الرئيسيةمحلياتملفات

معركة النقابات المهنية والتعليم العالي.. الأطباء والمهندسون يواجهون الجامعات.. والصحفيون والمحامون يحدون القيد

من 50% للطب إلى 67% للهندسة.. النقابات تواجه أزمة أعداد الخريجين

لم تعد أزمة أعداد خريجي الكليات المهنية شأنا يخص الجامعات ووزارة التعليم العالي، وحدها بعدما بدأت بعض النقابات المهنية في التدخل عند واحدة من أهم بوابات صناعة المهنة، القبول الجامعي.

وفي الوقت الذي رفعت فيه نقابة الأطباء صوتها ضد قبول طلاب بكليات الطب بمجاميع منخفضة، وطالبت بربط أعداد المقبولين بالطاقة التدريبية للمستشفيات واحتياجات سوق العمل، تطرح نقابة المهندسين بدورها قضية أعداد خريجي كليات الهندسة، في مواجهة توسع مؤسسات التعليم الهندسي، وهو ماأثار بيانا لنقيب المهندين دكتور محمد عبدالغني قبول طلبة في كليات الهندسة عند مجموع 67%.

لكن الصورة تبدو مختلفة في مهنتين آخرتين لا تقلان تأثرا بتزايد أعداد الخريجين: الصحافة والمحاماة. فبدلا من التدخل المباشر في أعداد المقبولين بكليات الإعلام أو الحقوق، تتركز أدوات نقابة الصحفيين ونقابة المحامين بدرجة أكبر عند بوابة القيد وممارسة المهنة، من خلال ضوابط القيد، وفحص الملفات، والتدريب، والمقابلات، وشروط العمل الفعلي، خاصوة في نقابة الصحفيين، بينما يسعى المحامون لوضع قواعد لأعضاء الملتحقين بالمهنة، ولا تكتفي بشهادة التخرج من كليات الحقوق.

الأطباء.. من القيد إلى مقاعد الجامعات

في أغسطس 2026، انتقلت نقابة الأطباء بشكل واضح إلى مربع التعليم الجامعي، بعدما أعلنت اعتراضها على قبول طلاب في كليتي طب تابعتين لجامعة دولية داخل مصر بمجاميع تبدأ من 50%.

النقابة لم تكتف بإبداء تحفظ مهني، وإنما خاطبت رئيس الوزراء ووزير التعليم العالي، مطالبة بتطبيق قواعد القبول المصرية على جميع كليات الطب الموجودة داخل مصر، أيا كانت طبيعتها أو تبعيتها.

كما طالبت بألا يتم قبول دفعات جديدة في كليات الطب التي لا تمتلك مستشفيات جامعية توفر التدريب الإكلينيكي اللازم، وربطت أعداد المقبولين بالطاقة الاستيعابية للتدريب.

وفي موقف آخر، رحبت الأطباء بتحديد الحد الأدنى للتقدم لكليات الطب الأهلية عند 85%، والخاصة عند 81%، وطالبت بأن تكون هناك معايير موحدة بالنسبة للفروع الدولية التي تقبل طلابا بمجاميع أقل.

وبذلك أصبح موقف الأطباء قائما على أكثر من مجرد اختبار الخريج عند القيد؛ فالنقابة تحاول التأثير في عدد المقبولين، ومستوى القبول، وإمكانات التدريب، وعدد الخريجين الذين يمكن أن يستوعبهم سوق العمل.

لماذا تتدخل نقابة الأطباء في التعليم؟

المبرر المهني الذي تطرحه النقابة يرتبط بطبيعة دراسة الطب نفسها، فالتدريب الإكلينيكي يحتاج إلى مستشفيات وأماكن تدريب وأعضاء هيئة تدريس وإمكانات محددة، وبالتالي فإن زيادة أعداد الطلاب دون زيادة موازية في القدرة التدريبية قد تؤثر، بحسب رؤية النقابة، في جودة التدريب. ولهذا ربطت النقابة بين عدد المقبولين وبين الطاقة الاستيعابية للمستشفيات، كما دعت إلى ربط أعداد الخريجين بفرص التدريب والتعليم الطبي المستمر ووظائف الأطباء المقيمين. أي أن النقابة هنا لا تنتظر وصول الخريج إلى باب القيد، وإنما تقول إن حماية المهنة تبدأ من المقعد الدراسي نفسه.

المهندسون.. المشكلة تبدأ من كثرة الخريجين

المشهد في الهندسة يرتبط أيضا بفكرة ضبط مدخل المهنة، وإن كانت أدوات النقابة تختلف عن الأطباء. فنقابة المهندسين لديها منظومة لقيد الجامعات والمعاهد الهندسية، كما تضع قواعد للتدريب والتأهيل والتدرج المهني، بداية من المهندس حديث التخرج وصولا إلى الفئات المهنية الأعلى.  وتنص لائحة ممارسة المهنة على نظام للتدريب والتأهيل، كما تربط الانتقال إلى بعض الفئات المهنية بمدد من الممارسة الفعلية والخبرة.

وهذا يعني أن النقابة لا تتعامل مع الشهادة الجامعية باعتبارها نهاية الطريق، وإنما تضع مرحلة مهنية لاحقة للتدريب والخبرة والتقييم، لكن جوهر المشكلة التي تثيرها قضية انخفاض الحدود الدنيا للقبول في بعض مؤسسات التعليم الهندسي يظل مرتبطا بالسؤال نفسه:

فكلما اتسعت قاعدة القبول الجامعي، أصبح على النقابة لاحقا التعامل مع أعداد أكبر من الخريجين الراغبين في القيد والعمل، بينما لا تتوسع فرص العمل بالضرورة بالسرعة نفسها.
وفي هذا السياق أكد الدكتور محمد عبدالغني، نقيب المهندسين، أن وصول الحد الأدنى للقبول بكليات الهندسة هذا العام إلى 67% يمثل انخفاضا غير مقبول، مشددا على ضرورة إعادة النظر في سياسات القبول وأعداد الطلاب للحفاظ على جودة التعليم ومستوى المهنة.

وقال عبدالغني لـ”ليبرالي” إن النقابة تقدر خفض أعداد المقبولين، لكنها ترفض أن يكون 67% حدا أدنى للالتحاق بالتعليم الهندسي، باعتباره لا يتناسب، من وجهة نظرها، مع طبيعة الدراسة والمسئوليات المرتبطة بممارسة المهنة.

وأوضح أن زيادة أعداد المقبولين بمجاميع متدنية قد تؤدي إلى تخريج أعداد تفوق احتياجات سوق العمل، بما ينعكس على فرص العمل والأجور وجودة الممارسة الهندسية.

وطالب نقيب المهندسين، اعتبارا من العام المقبل، بخفض أعداد المقبولين وتقليص الفارق بين الحدود الدنيا للقبول بالكليات الحكومية والخاصة، بحيث لا يتجاوز 5%، بما يتناسب مع احتياجات سوق العمل.

وأكد أن النقابة تدافع من خلال هذه المطالب عن الطلاب والمهنة معا، مشيرا إلى أن دورها لا يقتصر على ضبط أعداد المقبولين، وإنما يمتد إلى التأهيل المهني، وضبط ممارسة المهنة، وتفعيل الدرجات الهندسية، وتحسين ظروف العمل.

الصحفيون.. “القيد” هو بوابة ضبط المهنة

في الصحافة، يبدو أن المعركة انتقلت بدرجة أكبر إلى البوابة المهنية نفسها. فنقابة الصحفيين لا تكتفي بوجود مؤهل دراسي لدى المتقدم، وإنما تربط القيد بوجود علاقة عمل صحفية واستيفاء شروط محددة.

وفي 2026، أعادت النقابة فتح باب القيد بجدول تحت التمرين، لكنها ربطت قبول طلبات الصحف باستيفاء مجموعة من الالتزامات، من بينها تقديم كشوف بأسماء المتدربين الموجودين فعليا، وانتظام أوضاع الصحف، واستيفاء الالتزامات المالية.

والأهم أن قواعد القيد التي أعلنتها النقابة تتضمن سقفا لعدد المتقدمين من كل صحيفة سنويا؛ إذ تحدد حدا أقصى للصحف اليومية والأسبوعية والشهرية، مع إمكانية وقف القيد من صحيفة لفترة محددة إذا ثبت تجاوزها للأعداد المناسبة لدورية صدورها أو وجود مشكلات مالية أو تحريرية. وبذلك فإن نقابة الصحفيين تستخدم أداة مختلفة عن نقابة الأطباء.

فهي لا تحدد عدد طلاب كليات الإعلام الذين يدخلون الجامعة، لكنها تستطيع التأثير في عدد من يدخلون جدول النقابة من خلال المؤسسات الصحفية، وهنا يصبح القيد أداة لتنظيم سوق العمل، وليس مجرد إجراء إداري للحصول على كارنيه النقابة.

هل تحاول “الصحفيين” ضبط سوق العمل قبل القيد؟ الإجابة تحمل جانبا من “نعم”.

ففي أبريل 2026، ناقش مجلس نقابة الصحفيين مشروع لائحة جديدة للقيد، مع طرحها للنقاش الأوسع قبل عرضها على الجمعية العمومية، في إطار الحديث عن تطورات السوق الصحفية. كما أن الضوابط المعلنة في 2026 ربطت القيد بالتأمين على المتقدم، وإثبات الأجر، وانتظام صرف الرواتب، وتقديم كشف حساب بنكي، إلى جانب تحديد أعداد المتقدمين من كل صحيفة.

وهذه الشروط تعني أن النقابة تحاول التأكد من أن الشخص الذي يدخل جدول تحت التمرين يعمل صحفيا بالفعل داخل مؤسسة صحفية مستوفية للشروط، وليس مجرد خريج يمتلك مؤهلا في الإعلام أو الصحافة.

لكن الفارق يظل واضحا: نقابة الصحفيين تضبط تدفق الملتحقين بالمهنة من سوق العمل الصحفي، ولا تملك في المقابل سلطة مباشرة على أعداد الطلاب الذين تقبلهم كليات الإعلام، خاصة أن نقابة الملتحقين بالصحفيين ، لا يشترط حصولهم على شهادات كليات الإعلام فقط.

المحامون.. أزمةتضخم الأعداد وتنقية القيد

أما نقابة المحامين، فتواجه مشكلة تضخم أعداد خريجي كليات الحقوق منذ سنوات، لكن أدواتها الأساسية تتركز هي الأخرى في مرحلة القيد، وتضع شروطا لاستمرار عضوية النقابة وممارسة المهنة، وكانت هناك تجربة سابقة لنقيب المحامين الأسبق سامح عاشور عندما قام بتنقية جداول النقابة، وتم حذف  عشرات الآلف من جداول المحامين، لعدم  وجود ما يثبت استمرار ممارستهم المهنة.

كما قامت النقابة منذ بداية سنة 2026 بشطب نحو 22 ألف محامٍ، بعدما تبين أن عدداً منهم يمارسون مهنًا أخرى لا يسمح القانون بالجمع بينها وبين مهنة المحاماة، فيما يزاول آخرون أنشطة تجارية أو يمتلكون سجلات تجارية، إلى جانب محامين يشغلون وظائف في قطاعات مختلفة، من بينها التعليم والتمريض والوظائف الإدارية، بعد تصريحات  محمد راضي مسعود عضو المجلس مقرر لجنة الفكر القانوني بالنقابة العامة للمحامين والمسؤول عن تنفيذ الأحكام وتنقية الجداول. والذي أسرر إلى أن هناك حالات أخرى تم شطبها من النقابة لصدور في وقائع تتعلق بصدور أحكاما ضدهم في قضايا جنائية.

واللافت أن وثائق منشورة على موقع النقابة نفسها تحدثت سابقا بصورة مباشرة عن العلاقة بين زيادة أعداد خريجي الحقوق وبين قلة فرص العمل حيث وصل أعداد القيد في النقابة إلى 800 ألف، وذلك نتيجة تزايد أعداد الخريجين من كليات الحقوق، وهو ما يثر طبقا ما يراه المحامون على سوق العمل ووضع المحامين الاقتصادية، نتيجة تراكم أعداد الملتحقين بالمهنة.

وفي الوقت الحالي، تعتمد النقابة على إدارة القيد باعتبارها «المنفذ الأول للقيد بالنقابة وممارسة المحاماة»، وتحدد إجراءات ومستندات للقيد أول مرة، إلى جانب مراحل القيد المختلفة، تضع فيها شروطا حتى تحد من أعداد المحامين ، خاصة غير المارسين والذين تعتبرهم النقابة عبئا عليها لأانه يتمتعون بالخدمات في العلاج أو المعاش دون أن يقدموا اسهامات في دخل النقابة.

زر الذهاب إلى الأعلى