مقالات

من يدفع ثمن الأزمة؟

حين يطرح رئيس الوزراء مصطفى مدبولي سيناريوهات التعامل مع وصول سعر برميل النفط إلى 110 دولارات بدلًا من 75 دولارًا المقدرة في الموازنة، تبدو الخيارات واضحة، المواطن يتحمل الزيادة، أو الحكومة تقترض، أو تقلل إمدادات الوقود بما قد يعيد تخفيف الأحمال.

لكن ما يستحق التوقف ليس الخيارات الثلاثة وحدها، بل السؤال الذي لم يسبقها. كيف وصلنا إلى هذه اللحظة، ولماذا يبدو المواطن حاضرًا في كل مرة بوصفه أحد الحلول الجاهزة؟

لا أحد يطالب الحكومة بمنع الأزمات العالمية، ولا يمكن تجاهل أثر ارتفاع أسعار الطاقة على الموازنة. لكن ثمة فارقًا بين أن تواجه الدولة أزمة لا تملك منعها، وأن تجد نفسها مكشوفة أمامها بسبب اختلالات لم تُعالج بالقدر الكافي.

وهنا تكتسب أطروحات حزب العدل بشأن أزمة الطاقة أهميتها. ففي استجوابه البرلماني، ربط الحزب بين تراجع إنتاج الغاز المحلي، وزيادة فاتورة استيراد الوقود، والفجوة بين المستهدفات والنتائج. ووفقًا للأرقام التي أوردها، ارتفعت فاتورة واردات الوقود من نحو 12 مليار دولار في 2024 إلى قرابة 21 مليارًا في 2025.

هذه ليست مجرد أرقام في ملف فني؛ إنها تطرح سؤالًا سياسيًا عن تكلفة إدارة الموارد، وعن مدى استعداد الدولة لصدمات كان ينبغي أن تؤخذ في الحسبان. فحين يتراجع الإنتاج المحلي وتتسع الحاجة إلى الاستيراد، لا تصبح الدولة رهينة السعر العالمي وحده، بل أيضًا رهينة حجم احتياجاتها التي لا تستطيع تلبيتها محليًا.

المشكلة، إذن، ليست فقط في ارتفاع سعر النفط، بل في الثمن الذي يدفعه الاقتصاد عندما يكون أقل استعدادًا لمواجهته.

واللافت أن النقاش الحكومي يبدأ من كيفية تدبير الفاتورة بعد ارتفاعها، بينما يفتح طرح حزب العدل بابًا آخر. لماذا اتسعت الفاتورة أصلًا؟ وما الذي جرى في ملف الإنتاج والتخطيط والاستعداد؟ وهل تُحاسَب السياسات على النتائج التي حققتها، أم على المستهدفات التي أعلنتها؟

ثم تأتي مسألة توزيع التكلفة. ففي بيانه الرافض لزيادة أسعار المحروقات، طرح حزب العدل مراجعة تسعير الطاقة للصناعات كثيفة الربحية والاستهلاك، إلى جانب إعادة النظر في شرائح تعريفة الكهرباء الأعلى استهلاكًا. وبصرف النظر عن تفاصيل تطبيق هذه المقترحات، فإنها تضع أمامنا سؤالًا لا ينبغي تجاوزه، لماذا يبدأ البحث عن تمويل الأزمة غالبًا من جيب المواطن، قبل أن تُناقش البدائل وكيفية توزيع الأعباء بين المستهلكين والقطاعات الاقتصادية المختلفة؟

ليس معنى ذلك أن الاقتراض بلا تكلفة، أو أن تحميل الصناعة أعباء إضافية لا ينعكس على الأسعار والإنتاج. لكن العدالة تقتضي مقارنة البدائل، لا التعامل مع زيادة ما يدفعه المواطن باعتبارها الخيار الطبيعي كلما ضاقت الخيارات الأخرى.

وهنا نصل إلى جوهر المسألة، طريقة تعريف الأزمة تحدد الحلول التي نفكر فيها. فإذا عُرّفت باعتبارها فجوة مالية سببها ارتفاع سعر النفط، فستكون الحلول الأقرب هي زيادة الأسعار أو الاقتراض أو تقليل الإمدادات. أما إذا نُظر إليها باعتبارها أيضًا أزمة استعداد وإنتاج وتخطيط وتوزيع للأعباء، فإن دائرة الحلول تتسع، وتصبح السياسات نفسها موضعًا للمراجعة.

ولا يكفي أن تنجح الحكومة في تجاوز الأزمة الحالية. فالتعامل مع الصدمة بعد وقوعها ضرورة، لكن التعلم منها مسؤولية أخرى. وإذا كانت الدولة قد اضطرت إلى مواجهة ضغوط الطاقة مرارًا، فإن السؤال لم يعد فقط كيف ستدبر تكلفة المرة الحالية، بل ما الذي تغير في سياساتها حتى لا تجد نفسها أمام الخيارات ذاتها في المرة المقبلة؟

الحكومة ليست مسؤولة عن سعر النفط العالمي، لكنها مسؤولة عن استعداد الاقتصاد لتقلباته، وعن كفاءة إدارة موارده، وعن عدالة توزيع الأعباء حين تقع الأزمة.

أما المواطن، فلا ينبغي أن يكون هو المتغير الأسهل في كل معادلة، ولا أن ينتهي النقاش عند تحديد مقدار ما سيتحمله.

السؤال الحقيقي ليس من سيدفع فاتورة ارتفاع النفط فحسب، بل لماذا تتكرر الفاتورة، ومن المسؤول عن تقليل احتمالات تكرارها؟

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى