محليات

الضما.. سلاح وحكايات صدام حسين وحياة لا تظهر على الخريطة

الضما.. سلاح وحكايات صدام حسين وحياة لا تظهر على الخريطة

أعاد حادث مقتل فتحي الميرغني، عم الفنان حمدي الميرغني، إثر إصابته بطلق ناري بجوار كوبري الضما في مركز كوم أمبو بمحافظة أسوان، اسم قرية الضما إلى الواجهة مجددًا، وفتح الباب أمام أسئلة قديمة حول السلاح والنزاعات المحلية وطبيعة الحياة داخل القرية.

وبالنسبة إلى من يتابع تاريخ المنطقة، لم تكن الواقعة مجرد حادث منفرد، إذ أعادت طرح أسئلة أكبر حول جذور النزاعات في المنطقة؛ من خلافات الثأر والأراضي، إلى صراعات الميراث وتجارة الذهب، في ظل حملات أمنية سابقة أعلنت خلالها الأجهزة الأمنية ضبط أسلحة ومواد مخدرة، وفق ما ورد في أرشيف الصحف.

ماذا يحدث في الضما عندما تغيب الشمس؟

في الضما، التابعة لمركز كوم أمبو بمحافظة أسوان، تتداول بعض الروايات بين أبناء المناطق المحيطة حكايات عن الليل، من بينها أن الغريب لا يدخل القرية بعد حلول الظلام.

ولا توجد، بحسب ما توصلنا إليه، لافتة معلقة عند مدخل القرية أو قرار رسمي يمنع الغرباء من الدخول، وإنما تبدو المسألة أقرب إلى قاعدة غير مكتوبة تتناقلها الروايات الشعبية، وهنا يبرز السؤال: هل تعكس هذه السمعة واقعًا أمنيًا حقيقيًا، أم أن الخوف من الضما أصبح أكبر من حجم المخاطر الموجودة فيها؟

تقع قرية الضما في بيئة صعيدية ذات تركيبة اجتماعية خاصة، تلعب فيها العائلة والعلاقات الممتدة دورًا مهمًا في تشكيل الحياة اليومية.

وبين الجبل والقرية، نشأت على مدار سنوات روايات شعبية عن السلاح والمطاريد، إلا أن صورة «مطاريد الجبل» لم تعد كما كانت في الماضي؛ فالكثير من الشخصيات التي ارتبطت بهذه الصورة يعيشون اليوم داخل النسيج الاجتماعي للقرى، في ظل تركيبة قبلية تحكمها مكانة العائلة، واحترام الكبير، وتأثير العلاقات الاجتماعية.

لكن خلف هذه الصورة تتداخل عوامل متعددة؛ بين عادات اجتماعية قديمة، وخلافات قبلية، وجرائم تتم تسوية بعضها عرفيًا، واتهامات تظل حاضرة في ذاكرة المجتمع، بينما تبقى التحقيقات والأحكام القضائية هي الفيصل في تحديد المسؤوليات.

وهنا تعود الحكاية إلى عام 2018، حين دخلت “المحررة” قرية الضما للمرة الأولى، لم يكن معروفًا وقتها أن تلك الزيارة ستقود إلى أسئلة أكبر عن السلاح والذاكرة والعائلات والحياة التي تجري داخل القرية.

صدام حسين.. كيف تحولت حكايته إلى قصة مجتمع؟

كان الهدف من زيارة ” المحررة” لقرية الضما البحث عن رجل مصري يحمل اسمًا أثار فضول كثيرين: صدام حسين.

لم يكن الرئيس العراقي الراحل، وإنما شابًا مصريًا من أبناء الضما، تحول اسمه إلى جزء من حكايات القرية ورواياتها الشعبية.

لم يكن الوصول إليه سهلًا؛ فقد احتاج الأمر إلى وسيط وعدة محاولات وانتظار، حتى وافق على اللقاء.

وعلى عكس ما قد يتوقعه البعض، لم يكن اللقاء في الجبل أو في مكان معزول، وإنما داخل أحد المنازل الريفية، حيث كان الانتظار على «المصطبة» إلى جوار جدة وقورة، بينما كانت حفيدتها الصغيرة تلهو بالقرب منها، في مشهد يعكس بساطة المكان وهدوءه.

أما اللقاء نفسه، فلم يكن «مخيفًا» كما كانت تصفه بعض الروايات المتداولة، بل حمل مزيجًا من الترحيب والرغبة في تغيير الواقع إلى الأفضل، إلى جانب لغة يغلب عليها التحدي والثقة بالنفس.

كان حينها شابًا لم يتجاوز 28 عامًا، ارتبط اسمه بحكايات «مطاريد الجبل» التي نسجت حوله الكثير من الأساطير، لكن ما لفت الانتباه  جانبًا آخر من شخصيته؛ فقد حضر أحد أهالي القرية طالبًا المساعدة، فلم يتردد في الاستجابة له، في موقف عكس قيم الشهامة والكرم التي كان بعض أهالي المنطقة ينسبونها إليه، بعيدًا عن الصورة التي رسمتها عنه الروايات المتداولة.

وخلال اللقاء، تحدث عن بدايات رحلته، قائلًا إن اسمه كان سببًا في كثير من الشائعات التي لاحقته منذ سنوات المراهقة.

وقال: «بسبب اسمي انتشرت عني إشاعات إني بوقف العربيات»، في إشارة إلى اتهامات بالسطو المسلح، مضيفًا أن هذه الروايات، بحسب قوله، دفعت بعض الأهالي إلى تقديم بلاغات ضده، لتُسجل بحقه قضايا قال إنه لم يكن يعلم عنها شيئًا، وكان حينها في السادسة عشرة من عمره.

وأضاف: «مع الوقت حسيت إن الناس رسمت لي صورة معينة، فقلت خلاص.. هعمل اللي هما شايفينه في.. هما خلوني في خيالهم كده، فقلت هبقى زي ما بيتكلموا عني، طالما جعلوني مجرمًا، هكون زي ما أنتم عايزين».

واستدرك مؤكدًا أن هذا لم يكن الطريق الذي أراده لنفسه، قائلًا: «أنا ماكنتش عايز أبقى كده، لكن الظروف خلتني أمشي في السكة دي».

وأشار إلى أنه أصبح لاحقًا متهمًا في قضايا تتعلق بالمخدرات والأسلحة، قبل أن يختتم حديثه بعبارة بدت أقرب إلى التعبير عن رغبته في بداية جديدة: «والله أنا نفسي وأتمنى أتغير».

وكانت آخر مكالمة هاتفية له مع “المحررة” قبل مقتل «صدام حسين»، قال خلالها إنه ينوي تسليم نفسه للقضاء في القضايا التي ارتبط اسمه بها، لكنه لن يقبل أن يحمل مسؤولية اتهامات أخرى لم يرتكبها، أو أن «يدفع ثمن أفعال غيره».

وانقطع التواصل عام 2020، بعد اتهامه في قضية قتل، وهو ما نفاه، مؤكدًا، بحسب روايته، استعداده لمواجهة التحقيق والمحاكمة في أي وقائع أخرى يعترف بها، مثل قضايا الاتجار بالمخدرات أو غيرها.

مقتل الميرغني تُعيد فتح القضية مجددًا

بعد سنوات من مقتل صدام حسين، أعاد حادث مقتل فتحي الميرغني اسم قرية الضما إلى الواجهة لتتجدد الأسئلة حول طبيعة النزاعات والعلاقات الاجتماعية داخل المنطقة، يظل الأرشيف، ووثائق التحقيق، والأحكام القضائية، والبيانات الرسمية، أساس الإستناد.

أرشيف الضما 2021–2026.. بين النزاعات المحلية وحملات ضبط السلاح

تتبعت «ليبرالي» أرشيف الصحف المنشور عن حوادث قرية الضما خلال الفترة من عام 2020 وحتى عام 2026، إذ كشفت الوقائع المنشورة خلال السنوات الأخيرة عن تداخل عدة عوامل، من بينها نزاعات عائلية، وانتشار أسلحة غير مرخصة، وخلافات اجتماعية واقتصادية، بينما تظل التحقيقات القضائية هي الفيصل في تحديد المسؤوليات.

وفي عام 2021، ظهرت بعض الوقائع الأمنية في نطاق مركز كوم أمبو، ارتبط بعضها بإطلاق النار وضبط عناصر متهمة في قضايا تتعلق بالسلاح والمخدرات، في إطار جهود أمنية لملاحقة المطلوبين والتعامل مع ما وصفته التقارير بالبؤر الإجرامية.

أما عام 2022، فشهدت الضما حملات أمنية استهدفت ضبط عناصر مرتبطة بحيازة أسلحة ومواد مخدرة، حيث أعلنت الأجهزة الأمنية ضبط أسلحة وذخائر خلال مداهمات، كما شهدت إحدى الحملات إصابة ضابط شرطة أثناء التعامل مع عناصر مسلحة، وهو ما أعاد تسليط الضوء على تحديات مواجهة حيازة السلاح خارج الإطار القانوني في بعض المناطق.

وفي عام 2023، تصاعد حضور القرية في الأخبار الأمنية، إذ شهدت مشاجرات مسلحة بين عائلات، استخدمت خلالها أسلحة نارية، وسط تدخل الأجهزة الأمنية لاحتواء الموقف وضبط المتورطين، كما ارتبطت بعض الوقائع بخلافات قديمة وخصومات عائلية، وفق ما نشرته تقارير صحفية في ذلك الوقت.

وفي عام 2025، ظهرت واقعة مرتبطة بأبناء الضما خارج نطاق القرية، إذ أفادت تقارير صحفية بمقتل أربعة شباب من قرية الضما خلال تبادل لإطلاق النار بين منقبين عن الذهب في منطقة جبلية بين إدفو ومرسى علم، وأشارت التحقيقات الأولية، وفق ما نشر آنذاك، إلى أن الواقعة جاءت في سياق خلاف بين منقبين حول توزيع كميات من الذهب.

وفي عام 2026، شهدت المنطقة عددًا من الوقائع التي أعادت اسم الضما إلى دائرة الضوء؛ ففي شهر مارس، قُتل الشاب مصطفى محمد معوض، 21 عامًا، إثر إصابته بطلق ناري داخل القرية.

وفي شهر يوليو، عُثر على جثة الشاب محمد عبد المعطي، 30 عامًا، من محافظة الأقصر، داخل نطاق الضما، حيث أفادت التحقيقات الأولية المنشورة بإصابته بعدة طلقات نارية.

ثم جاء حادث مقتل فتحي الميرغني، عم الفنان حمدي الميرغني، إثر إصابته بطلق ناري بجوار كوبري الضما، وهي الواقعة التي فتحت مجددًا النقاش حول طبيعة النزاعات المحلية وتشابك عوامل مثل الخلافات العائلية والثأر والنزاعات على الأراضي والميراث، إلى جانب ملف السلاح.

هل كانت المشكلة مرتبطة بشخص واحد؟

بعد مقتل صدام حسين، بقي السؤال الأهم: هل كانت المشكلة مرتبطة بشخص واحد، أم أن الظاهرة أوسع من الأفراد؟

فالحوادث التي ظهرت لاحقًا تشير إلى أن السلاح والنزاعات الاجتماعية لا تنتهي بالضرورة برحيل شخصية بعينها، وإنما تحتاج إلى معالجة جذور اجتماعية وأمنية واقتصادية، إلى جانب تطبيق القانون ومواجهة أسباب النزاعات.

في الضما، لا تبدو الحكاية مجرد قصة رجل حمل اسمًا مثيرًا للجدل، ولا مجرد سلسلة من الحوادث المتفرقة، بل نافذة على مجتمع تتداخل فيه الحياة والعادات والإرث والسلطة مع الواقع الأمني، وتتشابك فيه صورة «البطل الشعبي» مع صورة المتهم.

وبين الرواية التي يصنعها الناس، والوقائع التي تثبتها التحقيقات والأحكام القضائية، تبقى الحقيقة حاضرة بكل تفاصيلها، فيما تظل الضما حكاية مفتوحة على أسئلة أكبر من حادثة واحدة أو شخص واحد.

زر الذهاب إلى الأعلى