستحقاق الدستوري خلال السنوات التالية.
وفي عام 2023، أوصى الحوار الوطني بإنشاء مفوضية لمناهضة التمييز، ووضع ملامح رئيسية للقانون المنظم لها، من بينها تعريف التمييز المباشر وغير المباشر، وضمان استقلالية المفوضية، وإتاحة آليات لتلقي الشكاوى، وإقرار التدابير الوقتية، مع مراعاة عدم الإخلال بالأمن القومي والنظام العام، إلى جانب تطبيق أحكام القانون على أشخاص القانون العام والخاص على مراحل.
ومع استمرار عدم صدور القانون، تحركت منظمات نسوية وحقوقية لتشكيل “مجموعة عمل” أو “قوة عمل” لصياغة مسودة قانون متكاملة، وبدأ هذا التحرك في نحو عام 2024، بمشاركة ما بين 18 و25 منظمة ومبادرة، بحسب التشكيلات والمراحل المختلفة للعمل.
وتضمنت التصورات المطروحة هيكلاً للمفوضية، وتحديد عدد أعضائها، وضمان استقلالها المالي والإداري والفني، وإنشاء لجان متخصصة بحسب أسباب التمييز، فضلاً عن منحها صلاحيات في تلقي الشكاوى والتحقيق فيها والتمثيل القضائي، إلى جانب مراجعة وتنقية التشريعات ذات الصلة.
كما أعادت الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان، التي أُطلقت عام 2021، والتزامات الدولة في إطار الاستعراض الدوري الشامل لحقوق الإنسان، التأكيد على أهمية إنشاء المفوضية.
وأشار مسؤولون، من بينهم أعضاء بالمجلس القومي لحقوق الإنسان، إلى أن مشروع القانون كان قيد المناقشة مع الحكومة تمهيداً لعرضه على البرلمان، بالتوازي مع تحركات برلمانية تمثلت في تقديم عدد من النواب طلبات للمناقشة العامة بشأن إنشاء المفوضية، من بينها تحركات داخل مجلس الشيوخ.
ورغم تعدد مشروعات القوانين والمبادرات التي طرحتها منظمات المجتمع المدني والحركات النسوية، إلى جانب المطالبات البرلمانية والحقوقية المتكررة بتنفيذ الاستحقاق الدستوري، لم يصدر حتى الآن قانون ينظم إنشاء مفوضية مناهضة التمييز، كما لم تُنشأ المفوضية فعلياً.
وتبقى مفوضية مناهضة التمييز أحد الاستحقاقات الدستورية المطروحة منذ أكثر من 12 عاماً، وأحد المطالب المرتبطة بتعزيز المساواة الفعلية بين المواطنين، من خلال وجود جهة مستقلة يمكنها رصد حالات التمييز في المجالات العامة والخاصة، وتوفير آليات فعالة لتلقي الشكاوى والتحقيق فيها، واتخاذ التدابير المناسبة والتعويض عن الأضرار، بما يتجاوز نطاق النصوص الجزائية المحدودة القائمة حالياً.






