
من سيئة السمعة إلى حذف المضبطة.. جدل برلماني يكشف صراع التشريع وحرية التعبير
أثار وصف النائب محمد عبد العليم داود، رئيس الهيئة البرلمانية لحزب الوفد، لمشروع قانون حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية بأنه أحد القوانين سيئة السمعة، حالة من الجدل تحت قبة البرلمان، دفعت المستشار هشام بدوي، رئيس مجلس النواب، إلى التأكيد على أن المجالس النيابية في مصر لم تُصدر يومًا قوانين بهذا الوصف، مع توجيهه بحذف العبارة من مضبطة الجلسة.
ويعيد هذا الجدل تسليط الضوء على مصطلح مثل “القوانين سيئة السمعة” و”ترزية القوانين”، والذي برز حضوره في الخطاب السياسي والقانوني منذ عهد الرئيس السادات، واتسع استخدامه خلال فترة حكم مبارك، رغم أن جذوره تمتد إلى تاريخ أقدم في التجربة التشريعية المصرية. وفي هذا التقرير، نرصد أبرز ملامح هذا المصطلح، ونستعرض آراء عدد من الشخصيات العامة التي تناولته في سياقات مختلفة.
إثارة الجدل
وقال النائب محمد عبد العليم داود في كلمته إن “تأتي متأخرا أفضل من ألا تأتي، هذا القانون يعتبر رافدا من روافد الاستثمار وحماية لعدالة التنافس، ونحن في حزب الوفد إذا كنا نثمن هذا القانون لكن هناك استثناءات وهناك فتح المجال في المادة 7 للعودة ونسف القانون من مضمون عدالة التنافسية”.
وتابع: لن يأتي إليك مستثمر من الخارج إلا في وجود ثلاثة أمور ، عدالة التنافس والحريات والبنية التحتية، والمستثمر في الخارج قبل ما يسأل عن البنية التحتية يسأل عن التشريعات في البلد وعن القوانين سيئة السمعة، ولا يأتي إلا إذا كان هناك مناخ آمن للاستثمار، ولن يستمر المستثمر إلا إذا وجد أمان وعدالة تنافسية.
أبحاث قانونية

في عام 2015، كتب الدكتور عادل عامر، أستاذ القانون العام والاقتصاد الدولي وعضو المجلس الرئاسي للشؤون القانونية والاقتصادية بالاتحاد الدولي، مقالًا بعنوان ما هي القوانين سيئة السمعة في مصر؟ استعرض خلاله عددًا من التشريعات التي أثارت جدلًا واسعًا، من بينها مشروع قانون الجمعيات الأهلية، وما يُعرف بـقوانين سوزان التي تشمل الخلع وسن الزواج والسفر والكشف الطبي، إلى جانب قانون الطفل رقم 162 لسنة 2008، وبعض تعديلات قانون الأحوال الشخصية، فضلًا عن قانون الوصية الواجبة.
ترزية القوانين

وأوضح وزير الثقافة السابق والمؤرخ دكتور عماد أبوغازي، في أحد مقالاته التي تناول فيها حكاية القوانين سيئة السمعة وترزية القوانين، أن هذا النمط من التشريعات ليس وليد اللحظة، بل عرفته مصر عبر تاريخها الحديث، مع بروز المصطلح في عهد السادات واتساع استخدامه خلال فترة مبارك.
ويُصنف أبوغازي عددًا من القوانين والتشريعات ضمن هذا الإطار، في مقدمتها قانون المطبوعات الصادر عام 1881، وقانون النفي الإداري لعام 1909، وتعديل إحالة قضايا الصحافة إلى محاكم الجنايات عام 1910، إلى جانب تعديلات قانون العقوبات المرتبطة بالاتفاق الجنائي وتجريم التهديد وتوسيع مسؤولية الصحف، فضلًا عن لائحة المسارح، وكذلك القوانين الاستثنائية ومحاكم الطوارئ بشكل عام، باعتبارها نماذج لتشريعات قيّدت الحريات وعززت من سلطات الدولة على حساب الحقوق العامة.
انتقادات حقوقية

ووصف الصحفي والإعلامي الراحل حازم منير، في إحدى تصريحاته عام 2017 إن قانون الجمعيات الأهلية، يندرج ضمن القوانين سيئة السمعة، ولا سيما أنه لا يتضمن كلمة حقوق الإنسان، وكذلك قانون المجلس القومي لحقوق الإنسان، في أي نص من نصوصهما.
وأشار الصحفي الراحل في تصريح سابق له إلى أن القانون فٌصل لتقييد المنظمات التي تتلقى تمويلا أجنبيا، وهى في الأساس غير مشهرة وفقا لقانون الجمعيات، ولكن هى تعمل على اعتبارها شركات ومكاتب محاماة، مؤكدا أنه سيلتزم بالقانون رغم رفضه له لحين تعديله.
توصيفات حقوقية
وتجدر الإشارة إلى أن العديد من المنظمات الحقوقية، ومن بينها منظمة العفو الدولية ومركز النديم، تستخدم توصيفات مشابهة مثل “قوانين تقييدية” أو “سيئة السمعة” عند تناولها لتشريعات تتعلق بالجمعيات الأهلية، وتنظيم التظاهر، ومكافحة الإرهاب.
شيطنة المعارضة

من جانبه، علّق النائب محمد عبد العليم داود، رئيس الهيئة البرلمانية لحزب الوفد، على الجدل المثار بشأن وصفه لبعض التشريعات بـ”القوانين سيئة السمعة”، مؤكدًا أن حديثه جاء في إطار التحذير من أي نصوص قد تؤثر في مناخ الاستثمار، وليس توجيه اتهام للمجلس، موضحًا أن المستثمر الأجنبي يولي اهتمامًا كبيرًا بطبيعة التشريعات في أي دولة قبل ضخ استثماراته.
واستكمل قائلًا: لم أقصد الهجوم على المجلس أو اتهامه، وهم الذين صنعوا الأزمة وأثاروا الموضوع وحولوه إلى اتجاه آخر، وهذا يدل على سوء النية للمتربصين بالمعارضة، حيث نصبوا من أنفسهم وكأنهم، والعياذ بالله، يعلمون ببواطن الأمور وما تخفيه الصدور، كما أن رد وكيل المجلس عليّ عندما قال حرفيًا: “أنا أعتقد أن الزميل محمد عبدالعليم داوود يلمح بأن هذا المجلس يصدر قوانين سيئة السمعة”، فإن قوله في حاجة إلى دراسة من أساتذة وعلوم الاجتماع، لأنه قد نصب من نفسه أنه عالم ببواطن الأمور، ولو كان هناك قانون سيء السمعة خرج من هذا المجلس الذي لم يمضِ عليه سوى ثلاثة أشهر، فأنا أمتلك من الجرأة وقول الحق أن أحدد أي قانون بذلك، وأقولها صراحة دون تلاعب ألفاظ، ويبدو أن البعض يريد ويصر على أن يشيطن المعارضة الوطنية.
وأشار إلى أنه لا يرفض القوانين بشكل مطلق، موضحًا أنه وافق على بعض القوانين ورفض أخرى، مؤكدًا أنه لا يحتكر الحقيقة الكاملة، وأن كل ما يطرحه يأتي في إطار التحذير لتفادي أي أخطاء قد تؤثر في صورة الدولة.
وتابع أنه كان من الضروري الاستناد إلى الأرقام، من خلال رصد عدد قضايا الاحتكار، وعدد الشركات التي خرجت من السوق، وأسباب ذلك، حتى يمكن تقييم الوضع بدقة، مؤكدًا أن الهدف في النهاية هو تحسين المناخ الاستثماري وجذب المستثمرين.
واختتم حديثه قائلًا إن البعض حاول تصوير الأمر وكأنه هجوم على المجلس أو تقليل من شأنه، وهو ما نفاه تمامًا، مؤكدًا أن هدفه هو تفادي الأخطاء والعمل على تحسين البيئة الاستثمارية بما يخدم المصلحة العامة.
تقييد النواب

وأعرب طارق العوضي المحامي بالنقض وعضو لجنة العفو الرئاسي، عن تعجبه عما جرى داخل مجلس النواب من حذف عبارة النائب محمد عبدالعليم داوود “قوانين سيئة السمعة”، معتبرًا أن هذا الإجراء لا يستدعي ذلك، وأن حذف العبارة ورفضها غير مبرر في سياق النقاش البرلماني.
أوضح “العوضي” في تصريحات خاصة لـ”ليبرالي”، أن مصطلح “قوانين سيئة السمعة هو مصطلح تاريخي شائع ومستخدم على نطاق واسع، ويُعد مصطلحًا سياسيًا يُستعمل في الخطاب العام والقانوني، مشيرًا إلى أن هذا الوصف استُخدم في أكثر من سياق.
وأضاف أن هذا التعبير استُخدم مع عدة قوانين، مثل قانون الطوارئ، وقوانين الاشتباه والتشرد، وقوانين الحبس الاحتياطي المطلق، والإعلان الدستوري الذي أصدره الرئيس الأسبق محمد مرسي، وكذلك قوانين انتخابات البرلمان التي أُجريت في عهد الإخوان، والتي وُصفت بأنها قوانين سيئة السمعة، مؤكدًا أن هذا المصطلح استُخدم على نطاق واسع في توصيف عدد من التشريعات.
وتابع أن من بين القوانين التي يُشار إليها بهذا الوصف أيضًا قانون التجمهر الصادر عام 1914، خلال فترة الاحتلال البريطاني أثناء الحرب العالمية الأولى، لمنع أي تجمعات في مصر، لافتًا إلى أنه لا يزال يُستخدم كمثال في المحاكم والمؤتمرات باعتباره من القوانين سيئة السمعة.
وشدد العوضي على أنه لا يوجد أي مبرر لحذف هذا التعبير أو تقييده داخل البرلمان، معلقًا: «ألاحظ أن هناك سلطة أبوية تُمارس على النواب، وكأنهم قاصرون، ولا بد من توجيههم ماذا يقولون وماذا لا يقولون، في حين أن الشعب منحهم الحصانة ليعبروا بحرية عن آرائهم واتجاهاتهم السياسية والحزبية، وعمن يمثلونهم من الجماهير»، متسائلًا: «إذا كنا سنمنعهم من التعبير، فلماذا لا نكتب لهم ما يقولون، أو نلغي فكرة النائب من الأساس.
وأوضح أنه لا يوجد نموذج للأعراف البرلمانية يحدد ما يقوله النائب أو طريقة تعبيره عن رأيه، مشيرًا إلى تجارب دولية، قائلًا إن ما يحدث يختلف عن نماذج أخرى، مثل ما جرى مع رئيسة وزراء إيطاليا، حينما قال لها أحد النواب إنها مرتبكة وتشعر بالخجل ولا تمتلك الشجاعة، متسائلًا عن رد الفعل في مثل هذه الحالات.
واختتم بأن مثل هذه الإجراءات قد تؤثر على الدور الرقابي داخل البرلمان، وتؤدي إلى خلق حالة من الخوف والإرهاب لدى النواب، بما يجعلهم حذرين في كل كلمة يقولونها، وهو ما قد ينعكس على أداء برلمان حذر وخائف ومتوتر وغير معبر عن آمال وطموحات الشعب المصري.
متى نقول قوانين سيئة السمعة؟

قال المستشار القانوني مؤمن العقيلي إن مصطلح القوانين سيئة السمعة متداول رغم اعتراضه عليه قانونيًا، موضحًا أن أي قانون لا يُعد نافذًا إلا بعد نشره في الجريدة الرسمية، وما قبل ذلك يظل مشروع قانون يمر بمراحله الدستورية داخل البرلمان ومجلس الدولة.
وأوضح في تصريحات خاصة لـ”ليبرالي” أن القانون، بمجرد صدوره ونشره، يصبح واجب التطبيق ويتمتع بالقوة الإلزامية، غير أن بعض القوانين قد تُظهر التجربة العملية عند تطبيقها على أرض الواقع عيوبًا أو مشكلات أو قصورًا تشريعيًا لم يكن ظاهرًا أثناء إقرارها، وهو ما يكشف عن وجود خلل يستدعي المعالجة.
وأشار إلى أنه في حال ظهور هذه الإشكاليات، يتم اللجوء إلى الأدوات القانونية المتاحة، سواء من خلال المطالبة بتعديل القانون تشريعيًا، أو الطعن عليه بعدم الدستورية أمام المحكمة الدستورية العليا، التي تفصل بدورها في مدى دستورية النصوص محل الطعن، وما إذا كان القانون أو بعض مواده دستوريًا أو غير دستوري، وفي حال الحكم بعدم الدستورية يعاد النظر في القانون وإعادته للسلطة التشريعية لإعادة صياغته وفقًا للحكم القضائي.
وأضاف أن بعض القوانين، مثل بعض مواد قانون الإيجار القديم، أفرز تطبيقها العملي مشكلات واسعة على أرض الواقع، وهو ما فتح باب الطعن عليها أو المطالبة بتعديلها لمواجهة هذه الإشكاليات.
وأكد العقيلي أن استخدام وصف قانون سيئ السمعة ليس توصيفًا قانونيًا دقيقًا، وإنما تعبير متداول يُقصد به الإشارة إلى القوانين التي تكشف الممارسة العملية عن وجود عيوب جوهرية بها بعد تطبيقها، مشددًا على أن المعيار الحقيقي لتقييم أي قانون هو مدى فاعليته وقدرته على تحقيق أهدافه واستقراره عند التطبيق، وليس عند صدوره فقط.

رغم أن مصطلح القوانين سيئة السمعة يُعد متداولًا في الخطاب القانوني والحقوقي، ويستخدمه عدد من الأكاديميين والمنظمات الحقوقية في توصيف بعض التشريعات المثيرة للجدل، يظل التساؤل مطروحًا: لماذا أثار هذا المصطلح تحديدًا حالة من الغضب والاعتراض داخل مجلس النواب؟







