٢٦ ألف ماكينة صراف لـ108 مليون مواطن.. هل تواكب شبكة الـATM في مصر نمو العملاء والشمول المالي؟
دراسة ترصد تفاوت التوزيع الجغرافي.. القاهرة تستحوذ على ٢٢٫٤٪ من ماكينات بنكين مقابل ٩٫٦٪ من السكان

كشفت دراسة أعدها بيت الخبرة البرلماني لحزب العدل حول شبكة ماكينات الصراف الآلي في مصر، أن التوسع في أعداد الماكينات خلال السنوات الأخيرة لم يواكب بالوتيرة نفسها نمو أعداد العملاء النشطين داخل النظام المالي، في وقت لا يزال فيه التوزيع الجغرافي للخدمة يعاني تفاوتًا بين المحافظات، بما يطرح تساؤلات حول مدى كفاية الشبكة وقدرتها على دعم الشمول المالي بصورة عادلة وفعالة.
وبحسب الدراسة التي جاءت تحت عنوان “شبكة ماكينات الصراف الآلي في مصر: قراءة في الكفاية والتوزيع الجغرافي ودعم الشمول المالي”، ارتفعت نسبة الشمول المالي في مصر إلى ٧٧٫٦٪ بنهاية عام ٢٠٢٥، مقارنة بنحو ٥٦٫٢٪ عام ٢٠٢١، بالتزامن مع ارتفاع عدد العملاء النشطين داخل النظام المالي إلى ٥٤٫٧ مليون عميل.
ورغم هذا التطور، تشير الدراسة إلى أن ارتفاع نسبة الشمول المالي لا يعني بالضرورة أن جميع المواطنين يتمتعون بالسهولة نفسها في الوصول إلى الخدمات المالية، خصوصًا أن جودة الخدمة تتأثر بعوامل أخرى، من بينها التوزيع الجغرافي للماكينات، والمسافة إلى أقرب ماكينة، ومدى جاهزيتها، وسرعة التعامل مع الأعطال ونقص السيولة.
٢٦٫١ ألف ماكينة تخدم ١٠٨٫٦ مليون مواطن
بلغ عدد ماكينات الصراف الآلي العاملة في مصر نحو ٢٦٫١ ألف ماكينة، تخدم عدد سكان يتجاوز ١٠٨٫٦ مليون نسمة، بينما يصل عدد المواطنين الذين يمتلكون حسابات مالية نشطة إلى نحو ٥٤٫٧ مليون عميل، وتشير الدراسة إلى أن متوسط كثافة ماكينات الصراف الآلي يبلغ نحو ٢٤٫١ ماكينة لكل ١٠٠ ألف نسمة، أو نحو ٣٧٫١ ماكينة لكل ١٠٠ ألف مواطن في الفئة العمرية ١٥ عامًا فأكثر.
وبحسب هذه المؤشرات، تخدم الماكينة الواحدة في المتوسط نحو ٤١٥٢ مواطنًا، ونحو ٢٠٩١ عميلًا نشطًا، فيما يبلغ إجمالي البطاقات البنكية المصدرة نحو ٤٦٫١ مليون بطاقة، أي ما يقارب ١٧٦٢ بطاقة لكل ماكينة، لكن الدراسة ترى أن هذه الأرقام لا تكفي وحدها للحكم على كفاية الشبكة، إذ إن المعيار الأهم يتمثل في قدرة الماكينات على تلبية الطلب الفعلي، وليس مجرد عدد الأجهزة المنتشرة.
العملاء ينمون أسرع من الماكينات
وتكشف المقارنة بين عامي ٢٠٢٢ و٢٠٢٥ عن فجوة بين نمو أعداد العملاء ونمو شبكة ماكينات الصراف الآلي، حيث ارتفع عدد العملاء النشطين من ٤٢٫٣ مليون إلى ٥٤٫٧ مليون عميل، بمعدل نمو بلغ ٢٩٫٣٪، في حين ارتفع عدد الماكينات من نحو ٢١٫٩ ألف إلى ٢٦٫١ ألف ماكينة، بمعدل نمو بلغ ١٩٫٢٪ فقط.
وأدى ذلك إلى ارتفاع متوسط عدد العملاء النشطين الذين تخدمهم الماكينة الواحدة من نحو ١٩٣٢ عميلًا في ٢٠٢٢ إلى ٢٠٩١ عميلًا في ٢٠٢٥، بزيادة تقترب من ٨٫٢٪. وتخلص الدراسة إلى أن قاعدة المستخدمين توسعت بوتيرة أسرع من توسع شبكة الماكينات، بما يفرض تحديًا أمام قدرة البنية التحتية الحالية على استيعاب الطلب المتزايد.
مصر تتفوق على الأردن وتأتي خلف السعودية
وعند مقارنة كثافة انتشار ماكينات الصراف الآلي إقليميًا، تبلغ الكثافة في مصر نحو ٢٤٫١ ماكينة لكل ١٠٠ ألف نسمة، مقابل نحو ٤٢ ماكينة في السعودية ونحو ١٩٫٦ ماكينة في الأردن. وبذلك تتجاوز مصر الأردن في هذا المؤشر، لكنها تظل أقل من السعودية.
وتشير الدراسة إلى أن المقارنة لا تعني بالضرورة أن زيادة عدد الماكينات وحدها تعكس ارتفاع مستوى الشمول المالي، خاصة في ظل التوسع الكبير في وسائل الدفع الإلكترونية، كما هو الحال في السعودية، حيث استحوذت المدفوعات الإلكترونية على ٨٥٪ من إجمالي عمليات الدفع للأفراد بنهاية ٢٠٢٥، مقابل ٧٩٪ في ٢٠٢٤.
القاهرة في الصدارة

وتشير الدراسة إلى عدم وجود بيانات رسمية مجمعة تغطي التوزيع الجغرافي الكامل لماكينات الصراف الآلي التابعة لجميع البنوك العاملة في مصر، ولذلك اعتمدت في تحليلها على بيانات منشورة لماكينات البنك الأهلي المصري وبنك القاهرة. وأظهرت المقارنة تفاوتًا واضحًا بين الوزن السكاني للمحافظات ونصيبها من الماكينات.
ففي القاهرة، التي تمثل نحو ٩٫٦٥٪ من سكان الجمهورية، تصل نسبة ماكينات البنكين إلى ٢٢٫٤٧٪ من إجمالي ماكيناتهما، بفارق ١٢٫٨٢ نقطة مئوية لصالح العاصمة.
كما تتفوق حصة الماكينات على الوزن السكاني في الجيزة والإسكندرية، بينما تظهر فجوة عكسية في محافظات أخرى، أبرزها الشرقية والدقهلية والبحيرة والمنيا وسوهاج وأسيوط. وتشير هذه النتائج إلى أن توزيع الماكينات لا يرتبط بعدد السكان وحده، وإنما يتأثر كذلك بالنشاط الاقتصادي، وكثافة التعاملات المصرفية، وانتشار فروع البنوك والمراكز التجارية والإدارية.
وفي المحافظات السياحية، يظهر نمط مختلف، إذ تتجاوز حصة الماكينات الوزن السكاني في البحر الأحمر وجنوب سيناء، وهو ما قد يرتبط بارتفاع الطلب على الخدمات المالية نتيجة النشاط السياحي.

تجربة الأردن تكشف تركيزًا أكبر في العاصمة
وتشير الدراسة إلى أن التركز الجغرافي للماكينات ليس ظاهرة مصرية فقط. ففي الأردن يبلغ عدد ماكينات الصراف الآلي نحو ٢٣٦٥ ماكينة، تستحوذ العاصمة عمان وحدها على ١٤٤٢ ماكينة، بما يمثل نحو ٦١٪ من إجمالي الشبكة، رغم أن سكان العاصمة يمثلون نحو ٤٢٪ من إجمالي سكان المملكة. وتعكس هذه البيانات نمطًا إقليميًا يرتبط بتركز الأنشطة الاقتصادية والإدارية والمالية في المدن الكبرى.
وترى الدراسة أن ارتفاع نسبة الشمول المالي إلى ٧٧٫٦٪ يمثل تقدمًا مهمًا، لكنه لا يعكس وحده جودة وصول المواطنين إلى الخدمات المالية. فوجود ماكينة داخل المحافظة لا يعني بالضرورة سهولة وصول المواطن إليها، خاصة في المناطق الريفية والمراكز والقرى البعيدة عن عواصم المحافظات.
كما أن مؤشرات قياس الشمول المالي الحالية لا تعكس بصورة كافية عناصر مثل المسافة إلى أقرب ماكينة، ووقت الوصول، وكثافة الاستخدام، وفترات الانتظار، ونسبة جاهزية الماكينات. وتزداد أهمية هذه العوامل خلال مواسم صرف المرتبات والمعاشات والأعياد، التي تشهد أحيانًا أعطالًا أو نقصًا في السيولة وارتفاعًا في معدلات الاستخدام، وبالتالي، فإن التحدي لم يعد مرتبطًا فقط بزيادة عدد الماكينات، وإنما بقدرتها على العمل بكفاءة وقت الحاجة.
أصحاب المعاشات والحماية الاجتماعية الأكثر تأثرًا
وتلفت الدراسة إلى أن ماكينات الصراف الآلي تمثل قناة أساسية للحصول على المستحقات المالية بالنسبة إلى أصحاب المعاشات ومستفيدي برامج الحماية الاجتماعية والعاملين الذين يحصلون على أجورهم إلكترونيًا.
ومن ثم، فإن أي تفاوت في توزيع الماكينات أو انخفاض كفاءتها التشغيلية يمكن أن يؤثر مباشرة في قدرة هذه الفئات على الحصول على مستحقاتها بسهولة وفي الوقت المناسب.
٥ توصيات لتطوير شبكة الـATM
وتوصي الدراسة بالانتقال من التركيز على زيادة أعداد الماكينات إلى تحسين كفاءة الشبكة القائمة، من خلال:
مراجعة معايير التوزيع الجغرافي للماكينات بما يراعي عدد السكان والنشاط الاقتصادي ومستوى الخدمة.
تطوير مؤشرات قياس الشمول المالي لتشمل سهولة الوصول وجودة الخدمة والكفاءة التشغيلية.
إنشاء قاعدة بيانات وطنية موحدة توضح التوزيع الجغرافي لجميع ماكينات الصراف الآلي التابعة للبنوك.
وضع مؤشرات أداء واضحة تشمل سرعة إعادة تغذية الماكينات، والاستجابة للأعطال، ونسب الجاهزية التشغيلية.
إعطاء أولوية للمناطق التي يعتمد سكانها بصورة أكبر على السحب النقدي، خصوصًا مناطق صرف المعاشات وبرامج الحماية الاجتماعية.
وتخلص الدراسة إلى أن مصر قطعت شوطًا مهمًا في توسيع نطاق الشمول المالي وزيادة أعداد ماكينات الصراف الآلي، إلا أن التحدي المقبل لا يتعلق فقط بـ”كم ماكينة تمتلكها مصر؟”، وإنما بـ”أين توجد هذه الماكينات؟ وهل تعمل بكفاءة؟ وكم يستغرق المواطن للوصول إليها؟”
ومع وصول عدد الماكينات إلى نحو ٢٦٫١ ألف ماكينة وارتفاع العملاء النشطين إلى ٥٤٫٧ مليون عميل، تبدو الحاجة أكبر إلى إعادة النظر في معايير توزيع وتشغيل الشبكة، بما يضمن ألا يتحول التوسع في الشمول المالي إلى مجرد زيادة في أعداد الحسابات والماكينات، دون ضمان وصول فعلي وسهل وعادل للخدمة.






