جوهر مفهوم مدنية الدولة
يختزل البعض مفهوم الدولة المدنية في ذلك الشق الشائع من التعريف الكلاسيكي، الذي يُعرِّفها سلبًا فقط، وهو أن الدولة المدنية: ليست دولة دينية (ثيوقراطية): لا تستند إلى حكم رجال دين يدعون احتكار التحدث باسم الله، أو تطبيق شريعة مقدسة بفهم بشري مطلق، ولا تستمد شرعيتها من النصوص الدينية مباشرة.
ليست دولة عسكرية: لا تُدار بواسطة المؤسسة العسكرية أو الأجهزة الأمنية، ولا تُخضع الحياة العامة والقرار السياسي لسلطة السلاح أو العسكر.
إن تعمد التركيز على ذلك الشق في جانبه السلبي ليس من قبيل الصدفة؛ لأنه من حيث الشكل -ومن حيث الشكل فقط- يعني لدى الكثيرين أن الدولة المصرية، بنظامها الذي تأسس بعد نجاح حركة الضباط الأحرار في يوليو 1952 واستقرار نظام الحكم الجمهوري وانتخاب أول رئيس بنظام الاستفتاء الشعبي على المرشح الأوحد في ذلك الوقت (الرئيس جمال عبد الناصر عام 1956)، يُعد نظاما مدنيا، وأن الدولة منذ ذلك الحين وحتى الآن هي دولة مدنية. فهل هذا دقيق؟.
إن الوقوف على مدى دقة ذلك التوصيف لطبيعة الدولة المصرية من عدمه يتطلب أمرين:
الأمر الأول: استكمال الشق الغائب عن التعريف السلبي المتداول، وهو:
أنها ليست دولة استبدادية أو شمولية، لا تحتكر فيها السلطة بيد فرد أو حزب واحد يلغي التعددية السياسية والفكرية، ليست دولة لادينية أو معادية للدين (لادينية متطرفة): وهو ما يعني عدم إقصاء الدين بالكامل من المجال العام أو محاربته، بل تقف الدولة على مسافة واحدة من جميع الأديان والمواطنين.
الأمر الثاني والأهم: هو استكمال التعريف الكلاسيكي بإضافة الشق “الإيجابي”؛ حيث تُعرَّف الدولة المدنية إيجابياً بأنها تلك الدولة التي تقوم على الركائز والأعمدة التي تمثل المقومات الأساسية لمدنية الدولة وهي: المرجعية الدستورية والقانونية الوضعية: تقوم على أساس دستور وقوانين وضعية توافقية، تصاغ عبر مؤسسات تشريعية منتخبة تعبر عن إرادة الشعب ومصالحه وتحفظ حقوق الجميع.
السيادة للشعب: يُعد الشعب مصدر السلطات وصاحب القرار الأساسي، ويمارس هذه السيادة من خلال الآليات الديمقراطية كالانتخابات والاستفتاءات، لا من خلال تفويض إلهي أو فردي مطلق.
سيادة القانون: خضوع جميع الأفراد والمؤسسات، بلا استثناء، لسلطة القانون ودون تمييز، مع ضمان المساواة التامة أمام القضاء.
فصل السلطات: استقلال السلطات الثلاث (التنفيذية، التشريعية، والقضائية) وتوازنها لمنع استئثار جهة واحدة بالحكم وضمان الرقابة المتبادلة.
المواطنة المتساوية: قيام العلاقة بين الفرد والدولة على أساس الحقوق والواجبات بغض النظر عن الدين، أو العرق، أو الجنس، أو اللون، فلا توجد درجات للمواطنة.
حماية الحريات العامة والحقوق الأساسية: كفالة حرية الرأي، والتعبير، والتفكير، والاعتقاد، وحق التظاهر السلمي، وتأسيس الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني.
الحياد الإيجابي للدولة تجاه الأديان: لا تتبنى الدولة دينا رسميا تفرضه على مواطنيها، ولا تتحول إلى سلطة دينية، وفي الوقت نفسه تحترم الأديان وتكفل حرية ممارسة الشعائر الدينية للجميع.
إدارة الشأن العام بكفاءة مدنية: تعتمد في إدارتها وتسيير مؤسساتها على الكفاءة، والتخصص، والخبرة المدنية والمؤسسية، بعيداً عن أي هيمنة دينية أو عسكرية مباشرة على السياسة.
هذا، وتهدف هذه المقومات بمجموعها إلى تحقيق العدالة الاجتماعية، وصيانة الكرامة الإنسانية، وتحقيق التنمية المستدامة القائمة على الكفاءة وتكافؤ الفرص.
باختصار: الدولة المدنية بالإيجاب هي نظام حكم ديمقراطي يستند إلى سيادة القانون، والمواطنة المتساوية، والمؤسسات المنتخبة، وفصل السلطات، مع ضمان الحريات العامة وحرية الاعتقاد للجميع.
إن إنفاذ مفهوم الدولة المدنية في مصر يتطلب الانتقال من “مدنية الشكل” إلى “مدنية الجوهر”، وذلك عبر تفعيل جميع الشروط السابقة دون نقصان.



