مصطفى علوان

منذ أن تعرف العالم على أبطال الكوميكس القادرين على إنقاذ الكوكب، لم تقف المخيلة المصرية موقف المتفرج، بل أعادت صياغة مفهوم “السوبر هيرو” بما يتماشى مع روح الشارع وحكاياته اليومية، وهنا لا تأتي البطولة من كواكب بعيدة أو مختبرات سرية فحسب، بل قد تولد في حارة شعبية، أو من صدفة عابرة، ففي الدراما والسينما المصرية، تحول الإنسان البسيط إلى بطل خارق يحمل هموم الناس ويعكس تناقضات المجتمع، فصار السوبر هيرو أقرب إلى المواطن العادي منه إلى الأسطورة، وبين الكوميديا والفانتازيا، برزت نماذج متعددة جسدت هذا التحول، لتؤكد أن القوة الحقيقية ليست فقط في القدرات الخارقة، بل في القيم الإنسانية والإرادة التي تصنع من البسطاء أبطالا.

“الرجل العناب”حينما تمنح الصدفة البطولة للبسطاء
لم تغب الدراما التليفزيونية عن هذا المضمار، حيث وضعت بصمتها عبر مسلسل “الرجل العناب” ، إنتاج عام 2013، الذي جسد بطولته الفنان أحمد فهمي، فالعمل استعرض بأسلوب ساخر وفانتازي رحلة شاب من قلب “حارة شعبية”، عُرف بمحدودية قدراته الذهنية قبل أن تضعه الصدفة في اختبار القدر الخارق؛ فيتحول فجأة إلى بطل يمتلك قوى استثنائية وقدرة على التحليق في السماء.
ولم تكن الحبكة مجرد استعراض للقوة، بل كانت رحلة لإثبات الذات؛ حيث كافح البطل ليبرهن للجميع أنه يستحق تلك المكانة رغم بداياته المتواضعة، محولا نظرة السخرية المحيطة به إلى اعتراف بجدارته كبطل شعبي غير تقليدي.

“سوبر ميرو” أحلام “بنت الحارة” التي حلقت للعالمية
وفي عام 2019، تجددت تيمة البطولة الخارقة بنكهة نسائية عبر مسلسل “سوبر ميرو”، الذي جسدت فيه الفنانة إيمي سمير غانم شخصية “أميرة”، حيث استعرض المسلسل قصة فتاة من عمق الأحياء الشعبية، كانت تطارد حلمًا يبدو مستحيلاً بأن تصبح بطلة مخلصة للمستضعفين، حتى تتقاطع مساراتها مع المخترع “هدهد”.
وبفضل بدلة مبتكرة صممها لها “هدهد”، تحولت “أميرة” من فتاة بسيطة إلى “سوبر ميرو” البطلة التي لم تكتفِ بامتلاك قدرات خارقة فحسب، بل استطاعت أن تكسر حاجز المحلية لتنال شهرة عالمية واسعة العمل قدم معالجة درامية لافتة حول قدرة الإرادة المدعومة بلمسة تكنولوجية على تحويل ابنة الحي الشعبي إلى أيقونة للخير تتجاوز شهرتها الحدود.

“أرض النفاق” البطولة الخارقة بـ “مذاق الأخلاق”
وفي سياق الدراما الفانتازية، قدم الفنان محمد هنيدي في عام 2018 رؤية مغايرة للقدرات غير العادية عبر مسلسل أرض النفاق من خلال شخصية “مسعود”، ذلك الموظف المطحون الذي يعيش حياة رتيبة في حي شعبي، تنقلب الموازين حين يكتشف متجراً لبيع حبوب الأخلاق.
تمنح هذه الحبوب “مسعود” قدرات “خارقة” من نوع خاص؛ فمرة يمتلك شجاعة لا تهاب الموت، ومرة صراحة مطلقة تزلزل من حوله، وأخرى مروءة منقطعة النظير، المسلسل استعرض ببراعة كيف يمكن لـ “الخلق القويم” أن يصبح قوة خارقة في مجتمع اعتاد الزيف، وكيف حاول “مسعود” عبر تلك الجرعات الكيميائية أن يثبت استحقاقه لحياة أفضل، وسط مفارقات كوميدية سوداء ترصد صراعه بين واقعه المرير وطموحه في التغيير.

“تاج” يواجه صراع التوائم الخارقة
في قالب يمزج بين الكوميديا والفانتازيا، تدور أحداث فيلم “تاج” حول رحلة شاب يكتشف قدراته غير العادية في توقيت فارق من حياته، تبدأ القصة مع “تاج” الذي يقوم ببدوره الفنان تامر حسني، الشاب الذي عاش طفولته في دار للأيتام قبل أن يستقر به الحال معلمًا في إحدى المدارس الخاصة، حيث تقوده الأقدار للوقوع في حب “دينا الشربيني”، لتبدأ ملامح حياته في التغير الجذري.
لكن وتيرة الأحداث تتصاعد بشكل غير متوقع حين يصطدم تاج بحقيقة قدراته الفيزيائية التي تتجاوز قدرات البشر؛ حيث يكتشف بزوغ قوى خارقة لديه، تبدأ بالسرعة الفائقة والقوة البدنية الجبارة، وصولاً إلى ميزة التخفي، وفي اللحظة التي يقرر فيها تسخير هذه الهبات لخدمة المجتمع، تظهر المفاجأة الصادمة التي تقلب الموازين بظهور شقيقه التوأم هارون.
يضع الفيلم المشاهد أمام مواجهة حتمية بين أخوين يتشاركان “الجينات الخارقة” ويختلفان في “العقيدة الأخلاقية”؛ حيث يمثل “تاج” الجانب الخير والساعي لإرساء العدل، بينما يختار “هارون” توظيف قواه لتحقيق مكاسب شخصية وفرض هيمنته، هذا الصراع الأخوي يتحول إلى ملحمة من الأكشن والمطاردات، ليطرح تساؤلاً جوهرياً: هل تنتصر القيم الإنسانية عندما تتساوى القوة؟.

“العتبة جزاز” الصرخة الأولى لـ «السوبر هيرو» في السينما المصرية
في عام 1969، وضعت السينما المصرية حجر الأساس لفكرة البطل الخارق من خلال فيلم “العتبة جزاز”، حيث فاجأ عملاق الكوميديا فؤاد المهندس الجمهور بشخصية “فرافيرو”، التي تُعد تاريخيًا أول بطل خارق يظهر على الشاشة الفضية في مصر.
لم تعتمد قوة “فرافيرو” على طفرة جينية أو معدات تكنولوجية، بل ارتبطت بشرطٍ سمعي فريد؛ فبمجرد انطلاق ألحان أغنية “العتبة جزاز” يتحول المهندس من حالته العادية إلى شخصية ذات قوة تدميرية هائلة لا تُقهر، قادرة على سحق أي عائق يقف في طريقها. والمثير في بناء الشخصية دراميًا هو فقدان الذاكرة اللحظي، إذ يعود لطبيعته الهادئة بمجرد صمت الموسيقى، ناسياً تماماً كل ما اقترفته يداه تحت تأثيرالقوة.
وبمشاركة أيقونية من الفنانة شويكار، استطاع الفيلم أن يمزج بين الأكشن الفانتازي والكوميديا الراقية، وصولاً إلى المشهد الختامي المحفور في الذاكرة فوق أسطح البنايات، ليظل “فرافيرو” هو النموذج الأول والملهم الذي أثبت أن الخيال المصري قادر على خلق أبطال خارقين بصبغة محلية خالصة.

“أونكل زيزو حبيبي” حين تصنع الصدفة “سوبر هيرو” من قلب الانكسار
في عام 1977، قدم الفنان محمد صبحي معالجة سينمائية فريدة لمفهوم البطل الخارق في فيلمه الشهير “أونكل زيزو حبيبي”، لكنه لم يبدأ من القمة بل انطلق من “نقطة الصفر” ليرسم ملامح بطل خارق بصبغة إنسانية عميقة.
جسد صبحي شخصية “زيزو”، الشاب الذي عانى طويلاً من الضعف الجسدي والتنمر، ليمثل نموذج الشخص العادي المهمش الذي يبحث عن مكان تحت الشمس. وتأتي نقطة التحول الدرامية “الخارقة” عبر “تركيبة سرية” غامضة يتناولها، لتقلب موازين حياته رأساً على عقب؛ حيث يتحول جسده الهزيل إلى طاقة تفجر قوة هائلة لا يمكن ردعها.
لم تكن قوة “زيزو” مجرد عضلات مفتولة، بل كانت رمزًا لانتصار الإرادة حين تدعمها “القوة الخارقة”؛ فأصبح قادرًا على تحطيم المستحيل ومواجهة أعدائه بصلابة لم يعهدها من قبل. استطاع الفيلم أن يمزج ببراعة بين الكوميديا وبين فلسفة “البطل الضرورة”، ليظل “أونكل زيزو” أحد أبرز الشخصيات التي استلهمت فكرة السوبر هيرو الغربي وأعادت صياغتها بروح مصرية خالصة، مُثبتاً أن القوة أحيانًا قد تسكن في “شربة” غامضة تغير مسار القدر.






