ملفات

“لقمة العيش” على طريق الموت.. حوادث نقل العمالة اليومية والموسمية تحصد عشرات الأرواح وتكشف مأساة عمالة الأطفال

من البحيرة وأسيوط إلى الإسماعيلية والمنوفية.. تكرار كوارث نقل العمال يفتح ملف عمالة الأطفال وسلامة انتقالهم لأماكن العمل

“الفقر لا يبرر تعريض الطفل للخطر”.. د. أسماء إسماعيل: ضحايا حوادث نقل العمال ليسوا مجرد أرقام


فتحت حادثة اليوم على طريق الدواويس بالإسماعيلية الباب أمام فاجعة جديدة، حصدت أرواح 17 شخصًا كانوا في طريق عودتهم من العمل، إلا أن اللافت في هذه الواقعة لا يقتصر فقط على ارتفاع عدد الضحايا، وإنما يمتد إلى حداثة أعمار عدد كبير منهم، فبحسب المؤشرات الأولية، لقي 17 شخصًا مصرعهم جراء حادث التصادم الذي وقع على طريق الدواويس بالإسماعيلية، من بينهم 8 أطفال، أكبرهم سنًا لم يتجاوز 14 عامًا، في مشهد يعيد إلى الواجهة واحدة من الظواهر المؤلمة التي تتكرر على الطرق المصرية، وتحصد أرواح المئات وربما الآلاف سنويًا، خاصة بين العمالة اليومية والموسمية.

سيارات العمل.. وسيلة نقل تتحول إلى مصيدة
وتتكرر حوادث نقل العمالة اليومية والموسمية على الطرق، لتتحول رحلة الذهاب إلى العمل أو العودة منه في كثير من الأحيان إلى مأساة جماعية، لا سيما في قطاعات الزراعة والعمل باليومية، التي يعتمد فيها عدد كبير من العمال على سيارات ربع نقل ووسائل نقل غير مخصصة في الأصل لنقل الأشخاص، الأمر الذي يزيد من حجم المخاطر التي يتعرض لها هؤلاء العمال، خصوصًا عندما يكون بينهم أطفال وقاصرون.

من البحيرة بدأت سلسلة جديدة من الفواجع
وخلال السنوات الأخيرة، شهدت مصر عددًا من الحوادث اللافتة التي ارتبطت بنقل العمال والعاملات إلى مواقع العمل أو عودتهم منها، وكان من بينها مصرع 8 أطفال في محافظة البحيرة في 30 أبريل 2022، أثناء عودتهم من العمل بمحطة بطاطس، في واقعة كشفت مجددًا حجم المخاطر التي يتعرض لها الأطفال الذين يعملون في قطاعات الزراعة والعمل الموسمي.

عمال المزارع.. ضحايا متكررون على الطرق
وفي 12 أغسطس 2022، شهدت سمالوط بمحافظة المنيا حادثًا آخر أسفر عن مصرع 9 عمال كانوا في طريق عودتهم من العمل بإحدى المزارع، لتتواصل بعد ذلك سلسلة الحوادث التي تحصد أرواح العمال أثناء انتقالهم من وإلى مواقع العمل. وفي سبتمبر 2023، لقي 3 عمال في المنيا مصرعهم أثناء عودتهم من العمل، في حادث آخر يضاف إلى سجل طويل من وقائع حوادث نقل العمالة اليومية والموسمية.

أبو غالب.. مأساة العاملات تعيد طرح الأسئلة
ومن أكثر الحوادث التي أثارت اهتمامًا واسعًا في هذا السياق حادث أبو غالب بمحافظة الجيزة في 21 مايو 2024، والذي أسفر عن وفاة عدد من العاملات اللاتي كن في طريقهن إلى العمل الزراعي، وبينهن فتيات قاصرات، لتكشف الواقعة مرة أخرى عن طبيعة الظروف الخطرة التي تنتقل فيها العمالة الزراعية، وعدم ملاءمة كثير من وسائل النقل المستخدمة لنقل أعداد كبيرة من العمال.

فتيات العنب.. “لقمة العيش” تنتهي بالفاجعة
ثم جاءت واقعة فتيات العنب بالمنوفية في 27 يونيو 2025، والتي أودت بحياة 18 فتاة وشابًا أثناء انتقالهم إلى العمل، لتصبح واحدة من أبرز الحوادث المرتبطة بنقل العمالة الزراعية خلال السنوات الأخيرة، وتعيد طرح التساؤلات حول وسائل انتقال العمال الموسميين، ومدى توافر شروط الأمان والسلامة في تلك الرحلات اليومية.

الدواويس.. طريق اعتاد حوادث العمال
ولم يكن طريق الدواويس بالإسماعيلية بعيدًا عن هذه النوعية من الحوادث، حيث شهد في 30 ديسمبر 2021 حادثًا أسفر عن وفاة طفلين وإصابة 24 عاملًا، بينهم 18 طفلًا، أثناء توجههم إلى إحدى المزارع لجني محصول البصل. ولم تتوقف الوقائع عند ذلك، حيث شهد الطريق نفسه حوادث أخرى متكررة خلال السنوات التالية، من بينها حادث وقع في 14 مارس 2026 وأسفر عن إصابة 23 عاملا، إلى جانب حوادث أخرى شهدها الطريق خلال عامي 2025 و2026.

كما شهدت محافظة أسيوط في 30 يونيو 2026 حادث انقلاب تروسيكل، أسفر، وفقًا للبيانات المنشورة، عن وفاة أطفال كانوا في طريق عودتهم من العمل الزراعي، في واقعة جديدة تكشف استمرار تعرض العمالة الزراعية، وخصوصًا الأطفال، لمخاطر كبيرة أثناء الانتقال بين أماكن الإقامة ومواقع العمل.

من الصعيد إلى توشكى.. الموت يلاحق العمال
وفي أسوان، شهد طريق توشكى–العوينات، في 17 مايو 2026، حادث تصادم أسفر عن مصرع 10 عمال كانوا في طريقهم للانتقال إلى مواقع العمل، وهو حادث آخر يضاف إلى سلسلة الوقائع التي تكشف حجم المخاطر التي تواجه العمالة المنتقلة للعمل في المناطق الزراعية ومواقع المشروعات البعيدة عن مناطق إقامتهم.

وتكشف هذه الوقائع، رغم اختلاف تفاصيل وظروف كل حادث منها، عن نمط متكرر من المخاطر التي تحيط بالعمالة اليومية والموسمية أثناء انتقالها من وإلى مواقع العمل، ولا سيما العمالة الزراعية التي تعتمد في كثير من الأحيان على وسائل نقل غير مجهزة لنقل الأشخاص، فضلا عن وجود أطفال وقاصرين ضمن هذه العمالة في بعض الحالات، كما تكشف تكرار تلك الحوادث خلال سنوات متتالية أن الأمر لا يتعلق بواقعة فردية أو حادث عابر، وإنما بظاهرة تستحق التوقف أمام أسبابها والبحث في آليات الحد منها، خصوصًا مع استمرار سقوط ضحايا من العمال والأطفال في حوادث متشابهة.

تريليونات للطرق.. فماذا عن سلامة العمال؟
واللافت أن تكرار هذه الحوادث يأتي في الوقت الذي شهد فيه قطاع النقل والمواصلات في مصر إنفاقًا حكوميًا ضخمًا خلال السنوات الماضية، حيث أنفقت الحكومة المصرية تكلفة إجمالية تتجاوز تريليوني جنيه على قطاع النقل والمواصلات منذ عام 2014، شملت مشروعات الطرق والكباري، وذلك ضمن خطة شاملة لتطوير البنية الأساسية للنقل في مختلف أنحاء الجمهورية.

وشملت هذه الخطة تخصيص مبالغ ضخمة لإنشاء آلاف الكيلومترات من الطرق الجديدة، إلى جانب رفع كفاءة وتطوير الطرق الرئيسية والداخلية والمحلية على مستوى الجمهورية، في إطار توجه حكومي واسع لتحديث شبكة الطرق وتحسين البنية التحتية للنقل والمواصلات.

ومع ذلك، فإن استمرار حوادث نقل العمالة اليومية والموسمية، وسقوط هذا العدد الكبير من الضحايا، وبينهم أطفال في أعمار صغيرة، يطرح تساؤلًا آخر لا يتعلق فقط بحالة الطرق، وإنما أيضًا بوسائل نقل العمال، ومدى مطابقتها لاشتراطات السلامة، والرقابة على عمليات نقل العمالة الزراعية والموسمية، فضلا عن المسؤولية المشتركة بين الجهات المعنية وأصحاب العمل والسائقين في توفير وسائل انتقال آمنة تحمي أرواح العمال، بدلًا من أن تتحول رحلة العمل اليومية إلى طريق مفتوح نحو الموت.

4.2 مليون طفل في سوق العمل
وتتزامن هذه الحوادث مع أرقام شديدة الخطورة بشأن عمالة الأطفال في مصر؛ حيث أكدت منظمة العمل الدولية في 24 يناير 2025، استنادًا إلى المسح القومي لعمالة الأطفال 2023 الذي أعده الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، أن عدد الأطفال العاملين في مصر بلغ 4.2 مليون طفل، بينهم 3.7 مليون طفل في أشكال عمل خطرة أو غير قانونية.

“عمالة الأطفال جريمة”.. مطالب بالمحاسبة والرقابة
أوضحت الدكتورة أسماء إسماعيل، المحامية بالنقض ومؤسسة “جمعية كارت أحمر ضد عمالة الأطفال”، أن عمالة الأطفال “جريمة اجتماعية وقانونية وإنسانية”، وأن ثمنها الحقيقي لا يظهر أحيانًا إلا عندما يتحول الطفل العامل إلى خبر وفاة، مؤكدة أن وجود أطفال بين ضحايا حوادث نقل العمال يفرض أسئلة قانونية ومجتمعية حول كيفية وصولهم إلى العمل، ومن سمح بتشغيلهم، ومن كان مسؤولًا عن حمايتهم أثناء الانتقال.

وشددت على ضرورة ألا تختزل هذه الوقائع في مجرد حوادث سير، بل فحص ظروف تشغيل الأطفال، وسلامة وسائل النقل، ودور الوسطاء والمتعهدين، ومدى الالتزام بقانون الطفل وقانون العمل، مع تكثيف التفتيش على أماكن تشغيل الأطفال، وضبط عمليات نقل العمالة الزراعية غير المنظمة، والتأكد من أعمار العاملين وتشديد الرقابة على وسائل نقلهم.

وأضافت أن الفقر والحاجة لا يمنحان أحدًا الحق في تعريض الطفل للخطر، مطالبة بإعلان نتائج التحقيقات للرأي العام، مؤكدة أن الأطفال الذين يفقدون حياتهم في هذه الرحلات ليسوا مجرد أرقام، وإنما ضحايا كان يفترض أن يكون مكانهم الطبيعي المدرسة لا وسيلة نقل تقودهم إلى عمل شاق وظروف قد تهدد حياتهم.

زر الذهاب إلى الأعلى