أعمال قليلة وتأثير ضخم.. ثلاثة مخرجين أصحاب علامات خاصة في تاريخ السينما المصرية

في عام 1996، لم يكن إعلان مهرجان القاهرة السينمائي الدولي لقائمة أفضل مائة فيلم في تاريخ السينما المصرية مجرد احتفاء أرشيفي بأهم الأعمال، بل شكل لحظة مراجعة نقدية شاملة لمسار الفن السابع في مصر، فلم تُقرأ القائمة باعتبارها ترتيبًا للأفلام، بل كخريطة تكشف مراكز التأثير الحقيقية في هذا التاريخ، وتعيد توزيع القيمة بعيدًا عن منطق السوق والنجومية.

ومن أبرز ما أبرزته هذه القائمة تلك المفارقة اللافتة أن بعض أكثر المخرجين تأثيرًا لم يكونوا الأكثر إنتاجًا، بل كانوا الأقل عددًا، والأكثر كثافة وجرأة في التجربة، وفي هذا الإطار برزت أسماء مثل توفيق صالح، وشادي عبد السلام، وداود عبد السيد، ليس فقط كمخرجين مميزين، بل كنماذج مختلفة لما يمكن أن تكون عليه السينما عندما تتحرر من منطق الصناعة وتقترب من منطق الرؤية.

توفيق صالح.. مواجهة الواقع بعدسة لا تعرف المجاملة
لا يمكن فصل تجربة توفيق صالح عن السياق السياسي والاجتماعي الذي تشكلت فيه، فهو ليس مجرد مخرج واقعي، بل صاحب مشروع اشتبك مع الواقع باعتباره أزمة تحتاج إلى تفكيك، ورغم أن رصيده لا يتجاوز خمسة أفلام روائية طويلة، فإن أربعة منها دخلت قائمة الأفضل، وهي نسبة استثنائية في تاريخ السينما المصرية، وهذا الحضور الكثيف يعكس مخرجًا لم يكن يستهلك أدواته، بل يوظفها بدقة شديدة، كأنه يكتب بيانًا فكريًا لا مجرد فيلم.

وبعد هزيمة 1967، دخلت السينما المصرية مرحلة مختلفة، حيث جاءت أفلام توفيق صالح كنوع من المواجهة الفكرية أكثر من كونها انعكاسًا دراميًا للواقع، ففي فيلم “المتمردون” يظهر الأمل كفعل مقاومة لا كحالة وجدانية، وفي “يوميات نائب في الأرياف” يقدم قراءة قاسية لبنية الدولة، حيث تتحول العدالة إلى إجراء شكلي، ويتحول الإنسان إلى رقم داخل منظومة بيروقراطية جامدة، أما في “السيد البلطي”، فيتخذ التمرد بعدًا فلسفيًا، ويصبح الصراع مع الواقع أقرب إلى مواجهة مع العبث ذاته.

ولم يكن توفيق صالح محصورًا في الجغرافيا المصرية، ففي فيلم “المخدوعون”، المأخوذ عن نص لغسان كنفاني، قدم معالجة سينمائية قوية للقضية الفلسطينية، بلغة بصرية حادة وخالية من الخطابة، وهذا الامتداد لم يكن مجرد تعاون إنتاجي، بل امتداد طبيعي لرؤيته الفكرية، ورغم هذا الثقل الفني، لم يحظ حضوره الجماهيري بالامتداد نفسه، ولا يعود ذلك فقط إلى صعوبة أعماله، بل إلى طبيعة السينما التي يقدمها، والتي تتطلب مشاهدًا مشاركًا في التأويل لا متلقيًا سلبيًا.

شادي عبد السلام.. السينما كفن بصري خالص
إذا كان توفيق صالح قد انشغل بالواقع، فإن شادي عبد السلام انشغل بالزمن ذاته، فيلم واحد فقط، “المومياء”، كان كافيًا ليضعه في مكانة استثنائية في تاريخ السينما العالمية، ليس بوصفه فيلمًا ناجحًا فقط، بل كتجربة بصرية وفكرية أعادت تعريف علاقة السينما بالتاريخ.

ففي سينما شادي عبد السلام، لا تُروى القصة بالكلمات، بل تُبنى بالصورة. التكوين، والإضاءة، وحركة الكاميرا تتحول إلى لغة مستقلة، وقد استلهم رؤيته من الفن المصري القديم، ليس شكليًا فقط، بل فلسفيًا أيضًا الثبات، الصمت، والهيبة، فالمومياء ليس فيلمًا عن سرقة آثار، بل عن فقدان الذاكرة، عمل يطرح سؤالًا أعمق وهو ماذا يحدث لمجتمع ينقطع عن جذوره؟.

كان مشروعه عن إخناتون يمكن أن يفتح أفقًا جديدًا في السينما التاريخية المصرية، لكنه لم يرَ النور، ليبقى تجربة أقرب إلى “وعد فني غير مكتمل”، ما أضاف إليها طابعًا أسطوريًا خاصًا.

داود عبد السيد.. سينما الأسئلة المفتوحة
يمثل داود عبد السيد مرحلة مختلفة في تطور السينما المصرية، حيث لم تعد السينما مشغولة فقط بالواقع أو التاريخ، بل بالإنسان ذاته، ففي أفلامه، لا وجود لإجابات نهائية، الحكاية تصبح مجرد مدخل، بينما الهدف الحقيقي هو طرح السؤال، وفي “الكيت كات” يتحول العجز إلى رؤية بديلة، ويصبح الفشل شكلاً من أشكال الحرية، وفي “أرض الخوف” تتلاشى الحدود بين الخير والشر، ويصبح البطل ذاته سؤالا مفتوحًا.

كما أن شخصياته ليست مكتملة أو نمطية، بل كائنات تبحث عن معنى داخل عالم مضطرب، وهو ما يجعل أفلامه قريبة من المتلقي رغم عمقها الفلسفي، كما أن أعماله لا تُغلق عند المشاهدة الأولى، بل تظل قابلة لإعادة القراءة، حيث تكشف كل مشاهدة عن طبقة جديدة من المعنى.

وما تكشفه تجارب توفيق صالح وشادي عبد السلام وداود عبد السيد ليس مجرد نجاح فردي، بل منطقًا فنيًا واضحًا أن قيمة السينما لا تُقاس بعدد الأفلام، بل بقدرتها على إعادة تعريف معنى الفيلم نفسه، فالأول قدم سينما تفضح الواقع، والثاني قدم سينما تستعيد الذاكرة والهوية، والثالث قدم سينما تفتح الأسئلة على الإنسان والعالم، ثلاثة مسارات مختلفة، لكنها تلتقي عند فكرة واحدة أن الفن، حين يتحرر من منطق الكم، يصبح قادرًا على ترك أثر لا يزول.