
د.عمرو أبو الحسن: خلل نظام تقييم الثانوية العامة وراء تراجع مستوى طلاب الطب
نقيب أطباء أسيوط: التعثر في كليات الطب لا يمكن اختزاله في الغش.. وضغوط الأسر أحد أسباب الفشل
د.مصطفى أبو المجد: مستويات بعض الطلاب الملتحقين بكليات الطب أصبحت أقل من المستوى المطلوب
د.محمد ممدوح: لا يمكن بحث رسوب طلاب الطب بعيدًا عن مشكلة الغش في الثانوية العامة
النائبة نيفين فارس: المجموع وحده لا يكفي.. وعلينا إعادة النظر في معايير القبول بالجامعات
أعادت النتائج المتدنية التي شهدتها بعض كليات الطب في جامعات الصعيد خلال السنوات الأخيرة، وآخرها نتيجة الفرقة الأولى بكلية الطب بجامعة أسوان، فتح ملف مستويات الطلاب الملتحقين بكليات القمة في جامعات الصعيد، ومعايير القبول بالجامعات، ومدى قدرة نظام الثانوية العامة على قياس القدرات الحقيقية للطلاب.
على خلفية ما شهدته كلية الطب بجامعة أسوان هذا العام من ارتفاع ملحوظ في معدلات التعثر الدراسي، أصبحت الكلية من بين أعلى كليات الطب في صعيد مصر من حيث نسبة التعثر، بعدما لم ينجح سوى 98 طالبًا من إجمالي 413 طالبًا بالفرقة الأولى، بينما بلغ عدد الطلاب الذين رسبوا أو يحق لهم دخول امتحانات الدور الثاني 315 طالبًا، بنسبة تقارب 76% من إجمالي طلاب الفرقة.
وتأتي نتيجة أسوان في ظل تكرار حالات ارتفاع معدلات التعثر في عدد من كليات الطب خلال السنوات الأخيرة، ما أعاد إلى الواجهة تساؤلات حول مستوى الطلاب الملتحقين بكليات القمة، ومعايير اختيارهم، ومدى قدرة نظام الثانوية العامة على قياس قدراتهم الحقيقية وتأهيلهم للدراسة الجامعية، خاصة في التخصصات التي تتطلب مستويات مرتفعة من التحصيل والاستعداد العلمي.

أرقام صادمة.. الرسوب الجماعي يتكرر في كليات طب الصعيد
تكشف نتائج السنوات الأخيرة عن تكرار معدلات التعثر المرتفعة؛ ففي جامعة جنوب الوادي 2023 تجاوز الرسوب 70% في الطب و80% في طب الأسنان، بينما سجلت طب أسيوط رسوب 720 من أصل 1207 طلاب (نحو 60%)، وطب سوهاج رسوب 229 من 672 طالبًا (34%)، مقابل تعثر نحو 39% في طب الأقصر.
وفي 2026، سجلت طب أسوان نجاح 98 من 413 طالبًا فقط (23.9%)، مقابل 44% في طب أسيوط الحكومية، و47% في طب أسيوط الأهلية، بما يعكس استمرار ظاهرة التعثر، مع تفاوت حدتها بين الكليات.
نسب نجاح متدنية في 2026
- طب أسوان: 23.9% نجاح — 315 طالبًا للدور الثاني.
- طب أسيوط الحكومية: 44% نجاح — 486 طالبًا للدور الثاني.
- طب أسيوط الأهلية: 47% نجاح — 329 طالبًا للدور الثاني.
- طب سوهاج: 51.03% نجاح.

خلل في نظام التقييم بالثانوية العامة
وفي هذا السياق، قال الأستاذ الدكتور عمرو أبو الحسن المنشد، عضو هيئة التدريس بكلية الطب بجامعة أسوان، إن هناك تغيرًا كبيرًا وواضحًا في مستوى جودة خريجي الثانوية العامة الذين يلتحقون بكليات الطب خلال السنوات الأخيرة، مشيرًا إلى أن عددًا من المقومات الأساسية التي كانت تميز الطلاب المجدين والمجتهدين، وفي مقدمتها المثابرة والاجتهاد والرغبة في التحصيل، أصبحت مفقودة لدى كثير من الطلاب في الوقت الحالي.
وأضاف “المنشد” أن هناك، خللًا في نظام التقييم المطبق في الثانوية العامة حاليًا، وهو ما أدى إلى هذا التغير في مستوى الطلاب، موضحًا أن هذه الظاهرة لوحظت خلال السنوات الأخيرة، بالتزامن مع انتشار حالات الرسوب في بعض كليات الطب بجامعات الصعيد.
وأوضح أن السنة الأولى في كلية الطب تشهد في العادة تحديات أكاديمية كبيرة أمام الطلاب، إلا أن انتشار ظاهرة الرسوب في بعض كليات الطب خلال السنوات الأخيرة يستدعي التوقف أمام أسبابها، خاصة في ظل التغير الملحوظ في مستوى الطلاب القادمين من الثانوية العامة.
وحول تغيير المسار بعد الرسوب في العام الأول، أوضح “المنشد”:” تغيير المسار للطلاب الراسبين في كليات الطب لا أعتقد أنه يحدث بأعداد كبيرة، وإن كنت لا أملك إحصائيات دقيقة في هذا الشأن”.

ظاهرة التعثر بكليات الطب لا يمكن اختزالها في الغش فقط
قال أ.د. ضياء عبد الحميد، نقيب أطباء أسيوط، برغم عدم دقة الأرقام المعلنة، حيث أن الطالب المعتذر عن دخول بعض المواد، أو من التحق متأخرًا بالكلية لظروف التنسيق أو الوصول من خارج البلاد ففقد الحق في دخول بعض الامتحانات، أو حتى من لم يوفق في الدور الأول و له حق دخول الدور الثاني، لا يعد راسبا، إلا أن الأمر يشكل ظاهرة لا يمكن إنكارها، كما أنه لا يمكن تفسيرها ببساطة بمسألة الغش في امتحانات الثانوية العامة.
وأضاف “عبد الحميد” لـ”ليبرالي”: “قد تلعب النتائج غير الواقعية الناتجة عن الغش في امتحانات الثانوية في بعض المناطق أو المدارس ذات السمعة السيئة دورا، وقد يتحمل الوالدين وزر إدخال أبنائهم كلية ذات طبيعة دراسية قاسية رغم علمهم بتواضع إمكانياتهم وعدم استحقاقهم لدخولها، لكن لا يمكن إغفال عوامل إجتماعية ومتغيرات مجتمعية محتملة عديدة منها إصرار بعض أولياء الأمورعلى إدخال أولادهم كلية الطب لمجرد حصولهم على مجموع كبير في الثانوية إيمانا منهم أن مهنة الطب لا تزال تتمتع بالمكانة الاجتماعية والاستقلالية المادية وفرص السفر للخارج لتحسين الدخل، فيجبرون أولادهم على ذلك رغم إبداء الطلاب عدم الرغبة، أو حتى الزهد الكامل في دراسة الطب، مما يترتب عليه قلة اهتمام الطالب، وفي بعض الأحيان لا مبالاة كاملة يتحتم معها الفشل في اجتياز الامتحانات”.

مستويات بعض الطلاب أقل من المستوى المطلوب
وأوضح الدكتور مصطفى أبو المجد، مدير عام فرع الهيئة العامة للتأمين الصحي الشامل بأسوان، وعضو مجلس نقابة الأطباء بأسوان، إن كليات الطب على مستوى الجمهورية تلتزم بمعايير أكاديمية محددة للحكم على مستوى الطلاب وتحديد مدى نجاحهم، مشيرًا إلى أن ارتفاع معدلات التعثر والرسوب في بعض كليات الطب خلال السنوات الأخيرة، ولا سيما منذ عام 2021، يستوجب التوقف أمام الظاهرة ودراستها بصورة جادة.
وأوضح “أبو المجد” أن النتائج المتكررة لنسب الرسوب المرتفعة تشير، في تقديره، إلى أن مستويات بعض الطلاب الذين يلتحقون بكليات الطب أصبحت أقل من المستوى المطلوب، وهو ما يستوجب إعادة النظر في طريقة تقييم الطلاب خلال مرحلة الثانوية العامة، مضيفًا أن هناك خللًا، بدرجة أو بأخرى، في معيار الاختبار بالثانوية العامة، بما قد يؤدي إلى وصول طلاب إلى كليات القمة دون أن تكون قدراتهم الفعلية واستعداداتهم الأكاديمية متوافقة بالضرورة مع متطلبات الدراسة بها.
وأشار إلى أن نظام الثانوية العامة المعتمد منذ عام 2021 والقائم على نظام البابل شيت قد يكون عادلا من ناحية التصحيح وتقليل التدخل البشري، كما أن هناك ضرورة إلى تقييم مدى قدرته على قياس المستوى الحقيقي للطلاب، إلى جانب تشديد الرقابة على الامتحانات.
ولفت “أبو المجد” إلى أن المشكلة لا تتوقف عند نتيجة الفرقة الأولى، وإنما تمتد إلى السنوات التالية، موضحًا أن إحدى الدفعات التي دخلت كلية الطب بنحو 500 طالب أصبح عدد طلابها في السنوات التالية نحو 200 طالب فقط، نتيجة التعثر والتحويل إلى كليات أخرى، مؤكدًا أن ذلك يعني إهدار سنوات دراسية من عمر بعض الطلاب، فضلًا عن احتمال ضياع فرص على طلاب آخرين لديهم استعداد أكبر ورغبة حقيقية في دراسة الطب.

الغش في الثانوية العامة
أكد الدكتور محمد ممدوح، رئيس اتحاد طلاب كلية الطب بجامعة أسوان سابقًا، إنه لا يمكن مناقشة ارتفاع نسب الرسوب في الفرقة الأولى بكلية الطب دون التطرق إلى مشكلة الغش الجماعي في الثانوية العامة، وخاصة استخدام السماعات ووسائل الغش الإلكترونية التي قد تمنح بعض الطلاب درجات لا تعكس بالضرورة مستواهم العلمي الحقيقي.
وأوضح “ممدوح” أن المشكلة لا تتعلق بالطالب وحده، وإنما ترتبط بمنظومة كاملة، مشيرًا إلى أن حصول طالب على مجموع مرتفع من خلال وسيلة غير مشروعة ثم التحاقه بكلية الطب، التي تعتمد بطبيعتها على الفهم والتراكم العلمي، يؤدي إلى ظهور فجوة واضحة بين المجموع الذي حصل عليه الطالب ومستواه الحقيقي.
وشدد على الحاجة إلى منظومة أكثر إحكامًا وعدالة في امتحانات الثانوية العامة، تضمن أن يكون المجموع معبرًا بصورة حقيقية عن مستوى الطالب، مع مواجهة الغش واستخدام السماعات والوسائل الإلكترونية بكل حزم.
وفي الوقت نفسه، أكد “ممدوح” أن مسؤولية معالجة الظاهرة لا تقع على منظومة الثانوية العامة وحدها، مشيرًا إلى ضرورة أن تقوم كليات الطب أيضًا بمراجعة منظومة التدريس والامتحانات وتقديم الدعم الأكاديمي للطلاب، خصوصًا في الفرقة الأولى التي تمثل مرحلة انتقالية صعبة من التعليم الثانوي إلى التعليم الطبي.
واختتم رئيس اتحاد طلاب طب أسوان السابق بالتأكيد على أن الهدف لا ينبغي أن يكون نجاح أكبر عدد ممكن من الطلاب، وإنما ضمان أن كل من يلتحق بكلية الطب يمتلك المستوى العلمي الحقيقي الذي يؤهله للاستمرار في الدراسة والتخرج كطبيب مؤهل.

معايير القبول بالجامعات المصرية
من جانبها، قالت النائبة نيفين فارس، عضو مجلس الشيوخ عن حزب العدل، وعضو اللجنة الدستورية والتشريعية، والمهتمة بملف التعليم، إن ظاهرة الرسوب الجماعي المتكررة خلال السنوات الأخيرة في بعض كليات القمة، وفي مقدمتها كليات الطب، تستوجب فتح ملف معايير القبول بالجامعات بصورة جادة.
وأوضحت “فارس” أن ارتفاع معدلات الرسوب والتعثر يؤدي إلى ضياع سنوات دراسية من عمر الطلاب قبل تحويل بعضهم المحتمل إلى كليات أو تخصصات أخرى، بما يمثل تكلفة تعليمية ونفسية واجتماعية على الطلاب وأسرهم، مضيفة أن استمرار الظاهرة يفتح كذلك باب التساؤلات حول كفاءة منظومة اختيار الطلاب الملتحقين ببعض كليات القمة، ومدى توافق قدراتهم الحقيقية مع طبيعة الدراسة فيها، وكذلك مستوى بعض الخريجين مستقبلًا.
وشددت على ضرورة إعادة النظر في نظام امتحانات الثانوية العامة، بحيث لا يكون الاعتماد الأساسي على المجموع، وإنما على منظومة تقييم أكثر قدرة على قياس المستويات والقدرات الحقيقية للطلاب، مؤكدة أن الوقت حان لإعادة النظر بشكل جاد في طرق تقييم الطلاب من خلال امتحانات الثانوية العامة، والنظر إلى ملف التعليم بصورة أكثر كفاءة وشمولًا، باعتباره السبيل الرئيسي لبناء الإنسان وتحقيق التطوير، وأحد أهم محددات مستقبل الوطن خلال العقود المقبلة.
هل المشكلة في الطالب أم في منظومة الاختيار؟
تضع هذه النتائج والشهادات القضية أمام سؤال أكبر من مجرد ارتفاع نسب الرسوب في سنة دراسية بعينها: هل منظومة القبول الحالية قادرة على اختيار الطالب المناسب للتخصص المناسب؟، فالمشكلة لا تتعلق فقط بعدد الطلاب الذين لم ينجحوا في امتحانات الفرقة الأولى، خاصة أن بعضهم ما زالت أمامه فرصة الدور الثاني، وإنما تتعلق أيضًا بمدى كفاءة منظومة التعليم في اكتشاف قدرات الطالب قبل إلحاقه بالتخصص، وتجنب إهدار سنوات من عمره الجامعي، وضمان أن يكون خريج المستقبل حاصلا على التأهيل العلمي الذي يتطلبه تخصص شديد الحساسية يتعلق بحياة المرضى مثل الطب.






