من مقعد خاوٍ إلى تريند عربي.. حكاية دموع الكاتب الجزائري حامد ياسين
لم يكن الكاتب الجزائري حامد ياسين ينتظر جمهورًا يملأ القاعة بقدر ما كان يتطلع إلى مشاركة لحظة طالما حلم بها؛ يجلس أمام كتابه «الصحراء عاصمة الضباب»، ويوقع نسخه، ويتحدث مع القراء عن أفكار أمضى وقتًا في صياغتها.
لكن الموعد الذي كان يفترض أن يكون احتفالًا بعمله الأدبي انتهى بمشهد مغاير، بعدما وجد القاعة شبه خالية، ولم يكن إلى جواره سوى صديق واحد جاء لمساندته، وفي لحظة غلبته فيها الدموع، وثقت الكاميرا مدى تأثره، قبل أن ينتشر المقطع على نطاق واسع عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
في مدينة بئر العاتر بولاية تبسة شرقي الجزائر، تحولت هذه اللحظة الشخصية المؤلمة إلى قضية أثارت تعاطف كتاب ومثقفين وقراء في أنحاء مختلفة من العالم العربي، ولم يعد المشهد مجرد حكاية كاتب بكى بسبب غياب الحضور، بل صورة مكثفة للفارق بين ما كان ينتظره من لقاء مع القراء وما وجده أمامه.
وبينما عرّف مقطع الفيديو جمهورًا واسعًا باسم حامد ياسين، فإن تجربته الأدبية سبقت هذه الواقعة، ولم تبدأ معها، وهنا برزت المفارقة؛ إذ غاب الجمهور عن موعد توقيع كتابه، بينما وصل مشهد بكائه إلى جمهور لم يكن كثيرون من أفراده يعرفونه من قبل.
لكن وراء التعاطف الذي أثاره المقطع تساؤلات أوسع بشأن واقع القراءة، والإقبال على الفعاليات الثقافية، وقدرة الكتاب على الوصول إلى جمهورهم، خاصة أن غياب الحضور عن فعالية واحدة لا يكفي وحده للحكم على المشهد الثقافي بأكمله.
حسين حمودة: تجربة مؤلمة لا تختصر واقع الثقافة
يرى الناقد الدكتور حسين حمودة، في تصريح خاص لـ«ليبرالي»، أن تجربة الكاتب الجزائري مؤلمة، لكنها لا تعبر بالضرورة عن وضع الثقافة أو الإقبال على القراءة والمشاركة في الفعاليات الثقافية بصورة عامة.
وأوضح حمودة أن تراجع أعداد الحضور في بعض الندوات أمر يمكن ملاحظته، لكنه يختلف من سياق إلى آخر، تبعًا لمدى اهتمام القراء بالكاتب أو العمل المطروح، وطبيعة الفعالية نفسها.
وفي المقابل، أشار إلى وجود أسماء أدبية جزائرية تستقطب أعدادًا كبيرة من الحضور والمشاركين في ندواتها، من بينها واسيني الأعرج وأحلام مستغانمي، وبحسب حمودة، يمكن النظر إلى واقعة حامد ياسين بوصفها مؤشرًا على تراجع الاهتمام ببعض الكتابات، لكنها لا تمثل دليلًا كافيًا على تراجع الثقافة بأكملها أو انصراف الجمهور عن القراءة بصورة مطلقة.

ولفت الناقد إلى أن طرق الوصول إلى المعرفة تغيرت، وأصبح المهتمون بالثقافة قادرين على الاطلاع على المحتوى عبر وسائل أكثر سهولة، من بينها مقاطع الفيديو والمنصات الرقمية، وهو ما يستدعي التمييز بين تراجع الحضور إلى الندوات وتراجع القراءة نفسها، باعتبارهما مسألتين مختلفتين لا يمكن التعامل معهما بوصفهما ظاهرة واحدة.
كما أشار إلى أن معدلات القراءة في الواقع العربي لا تتوافر دائمًا بشأنها أرقام دقيقة تسمح بإصدار أحكام قاطعة، وإن كان من الممكن ملاحظة أن الإقبال على القراءة لم يعد كما كان في فترات سابقة.
ومن ثم، أكد حمودة أن فهم ما تعرض له الكاتب يتطلب النظر إلى طبيعة الجمهور ووسائل تلقي المعرفة، بدلًا من الاكتفاء بمشهد واحد لإصدار حكم شامل على واقع الثقافة.
يوسف القعيد: واقعة مؤسفة وخطأ في حق الكاتب
من جانبه، وصف الكاتب الكبير يوسف القعيد، في حديث خاص لـ«ليبرالي»، ما حدث مع الكاتب الجزائري بأنه واقعة مؤسفة وخطأ في حقه، معتبرًا أن ما تعرض له حامد ياسين يستدعي اعتذارًا جماعيًا له عن التجربة القاسية التي مر بها.
وفي الوقت نفسه، تحفظ القعيد على إصدار حكم عام بشأن واقع القراءة استنادًا إلى هذه الواقعة وحدها، رغم إشارته إلى وجود تراجع في الاهتمام بها.
وشدد على أهمية توجيه الشباب إلى الكتب وتشجيعهم على القراءة، بدلًا من الاكتفاء برصد تراجع الاهتمام أو التعامل معه باعتباره أمرًا لا يمكن تغييره.

كما لفت إلى أن المشهد الثقافي لا يقتصر على أسماء كبيرة صنعت مكانتها عبر عقود، بل يضم كتابًا وشعراء شبابًا يستحقون المتابعة والاهتمام.
وأكد أن مسؤولية الثقافة لا تتمثل في رثاء الماضي، وإنما في إتاحة الفرصة أمام الأجيال الجديدة كي تقرأ وتكتب، وتجد جمهورًا يتفاعل مع إبداعاتها.
حامد ياسين.. مسيرة أدبية سبقت لحظة الانتشار
ينتمي الكاتب الجزائري حامد ياسين إلى ولاية تبسة شرقي الجزائر، وقدم عددًا من الأعمال الروائية، من بينها «سفيرة من الريف»، التي تتناول دور المرأة الريفية خلال ثورة التحرير الجزائرية، و«أبناء القمر»، التي ترصد تحولات المجتمع الجزائري عبر مراحل زمنية مختلفة.
ولم تقتصر تجربة «أبناء القمر» على تلقي القراء، إذ خضعت الرواية لدراسة نقدية أكاديمية نُشرت عام 2022، بما يشير إلى وجود مسار أدبي سابق للحظة التي عرفه فيها جمهور أوسع عبر مواقع التواصل الاجتماعي.






