اقتصاد

المدن الجديدة أمام اختبار الوظائف.. 15 ألف فرصة بالقاهرة مقابل 240 في 6 محافظات بالصعيد

المركز المصري للدراسات الاقتصادية يكشف أسباب ضعف الإقبال على المدن الجديدة

تواجه المدن الجديدة في مصر تحديًا لا يرتبط فقط بإنشاء الوحدات السكنية والبنية التحتية، وإنما بقدرتها على جذب السكان للإقامة والعمل بشكل دائم، فبينما تتوسع الدولة في إنشاء المدن الجديدة، لا تزال فرص العمل تتركز بصورة كبيرة في القاهرة الكبرى، ما يحد من قدرة بعض هذه المدن على جذب الأسر والاستقرار بها.

ووفقًا للدراسة التي أعدها المركز المصري للدراسات الاقتصادية، حول التوزيعات السكانية في مناطق شديدة التركز بمصر،  فإن استمرار الفجوة بين أعداد السكان المستهدفين والفعليين في عدد من المدن الجديدة يرتبط بعدة عوامل أخرى، من بينها التفاوت الكبير في التوزيع الجغرافي لفرص العمل.

وأوضحت الدراسة أن سوق العمل المصري لا يزال متركزًا بدرجة كبيرة في القاهرة الكبرى وعدد محدود من المراكز الحضرية، وهو ما يثير تساؤلًا رئيسيًا حول قدرة المدن الجديدة على جذب السكان للإقامة الدائمة، في ظل استمرار تركز الوظائف في مناطق أخرى.

وقال المركز إن تحليل سوق العمل الذي يجريه المركز المصري للدراسات الاقتصادية، ويرصد الوظائف المعلنة عبر الإنترنت في المحافظات، أوضح ارتفاع عدد الوظائف الشاغرة المعلنة في محافظة القاهرة من11.83 ألف وظيفة خلال الربع الرابع من عام 2021 إلى ما يقارب من 15 ألف وظيفة في الربع الأول من العام الجاري، بزيادة بلغت 3.063 ألف وظيفة؛ بينما انخفض عدد الوظائف الشاغرة في محافظة الجيزة من 3.81 ألف وظيفة بتراجع بلغ 605 وظائف.

مناطق طاردة وجاذبة لفرص العمل

وبحسب تقرير المركز فقد انخفض عدد الوظائف في الإسكندرية من 1035 وظيفة إلى 944 وظيفة، بتراجع بلغ 91 وظيفة؛ فيما ارتفعت الوظائف في مناطق الصعيد من بينها محافظة المنيا لتسجل من 29 وظيفة إلى 53 وظيفة لكنها تراجعت في أسيوط من 147 وظيفة إلى 70 وظيفة، وزادت في سوهاج بارتفاعًا محدودًا من 34  وظيفة إلى 38 وظيفة، وقنا من 15 وظيفة إلى 24 وظيفة، وأسوان من 11 وظيفة إلى 19 وظيفة.

وأشار المركز إلى أن القاهرة سجلت في الربع الأول من عام 2026 نحو 15 ألف وظيفة شاغرة معلنًا عنها، مقابل إجمالي لا يتجاوز نحو 240 وظيفة في ست محافظات بالصعيد مجتمعة، هي المنيا وأسيوط وسوهاج وقنا وأسوان وبني سويف، ما يُعني أن فرص العمل المعلنة في القاهرة وحدها تزيد على مثيلتها في هذه المحافظات بأكثر من 60 ضعفًا.

ورغم تسجيل بعض المحافظات معدلات نمو مرتفعة نسبيًا في الوظائف الشاغرة، فإن الدراسة تحذر من قراءة هذه النسب بمعزل عن حجم القاعدة التي انطلقت منها؛ فعلى سبيل المثال، ارتفع عدد الوظائف المعلنة في محافظة قنا بنسبة 60%، لكن هذا النمو لا يعكس سوى زيادة العدد من 15 وظيفة إلى 24 وظيفة، وهو ما يُعني أن الزيادة النسبية الكبيرة لم تتحول بالضرورة إلى توسع ملموس في سوق العمل المحلي.

وتوضح هذه المقارنة أن ارتفاع معدل النمو لا يكفي وحده للحكم على تحسن فرص العمل، خصوصًا عندما تكون الأعداد الأساسية محدودة للغاية، فزيادة عشرات الوظائف في محافظة تضم مدنًا جديدة لا تمثل بالضرورة تحولاً اقتصاديًا قادرًا على جذب آلاف الأسر إلى الإقامة الدائمة.

التوسع العمراني أسرع من نمو فرص العمل

وبحسب الدراسة فإن الأرقام تعكس استمرار اختلال جغرافي في توزيع الوظائف، حيث ظل الطلب على العمالة مرتفعًا في القاهرة والمحافظات الكبرى، بينما بقي محدودًا نسبيًا في محافظات تضم عددًا من المدن الجديدة، ومنها المنيا وأسيوط وسوهاج وقنا وأسوان وبني سويف.

وأظهرت الدراسة أن سوق العمل المصري ظل أكثر تركّزًا من التوسع العمراني الذي شهدته البلاد؛ فبينما توسعت المدن الجديدة جغرافيًا، لم يواكب نمو فرص العمل الوتيرة نفسها، حيث تظهر فجوة أساسية في نموذج التنمية العمرانية؛ إذ إن إنشاء مناطق سكنية جديدة وتوفير البنية التحتية لا يضمن تلقائيًا انتقال السكان إليها، ما لم يتوافر اقتصاد محلي قادر على توفير وظائف مستقرة ومصادر دخل منتظمة.

العاصمة الإدارية تكشف حدود نقل المؤسسات

وتبرز تجربة العاصمة الإدارية الجديدة هذا التحدي بوضوح؛  فعلى الرغم من أن نقل المؤسسات الحكومية وعدد من الشركات الخاصة إلى العاصمة أسهم في زيادة حركة التنقل اليومية إليها، فإن ذلك لم يصاحبه ارتفاع مماثل في أعداد المقيمين إقامة دائمة، إذ لايزال عدد كبير من العاملين يتنقلون يوميًا من القاهرة والمحافظات المجاورة إلى العاصمة، بدلًا من نقل محل إقامتهم مع أسرهم، وهو ما يشير إلى أن نقل أماكن العمل وحده لا يكفي لتحقيق انتقال سكاني مستدام؛ فالانتقال من مدينة إلى أخرى لا يرتبط بمكان الوظيفة فقط، وإنما يتأثر أيضًا بتكلفة السكن، وتوافر المدارس والخدمات الصحية، وسهولة الوصول إلى المرافق التجارية، وكفاءة وسائل النقل، وقدرة الأسرة على بناء نمط حياة متكامل في المدينة الجديدة.

الوظائف ليست العامل الوحيد في قرار الانتقال

وسلطت الدراسة الضوء على أن محدودية فرص العمل ليست العامل الوحيد الذي يفسر ضعف الإقبال على بعض المدن الجديدة، إذ تلعب جودة الخدمات الحضرية وتكلفتها دورًا محوريًا في قرارات السكن والاستقرار، حيث تشمل هذه العوامل توافر المدارس الجيدة، وخدمات الرعاية الصحية، والمرافق التجارية، ووسائل النقل العام الكفؤة، والإسكان الميسر، إلى جانب مستوى الخدمات اليومية التي تحتاج إليها الأسر؛ فعندما تكون هذه المقومات محدودة، أو عندما ترتفع تكاليف السكن والتنقل، فإن الحافز على الانتقال إلى المدن الجديدة يظل ضعيفًا، حتى في حال توافر وحدات سكنية وبنية تحتية حديثة.

كما أن استمرار انخفاض معدلات الإشغال في عدد من المدن الجديدة الأقدم يشير إلى أن الظاهرة لا ترتبط فقط بحداثة إنشاء مدن الجيل الرابع، وإنما تعكس تحديات أعمق تتعلق بتصميم المدن وربطها بالاقتصاد والخدمات واحتياجات السكان.

تجربة المدن الجديدة

وترى الدراسة أن تقييم تجربة الجيل الأول من المدن الجديدة يمثل درسًا مهمًا لتوجيه جهود التنمية العمرانية في المستقبل، إذ أن فهم الأسباب التي حالت دون تحقيق عدد من المدن القائمة مستهدفاتها السكانية يمكن أن يساعد في تحسين تخطيط وتنفيذ المشروعات الجديدة، والحد من مخاطر تكرار التحديات نفسها، وتشير النتائج إلى أن مصر حققت تقدمًا ملحوظًا في توسيع الرقعة العمرانية، لكن التوسع العمراني وحده لم يكن كافيًا لتحقيق الهدف الرئيسي المتمثل في إعادة توزيع السكان.

وأوضحت الدراسة أنه في الوقت الذي وُجّهت فيه استثمارات كبيرة إلى الإسكان والبنية التحتية، ظل نمو فرص العمل محدودًا في عدد من المحافظات، ما صعّب على المدن الجديدة تكوين أسواق عمل محلية قوية قادرة على جذب السكان، وبالتالي فإن التخطيط العمراني المستقبلي يحتاج إلى الانتقال من التركيز على عدد المدن الجديدة ومساحاتها والطاقة الاستيعابية المستهدفة إلى التركيز على قدرتها الفعلية على توفير حياة متكاملة للسكان.

مدن للعيش والعمل.. وليس للسكن فقط

وخلصت الدراسة إلى أن إنشاء المدن الجديدة يمثل خطوة مهمة للحد من التركز السكاني، لكنه لن يحقق هذا الهدف بصورة مستدامة ما لم يقترن بخلق نشاط اقتصادي محلي قوي، وتوفير خدمات حضرية متكاملة، فإعادة توزيع السكان لا تعتمد فقط على بناء وحدات سكنية أو نقل مؤسسات حكومية، وإنما تتطلب إنشاء مدن تتيح للسكان العيش والعمل والحصول على الخدمات الأساسية في نطاق جغرافي واحد.

وقالت الدراسة إن نجاح المدن الجديدة يجب ألا يُقاس فقط بعدد الوحدات التي جرى تنفيذها أو المساحات التي تم تنميتها، وإنما بقدرتها على جذب سكان دائمين، وتوفير فرص عمل حقيقية، وبناء مجتمعات اقتصادية واجتماعية متكاملة، موضحة أن التحدي الرئيسي أمام التنمية العمرانية في مصر لم يعد فقط في توسيع الخريطة العمرانية، بل في ربط هذه الخريطة بخريطة أكثر عدالة وتوازنًا لفرص العمل والاستثمار والخدمات.

زر الذهاب إلى الأعلى