«مش هنمشي من بيوتنا لو على موتنا».. بهذه العبارة يعبّر عدد من أهالي مناطق الوراق وطره عن مخاوفهم من مشروعات إعادة التخطيط العمراني، في ظل توسع الدولة في تطوير مناطق ذات قيمة عمرانية واستثمارية متزايدة في القاهرة والجيزة.
ولا يدور الجدل حول إزالة مبانٍ أو إنشاء طرق ومشروعات جديدة فقط، بل يمتد إلى قضية أوسع تتعلق بـ«العدالة العمرانية»: كيف يمكن تطوير المدن وتحسين البنية الأساسية والخدمات، من دون أن يفقد السكان حقهم في السكن أو الارتباط بالمكان الذي عاشوا فيه لعقود؟
العدالة العمرانية.. «الحق في المدينة»
ترتبط فكرة العدالة العمرانية بمفهوم «الحق في المدينة» الذي طرحه الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي هنري لوفيفر عام 1968، ثم طوره باحثون من بينهم ديفيد هارفي، وينظر هذا المفهوم إلى المدينة باعتبارها فضاءً اجتماعيًا، لا مجرد مبانٍ وطرق، بحيث يكون للسكان حق في المشاركة في تشكيلها والاستفادة من مواردها وعوائد تنميتها.
وفي مصر، ناقش المجلس القومي لحقوق الإنسان عام 2023 سياسات التطوير العمراني بالمدن القائمة من منظور حقوق السكن والملكية، مؤكدًا أن نجاح مشروعات التطوير لا يرتبط بتحسين العمران والبنية الأساسية فقط، وإنما أيضًا بحماية حقوق السكان، والمشاركة المجتمعية، وضمان التعويض العادل أو توفير بدائل مناسبة للمتضررين.
وفي المقابل، تؤكد الجهات الحكومية أن مشروعات التطوير تستهدف القضاء على المناطق غير المخططة، وتحسين جودة الحياة، وتوفير الخدمات والبنية الأساسية، والاستفادة من الأراضي ذات القيمة العمرانية والاستثمارية.
إمبابة.. تطوير منطقة كثيفة السكان
تمثل إمبابة أحد نماذج التطوير العمراني في المناطق القائمة، فقد تحولت المنطقة، مع التوسع العمراني والهجرة الداخلية، إلى واحدة من أكثر المناطق كثافة بالسكان، مع ضغوط متزايدة على البنية الأساسية والخدمات.
ويركز جزء رئيسي من مشروع تطوير شمال الجيزة وإمبابة على أرض مطار إمبابة القديم، التي تضم نحو 55 فدانًا سكنيًا، ونحو 3100 وحدة و158 عمارة، إلى جانب حديقة عامة على مساحة 38 فدانًا.
وشملت أعمال التطوير رفع كفاءة الطرق والمحاور وتحسين المنطقة، ضمن مشروع مدعوم من مبادرة UPFI للتنمية الحضرية المستدامة بالبحر المتوسط، ووفق البيانات الحكومية، يجري رفع كفاءة 117 عمارة، مع إنجاز نحو 80% من أعمال واجهات 93 عمارة.
لكن المشروع يطرح تساؤلات حول مصير السكان المتأثرين، وأعداد من جرى نقلهم، وقيمة التعويضات المقدمة لهم، وهي معلومات لا تزال بحاجة إلى بيانات معلنة ومفصلة.
ويقول أحمد حسين، المهندس والخبير في التخطيط العمراني، إن نجاح تطوير المناطق يرتبط بتحقيق توازن بين تعظيم الاستفادة من الأراضي وتوفير البنية الأساسية والخدمات وفرص العمل، مع الحفاظ على النسيج الاجتماعي للسكان.
في المقابل، يؤكد محمود غيث، رئيس الجمعية المصرية للتخطيط العمراني، أن الدولة تعمل على تطوير المناطق غير المخططة التي نشأت على مدار عقود من دون تخطيط مسبق، مستفيدة من خبرات وإمكانات كبيرة في هذا المجال.




الوراق.. «بيت مكان بيت»
تعد جزيرة الوراق من أكبر جزر نهر النيل، وتبلغ مساحتها نحو 1500 فدان، بينما تتداول مصادر مختلفة تقديرات لعدد سكانها تصل إلى نحو 120 ألف نسمة، وقد منح موقعها داخل محافظة الجيزة قيمة عمرانية واستثمارية خاصة.
ومع استمرار مشروع التطوير، يتمسك عدد من الأهالي بمطلب «بيت مكان بيت»، مؤكدين أن توفير وحدات سكنية بديلة لا يمثل وحده حلًا كافيًا، وأن البدائل يجب أن تتناسب مع قيمة مساكنهم الحالية وأن تكون داخل نطاق المشروع، مع الحفاظ على الخدمات والروابط الاجتماعية ومصادر الرزق.
وخلال اجتماع عقدته حركة «باقون في جزيرة الوراق» في 12 سبتمبر، ناقش ممثلو الأهالي المقترحات الحكومية المتعلقة بمستقبل السكان، مطالبين بإدماج الكتلة السكنية القائمة ضمن المخطط الجديد، وعدم اقتصار التعويض على وحدات تحددها الجهات المنفذة.
ويرتبط اعتراض السكان أيضًا بطبيعة حياتهم في الجزيرة، إذ يعتمد بعضهم على الزراعة والصيد، فضلًا عن العلاقات الاجتماعية التي تشكلت على مدار سنوات طويلة.
وطرح بعض الأهالي فكرة الدخول كشركاء في مشروع التطوير، باعتبارها أحد البدائل التي يمكن أن تتيح للسكان الاستفادة من ارتفاع قيمة الأرض بعد التطوير، بدلًا من اقتصار دورهم على تلقي التعويضات.

نزاع قديم حول الملكية
تعود جذور أزمة الوراق إلى عام 1998، عندما صدر قرار باعتبار الجزيرة محمية طبيعية، ثم صدر عام 2001 قرار بإخضاعها لقواعد أملاك الدولة، لتبدأ سلسلة من النزاعات القضائية حول ملكية الأراضي.
وفي عام 2002، حصل عدد من الأهالي على أحكام قضائية بشأن تملك أراضٍ داخل الجزيرة، بينما تصاعدت الأزمة مجددًا عام 2017 مع تنفيذ قرارات إزالة.
وتستند الحكومة إلى أن معظم أراضي الجزيرة من أملاك الدولة، وأن بعض واضعي اليد لا يمتلكون مستندات ملكية مكتملة، استنادًا إلى القوانين المنظمة لأملاك الدولة وتقنين أوضاع واضعي اليد.
في المقابل، يؤكد سكان امتلاكهم عقود بيع وشراء قديمة، وعقودًا مسجلة وحججًا عرفية وأحكامًا قضائية، ما يجعل ملف الملكية من أكثر جوانب المشروع تعقيدًا.
وسبق أن طالب نواب عن دائرة الوراق وأوسيم بتوضيح رؤية الحكومة بشأن مستقبل السكان، مؤكدين أهمية تحسين الخدمات وتوفير تعويضات أو بدائل سكنية مناسبة.
وقال النائب محمود الصعيدي، إن تطوير الجزيرة يجب أن يخدم الأهالي ويحسن مستوى الخدمات، مع توفير حلول مناسبة للمتضررين.

طره.. حصر وسط غياب خريطة معلنة
في طره، تتركز مخاوف السكان حول أعمال حصر متداولة للعقارات والأراضي، وسط عدم وجود إعلان رسمي واضح يحدد خريطة مشروع شامل لإزالة المنطقة أو إعادة تخطيطها.
ويرتبط جزء من الجدل بقرار تطوير كورنيش النيل بطرة البلد المنشور في الوقائع المصرية عام 2025، بينما لا يتضمن القرار، وفق المعلومات المتاحة، نصًا بشأن إزالة منطقة طرة البلد بالكامل.
ويقول عيد عبده، أحد سكان المنطقة، إن البحث في القرارات المنشورة لم يظهر قرارًا بإزالة المنطقة، مشيرًا إلى أن القرار رقم 15699 بتاريخ 28 سبتمبر 2025 يتعلق بالأراضي الفضاء الواقعة على النيل من أثر النبي حتى سجن طرة، ولا يتحدث عن إزالة طرة البلد.
ويؤكد عبده، أن عددًا من سكان المنطقة يمتلكون مستندات تثبت ملكيتهم للعقارات والأراضي، مطالبًا بإعلان أي مخطط رسمي بصورة واضحة قبل اتخاذ إجراءات تمس حقوق السكان.
من جانبه، أعلن النائب وائل سعدة، عضو مجلس النواب عن دائرة المعادي وطره، متابعته للملف بالتنسيق مع الجهات التنفيذية، مؤكدًا أن حقوق المواطنين والتعويضات العادلة ستكون محل اعتبار وفق القانون.
وبحسب المعلومات المتاحة، لا توجد حتى الآن خريطة رسمية معلنة لإزالة منطقة طرة بالكامل، فيما يرتبط الأمر بإجراءات الحصر وتقييم العقارات وتحديد نطاق المشروع حال استكمال الإجراءات القانونية.

ماذا يقول القانون؟
يرى شهاب حسين، المحامي بمجلس الدولة، أن مشروعات إعادة التخطيط لا تقاس فقط بقدرتها على رفع القيمة الاقتصادية للمناطق، وإنما أيضًا بمدى احترامها للضمانات القانونية المتعلقة بحقوق السكان.
ويشير إلى أن المادة 78 من الدستور المصري تنص على حق المواطن في السكن الملائم والآمن والصحي، وتلزم الدولة بتوفير هذا الحق وتنظيم استخدام أراضي الدولة بما يحقق الصالح العام.
ويضيف أن أي إجراءات لنزع الملكية أو نقل السكان يجب أن تستند إلى أساس قانوني واضح، مع تحديد طبيعة الملكية والالتزام بالإجراءات المنصوص عليها في قانون نزع ملكية العقارات للمنفعة العامة رقم 10 لسنة 1990، بما يشمل الحصر والتقييم وصرف التعويضات.
ويؤكد أن التحدي الأساسي لا يتمثل في التطوير ذاته، وإنما في إدارة عملية الانتقال، خصوصًا في المناطق التي ترتبط فيها مساكن السكان بمصادر رزقهم وشبكاتهم الاجتماعية.


المدينة للجميع
تكشف تجارب إمبابة والوراق وطره عن سؤال واحد يتجاوز مشروعات الطرق والمباني: كيف يمكن أن تصبح التنمية العمرانية فرصة يستفيد منها السكان الأصليون، لا سببًا لإبعادهم عن مناطقهم؟
وترى دراسات حول العدالة العمرانية، أن إعادة تأهيل المناطق غير المخططة بصورة تشاركية، مع إشراك السكان والحفاظ عليهم داخل أحيائهم قدر الإمكان، يمثل أحد المسارات المرتبطة بمفهوم «الحق في المدينة».
وفي الحالات التي يصبح فيها النقل ضرورة، تبرز أهمية التعويض العادل وتوفير بدائل مناسبة تحافظ على المستوى المعيشي والنسيج الاجتماعي.
بينما تؤكد الدولة، أن التطوير يستهدف تحسين جودة الحياة وتعظيم الاستفادة من الأراضي، يطالب السكان بضمانات واضحة بشأن السكن والملكية والتعويض والمشاركة.
وفي النهاية، لا يقاس نجاح إعادة تشكيل القاهرة والجيزة بعدد الطرق والمباني التي يتم إنشاؤها فقط، وإنما أيضًا بمدى قدرة مشروعات التطوير على تحقيق التنمية مع الحفاظ على حقوق السكان وشعورهم بالأمان والانتماء إلى المكان.






