طمس الهوية الفلسطينية.. كيف تتحول إزالة ركام غزة إلى معركة على الأدلة والأرض؟

ناصر أمين المحامي بالمحكمة الجنائية الدولية: طمس الأدلة لا يمنع توثيق جرائم الحرب ولا يُسقط المسؤولية
د.رائد العشي أستاذ القانون بفلسطين: التوثيق ليس غاية بل الخطوة الأولى لمحاسبة مرتكبي جرائم الحرب
د.يوسف الرنتيسي خبير الأدلة الجنائية الفلسطيني: البصمة الوراثية مفتاح التعرف على ضحايا غزة.. وغياب المختبرات يُعقد كشف هوياتهم
في الوقت الذي يترقب فيه العالم دخول شاحنات المساعدات إلى قطاع غزة، تتحرك مئات المركبات يوميًا داخل القطاع لغرض مختلف تمامًا، حيث تعمل-وفق تقارير وشهادات- على رفع كميات هائلة من الأنقاض الناتجة عن الدمار الذي خلفته الحرب، وتثير عمليات إزالة الركام تساؤلات حول مصير رفات الضحايا والأدلة التي قد تكون مدفونة تحت الأنقاض، وما إذا كان رفعها قد يؤثر في إمكانية توثيق ما حدث، إلى جانب التساؤلات بشأن مستقبل المناطق التي دُمرت بالكامل.
وتشير المعطيات إلى دخول نحو 400 آلية للحفر والهدم والنقل تعمل على إزالة ما تبقى من المباني المدمرة وتفتيت الأنقاض، دون أن يسبق ذلك – في كثير من المواقع – فحصٌ أو توثيقٌ من قبل فرق فنية متخصصة في الأدلة الجنائية أو البحث عن المفقودين، وذلك في ظل استمرار منع دخول المحققين والصحفيين الدوليين إلى قطاع غزة.
وتتحدث البيانات عن خروج ما يقارب 100 شاحنة يوميًا محملة بالركام، الذي قد يحتوي على رفات شهداء لا تزال عالقة تحت الأنقاض، إلى مواقع غير معلنة، بينما تشير التقديرات إلى إزالة نحو 10 ملايين طن من الركام من أماكنه الأصلية داخل مناطق تخضع لسيطرة الاحتلال، من إجمالي نحو 86 مليون طن من الأنقاض المنتشرة في أنحاء القطاع.
ويطرح هذا الواقع أسئلة تتجاوز عمليات إزالة المخلفات الناتجة عن الحرب، هل تهدف هذه العمليات إلى طمس الأدلة المحتملة على الانتهاكات والجرائم المرتكبة؟، أم أنها تمثل خطوة لإعادة تشكيل الجغرافيا وتغيير معالم الأرض تمهيدًا لاستخدامات مستقبلية، بما في ذلك التوسع الاستيطاني؟.
هذه الأسئلة تمثل محور هذا التقرير، الذي يتتبع عمليات إزالة الركام في قطاع غزة، ويحلل أبعادها القانونية والهندسية والإنسانية، وما إذا كانت تتجاوز كونها أعمالا إنشائية إلى قضية ترتبط بحفظ الأدلة، وحماية المقابر والرفات، والحفاظ على الهوية المكانية الفلسطينية.
د.يوسف الرنتيسي: الطب الشرعي في غزة يواجه مسؤوليات استثنائية وسط نقص الإمكانيات
أوضح د. يوسف الرنتيسي، خبير الأدلة الجنائية الفلسطيني، أن المسؤولية الملقاة على عاتق الطب الشرعي في قطاع غزة أصبحت أكبر في ظل الظروف الاستثنائية التي يشهدها القطاع، حيث يعمل الخبراء على فحص جثث الضحايا بمختلف الحالات، سواء ضحايا الاستهدافات، أو الجثث مجهولة الهوية، أو الجثث التي يتم انتشالها من مقابر الأرقام، أو الرفات والجثث المتحللة التي يتم العثور عليها تحت أنقاض المنازل.
وأضاف أن هذه المهام تمثل تحديًا كبيرًا للعاملين في مجال الطب الشرعي، خاصة مع شح الإمكانيات وغياب المختبرات المتخصصة والمعامل العلمية المتقدمة، نتيجة تأثيرات القصف والتوغلات البرية، وهو ما انعكس بشكل مباشر على قدرة الفرق الطبية والخبراء الميدانيين على أداء عملهم.
الأدلة الجنائية ودورها في تحديد ملابسات الوفاة
وأشار “الرنتيسي” إلى أن الطب الشرعي يعتمد على مجموعة من الإجراءات لإثبات ملابسات الوفاة، تبدأ بالمعاينة الظاهرية للجثة، وقد تمتد إلى إجراء التشريح والفحوص اللازمة لتحديد سبب الوفاة وتوقيتها، إلى جانب محاولة التعرف على هوية الضحايا الذين يصعب تحديد شخصياتهم.
وأضاف أن عملية جمع الأدلة في قطاع غزة تواجه صعوبات كبيرة بسبب استمرار القصف، وصعوبة وصول الفرق المتخصصة إلى مواقع الاستهداف، فضلا عن المخاطر التي تحيط بعمل الخبراء أثناء فحص مسارح الأحداث.
وأوضح أنه خلال فترات الهدوء أو الهدن المؤقتة، تُبذل محاولات لجمع الآثار والأدلة المادية من المواقع المختلفة، ونقلها إلى أماكن التخزين تمهيدًا لفحصها، وتشمل هذه الأدلة بقايا الذخائر والمقذوفات، بما يساعد في تحليل طبيعة الأسلحة المستخدمة وتحديد نمط الإصابات.
وأكد أن الربط بين فحص الجثث ومعاينة مسارح الأحداث يمثل عنصرًا أساسيًا في تحديد طبيعة الإصابات، وما إذا كانت ناتجة عن إطلاق نار أو انفجارات أو أنواع أخرى من الأسلحة، وهو ما يتطلب تعاونًا بين أطباء الطب الشرعي والخبراء الجنائيين والفرق الميدانية.
البصمة الوراثية وتحديات التعرف على الضحايا
ولفت “الرنتيسي” إلى أن البصمة الوراثية تمثل إحدى أهم الوسائل العلمية للتعرف على هوية الضحايا، خاصة في الحالات التي يتعذر فيها التعرف عليهم بالطرق التقليدية، إلا أن غياب المختبرات المتخصصة والتقنيات اللازمة يجعل هذه المهمة أكثر صعوبة.
وأوضح أن عدم توفر المعدات والتقنيات المتقدمة الخاصة بالفحوص الجينية يشكل عائقًا أمام عمل الطب الشرعي، خصوصًا مع وجود أعداد كبيرة من المفقودين، فضلا عن وصول بعض الجثث في مراحل متقدمة من التحلل، ما يزيد من تعقيد عمليات تحديد الهوية.
وأشار إلى أن الفرق المختصة تضطر في بعض الحالات إلى الاعتماد على وسائل بديلة، مثل الملابس، والأسنان، والعلامات الجسدية، وغيرها من القرائن المتاحة، إلا أن عددًا من الضحايا يبقى مجهول الهوية إلى حين توفر الإمكانيات اللازمة لإجراء تحاليل البصمة الوراثية.
الأدلة الجنائية ومسار العدالة الدولية
وأكد “الرنتيسي” أن الحفاظ على الأدلة الجنائية، والجثث ورفات الضحايا، وتوثيق مواقع الأحداث، يمثل عنصرًا أساسيًا في أي مسار مستقبلي للتحقيق والمساءلة، خاصة قبل إزالة الأنقاض أو تغيير معالم الأماكن التي شهدت عمليات استهداف.
وأضاف أن عمليات التوثيق، بما تشمل التسجيلات الطبية، والشهادات، وتقارير الفرق الميدانية، والأدلة الجنائية، يمكن أن تشكل قاعدة مهمة لأي ملفات قانونية تسعى إلى كشف الحقيقة وتحقيق العدالة.
وأوضح أن القضايا المرتبطة بالجرائم الخطيرة تخضع لمسارات قانونية دولية، ويمكن للجهات المعنية وذوي الضحايا اللجوء إلى الآليات القانونية المتاحة، حيث يتم تقييم الأدلة والتحقق من الوقائع وفق الإجراءات والاختصاصات المحددة للجهات القضائية الدولية.
ناصر أمين: استهداف الصحفيين ومنع التحقيقات الدولية يهددان حفظ أدلة جرائم الحرب
قال ناصر أمين، المحامي أمام المحكمة الجنائية الدولية والمدير العام للمركز العربي لاستقلال القضاء والمحاماة، إن السلطات الإسرائيلية تتبع إجراءات تهدف إلى طمس الأدلة وإخفائها، وهو ما يشمل استهداف الصحفيين ومنع لجان تقصي الحقائق والمحققين الدوليين من الوصول إلى قطاع غزة، الأمر الذي يعوق توثيق جرائم الحرب والانتهاكات.
وأضاف أن العاملين في مجال توثيق الانتهاكات داخل غزة يتعرضون لضغوط وتهديدات، بينما تواجه بعض الجهات التي تعمل على جمع الأدلة عقوبات وإجراءات تعرقل عملها، مشيرًا إلى أن هذه الممارسات لا تمنع من استمرار جهود منظمات المجتمع المدني والجهات الحقوقية في توثيق ما يجري.
وأكد أن للصحافة الاستقصائية دورًا محوريًا في النزاعات المسلحة، من خلال تصوير الوقائع من زوايا متعددة وتوثيقها بما يحافظ على قيمتها القانونية مستقبلاً، مع ضرورة التزام الصحفيين بإجراءات السلامة وعدم العبث بمسرح الجريمة أو المقابر الجماعية.
وأوضح أن نظام المحكمة الجنائية الدولية يتيح للادعاء الاستفادة من أنواع متعددة من الأدلة، بما في ذلك تقارير لجان التحقيق، والوثائق الرسمية، وتقارير المنظمات الحقوقية، والمواد الصحفية، والمحتوى المنشور علنًا، بعد التحقق من صحتها.
كما دعا الدول العربية إلى الانضمام إلى نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، معتبرًا أن محدودية عدد الدول العربية المنضمة لا تتناسب مع طبيعة النزاعات والانتهاكات التي تشهدها المنطقة، مشيرًا إلى أن انضمام الدول يعزز منظومة المساءلة الدولية.
رائد نعيم العشي: التوثيق هو الحلقة الأولى لإثبات الجرائم أمام القضاء الدولي
قال د.رائد نعيم العشي المحامي و الباحث الأكاديمي وأستاذ القانون العام الفلسطيني، إن ما يشهده قطاع غزة والضفة الغربية خلّف دمارًا واسعًا طال الإنسان والحجر والشجر، مضيفًا أن حجم الانتهاكات تجاوز قدرة اللغة على وصفه، الأمر الذي يستدعي – بحسب تعبيره – البحث عن مصطلحات جديدة تعكس حقيقة ما يجري.
وأوضح أن توثيق الجرائم يمثل حجر الأساس في القانون الدولي والقانون الدستوري، لأنه يحافظ على الوقائع من الضياع، ويشكل اللبنة الأولى لإعداد ملف قانوني يمكن تقديمه أمام المحاكم الدولية.
وأشار إلى وجود نوعين من التوثيق، هما التوثيق الإعلامي والصحفي والتوثيق الحقوقي والقانوني، مؤكدًا أن كلاهما يكمل الآخر. فالإعلاميون والصحفيون يوثقون الوقائع بالصورة والفيديو لحظة وقوعها، بينما تتولى اللجان الحقوقية جمع الأدلة، وتوثيق شهادات الشهود، وإثبات الوقائع ميدانيًا أثناء الحرب وبعدها.
وأضاف أن التوثيق ينقل الواقعة من مجرد اعتداء إلى دليل قانوني يمكن الاستناد إليه لإثبات عناصر الجريمة الدولية، من خلال تحديد الفعل، ومكانه، وزمانه، وهوية الضحايا، وطبيعة الأضرار التي لحقت بهم، إضافة إلى تحديد الأشخاص المسؤولين، سواء المنفذين أو من أصدروا الأوامر، وصولًا إلى القيادات العسكرية والسياسية، تمهيدًا لتقديمها أمام المحكمة الجنائية الدولية.
وأكد أن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية تعتمد في إثباتها على الأدلة الميدانية، وشهادات الشهود، والصور، ومقاطع الفيديو، والمواد التي يتم جمعها وفق معايير قانونية معتمدة، بما يسهم في محاسبة المسؤولين وفقًا للقانون الدولي.
وأشار إلى أن القانون الأساسي الفلسطيني يكفل الحقوق الأساسية، وعلى رأسها الحق في الحياة والكرامة والسلامة الجسدية والتقاضي، وهو ما يجعل توثيق الانتهاكات ضرورة قانونية، داعيًا إلى تعزيز دور المؤسسات الوطنية ومنظمات المجتمع المدني في حفظ الأدلة ومنع ضياعها، خاصة مع احتمالات تدمير مسرح الجريمة أو فقدان الشهود.
وأوضح أن المحكمة الجنائية الدولية تتمتع بسلطة تقديرية واسعة في تقييم الأدلة، ولا يشترط أن يكون الدليل منفردًا أو قاطعًا، بل تنظر المحكمة إلى مجمل الأدلة والقرائن ومدى ترابطها حتى تصل إلى قناعتها القضائية.
حفظ الأدلة وسلسلة حيازتها تحددان مصير ملفات جرائم الحرب
وأضاف أن قبول المواد المصورة أمام المحكمة يخضع لمعايير فنية وقانونية دقيقة، تشمل التحقق من البيانات الوصفية Metadata ومصدر المادة، وتاريخها، وموقع تصويرها، وصحتها، وعدم تعرضها للتعديل، إضافة إلى ربطها بالواقعة محل التحقيق.
كما شدد على أهمية سلسلة حيازة الأدلة Chain of Custody، موضحًا أن المحكمة تنظر في كيفية جمع الأدلة، وأماكن حفظها، والأشخاص الذين تعاملوا معها، وما إذا كانت قد تعرضت لأي تعديل أو نسخ قد يؤثر في سلامتها القانونية.
وفيما يتعلق بالمسؤولية القانونية، أوضح “العشي” أن القانون الدولي يميز بين مسؤولية الدولة عن الأفعال غير المشروعة، والمسؤولية الجنائية الفردية للأشخاص الذين يرتكبون الجرائم أو يأمرون بها أو يخططون لها أو يساهمون في تنفيذها.
وأشار إلى أن المسؤولية القيادية تُثبت من خلال إثبات العلاقة بين القائد والمرؤوس، وإظهار وجود سلطة وسيطرة فعلية، وإثبات صدور الأوامر أو التعليمات، سواء كانت مكتوبة أو شفهية، أثناء العمليات العسكرية.
واختتم حديثه بالتأكيد على أن التوثيق ليس غاية في حد ذاته، وإنما يمثل المرحلة الأولى في مسار العدالة الدولية، إذ يتيح للمحكمة الجنائية الدولية تقييم الأدلة وفقًا لسلطتها التقديرية، تمهيدًا لمساءلة المسؤولين عن الجرائم والانتهاكات.






