فن ومنوعات

الأفلام القصيرة في مصر.. مواهب تُحاصرها أزمة التمويل وغياب الدعم الرسمي

أمير رمسيس: غياب إنتاج الأفلام القصيرة «ضربة قاتلة» للصناعة

بينما تُعد سينما الأفلام القصيرة مختبرًا حقيقيًا لصناعة السينما، ومفرخة أولى للمواهب الجريئة والمجددة، تواجه هذه الصناعة تحديات متزايدة في ظل غياب الدعم المؤسسي وشح الإنتاج الرسمي، لتتحول رحلة صناعة الفيلم القصير إلى مغامرة محفوفة بالمخاطر، يتحمل فيها صناعها أعباء التمويل والإنتاج بشكل فردي.

وفي ظل محدودية نوافذ العرض، تبدو المهرجانات السينمائية المحلية والدولية واحدة من أبرز المساحات المتاحة أمام هذه الأعمال للوصول إلى الجمهور، واكتشاف المواهب الجديدة، ومنح الأفلام القصيرة فرصة للحضور على خريطة الصناعة السينمائية.

أين الدولة والإنتاج الرسمي من الأفلام القصيرة؟

تواجه ساحة الأفلام القصيرة في مصر تساؤلات عديدة بشأن غياب استراتيجية إنتاجية واضحة وخطط دعم ثابتة من جانب وزارة الثقافة والمؤسسات الرسمية المعنية بالسينما.

ورغم التاريخ الطويل للمركز القومي للسينما، فإن قدرته على الإنتاج لم تعد، بحسب شهادات سينمائيين، كافية لتلبية احتياجات قطاع يحتاج إلى ضخ مستمر من المواهب والأفكار الجديدة.

ولا تتوقف الأزمة عند حدود الإنتاج، إذ تواجه الأفلام القصيرة أيضًا مشكلة تتعلق بالتوزيع والعرض، في ظل محدودية دور العرض التجارية والمنصات الجماهيرية التي تتيح لهذه الأعمال الوصول إلى جمهور واسع، وهو ما يجعل عددًا كبيرًا منها حبيس المهرجانات أو المشاهدة المحدودة عبر الإنترنت.

ويضع هذا الواقع صناع الأفلام الشباب أمام خيارات صعبة؛ فإما تحمل أعباء مالية كبيرة وتمويل مشروعاتهم بشكل ذاتي، بما يترتب على ذلك من ديون وخسائر محتملة، أو التراجع عن خوض التجربة من الأساس.

المهرجانات السينمائية.. نافذة لصناع الأفلام القصيرة

أمام محدودية الإنتاج الرسمي وغياب قنوات عرض واسعة، تلعب المهرجانات السينمائية دورًا محوريًا في منح الأفلام القصيرة فرصة للعرض والوصول إلى الجمهور، فضلًا عن توفير مساحة للتواصل بين صناع الأفلام والنقاد والمنتجين.

وتبرز في مصر مهرجانات متخصصة، في مقدمتها مهرجان الإسماعيلية الدولي للأفلام التسجيلية والقصيرة، إلى جانب مسابقات الأفلام القصيرة ضمن مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، ومهرجان الإسكندرية السينمائي، ومهرجان أسوان الدولي لأفلام المرأة.

وعلى المستوى العربي والدولي، تتيح مهرجانات مثل مهرجان الجونة السينمائي ومهرجان أفلام السعودية، فضلًا عن مهرجانات عالمية متخصصة مثل مهرجان كليرمون-فيران الدولي للفيلم القصير في فرنسا، مساحات مهمة أمام صناع الأفلام القصيرة لعرض أعمالهم واكتساب حضور أوسع.

لكن الاعتماد على المهرجانات وحدها لا يبدو كافيًا لبناء صناعة مستدامة للأفلام القصيرة، خصوصًا مع ارتفاع تكاليف الإنتاج وصعوبة الوصول إلى مصادر تمويل منتظمة.

أمير رمسيس: غياب إنتاج الأفلام القصيرة «ضربة قاتلة» للصناعة

يرى المخرج أمير رمسيس، أن أزمة الأفلام القصيرة في مصر ترتبط بمشكلة أوسع تتعلق بنظرة الدولة إلى السينما ودورها.

ويقول رمسيس، إن السينما تُعامل في كثير من الأحيان باعتبارها سلعة ربحية بالدرجة الأولى، مشيرًا إلى وجود نظرة مختلفة تجاهها مقارنة بفنون أخرى تحظى بدعم مؤسسي.

ويضيف أن هذا النهج ليس وليد اللحظة، وإنما يمتد لسنوات طويلة، وتحديدًا منذ فترة تولي وزير الثقافة الأسبق فاروق حسني، مشيرًا إلى تحويل صندوق دعم السينما إلى صندوق التنمية الثقافية، وهو ما اعتبره بداية لتراجع الدعم المباشر للسينما.

المركز القومي للسينما

ويشير «رمسيس» إلى أن المركز القومي للسينما كان حتى في الفترات التي كانت تعاني فيها الدولة من أزمات اقتصادية، ينتج ما بين 10 و15 فيلمًا قصيرًا سنويًا، بينما تراجع إنتاجه بصورة كبيرة خلال السنوات الأخيرة.

ويضيف أن المركز، منذ عام 2004 تقريبًا، لم يعد ينتج الأفلام القصيرة بالمعدلات السابقة، أو يكتفي بإنتاج عدد محدود للغاية، مشيرًا إلى أن بعض الأعمال التي يتم إنتاجها لا تحظى بفرصة كافية للمشاركة في المهرجانات الدولية.

ويعتبر «رمسيس»، أن التوقف شبه الكامل عن إنتاج الأفلام القصيرة يمثل «ضربة قاتلة» لصناعة السينما، باعتبار أن الفيلم القصير يمثل مساحة أساسية لاكتشاف المواهب الجديدة وتجريب الأفكار والأساليب المختلفة.

التجربة المغربية.. نموذج مختلف لدعم الفيلم القصير

وفي مقارنته ببعض التجارب العربية، يشير رمسيس إلى التجربة المغربية، معتبرًا أنها تقدم نموذجًا مختلفًا في التعامل مع صناعة السينما.

ويوضح أن السينما في المغرب تدار باعتبارها منتجًا ثقافيًا واقتصاديًا يحظى بدعم الدولة، مشيرًا إلى وجود آليات تشجع شركات الإنتاج الكبرى على إنتاج الأفلام القصيرة إلى جانب الأفلام الطويلة والأعمال الدرامية.

ويرى أن هذا النموذج يعكس أهمية وجود سياسة واضحة تربط بين دعم صناعة السينما وتشجيع إنتاج الأفلام القصيرة، بما يضمن استمرار تدفق المواهب والأفكار الجديدة إلى القطاع.

الإنتاج المستقل.. محاولات محدودة وسط أزمة التمويل

وفيما يتعلق بالإنتاج المستقل في مصر، يلفت «رمسيس» إلى أن الشركات التي تساهم في إنتاج الأفلام القصيرة لا تزال محدودة العدد، وأن جانبًا من هذه الإنتاجات يستهدف المشاركة في مهرجانات محلية أكثر من السعي للوصول إلى المحافل الدولية.

ويرى أن محدودية التمويل وضعف فرص التوزيع والعرض يمثلان تحديين أساسيين أمام صناع الأفلام القصيرة، خصوصًا الشباب منهم، الذين يجدون أنفسهم أمام مسؤولية تمويل أعمالهم بأنفسهم في كثير من الحالات.

وبينما تستمر المهرجانات في توفير مساحة مهمة لهذه الأفلام، تبقى الحاجة قائمة إلى منظومة متكاملة تبدأ من التمويل والإنتاج، وتمتد إلى التدريب والتوزيع والعرض، بما يسمح بتحويل الفيلم القصير من تجربة فردية محدودة إلى جزء مستدام من صناعة السينما المصرية.

وفي ظل هذه التحديات، يظل السؤال مطروحًا حول مستقبل الفيلم القصير في مصر، ومدى قدرة المؤسسات الرسمية والقطاع الخاص على توفير آليات دعم حقيقية تتيح للمواهب الجديدة إنتاج أعمالها والوصول بها إلى الجمهور المحلي والدولي.

زر الذهاب إلى الأعلى