سناء جميل “فضة المعداوي” التي أضاءت الفن وأطفأتها قطيعة الأهل

مصطفى علوان

باعت عائلتها من أجل “المسرح”.. وانتظرها لويس جريس 3 أيام في الكنيسة وحيدًا ليودع “قديسة الفن”

في مثل هذا اليوم من عام 1930، ولدت بمركز ملوي بمحافظة المنيا طفلة نُقش في شهادة ميلادها اسم “ثريا يوسف عطا الله”، لم يكن أحد يعلم أن هذه الطفلة ستصبح يومًا ما “أيقونة” الأداء الدرامي في العالم العربي، وأنها ستدفع ثمن شغفها بالفن “غربة” أبدية عن أهلها، لتموت وحيدة من دمها، غنية بحب جمهورها.

بدأت رحلة المعاناة والتمرد حين انتقلت “ثريا” إلى القاهرة، ودرست في مدرسة فرنسية، لكن النداء الخفي للمسرح كان أقوى من تقاليد الصعيد الصارمة، حيث التحقت بالمعهد العالي للفنون المسرحية سرًا، وحين علم شقيقها الأكبر بالأمر، وقعت القطيعة التي لم تلتئم جروحها حتى اللحظة الأخيرة من حياتها، حتى لتقطها الرائد زكي طليمات، ومنحها اسمًا فنيًا جديدًا هو “سناء جميل” خلال مشاركتها في مسرحية “الحجاج بن يوسف”، لتبدأ منذ عام 1953 رحلة الصعود من خشبة المسرح القومي إلى شاشات السينما.

“نفيسة” التي هزت عرش السينما
رغم تفوقها في اللغة الفرنسية وأدائها المتقن بالفصحى، إلا أن الانطلاقة الحقيقية لسناء جميل جاءت حين اعتذرت سيدة الشاشة العربية فاتن حمامة عن دور “نفيسة” في فيلم “بداية ونهاية” عام1960، حينها غامرت سناء بتقديم تلك الشخصية المعقدة، لتصنع مشهدًا من أصعب مشاهد السينما المصرية، وتثبت أقدامها كعملاقة تمثيل، ولم يتوقف الإبداع عند “نفيسة”، بل تلونت سناء في نحو 165 عملاً فنيًا، فكانت “الزوجة الثانية” الفلاحة المقهورة، و”فضة المعداوي” في الراية البيضا التي قال عنها الكاتب أسامة أنور عكاشة:” ما منحته سناء للشخصية فاق كل توقعاتي”، كما حجزت لنفسها مكانًا استثنائيًا بـ 4 أفلام في قائمة “أفضل 100 فيلم مصري” من بينها بداية ونهاية، والمستحيل، والزوجة الثانية، وزينب عام  1952.

 حكاية حب لويس جريس
قصة زواجها من الكاتب الصحفي الكبير لويس جريس عام 1961 كانت مليئة بالمفارقات الطريفة؛ فقد ظل “لويس” يعتقد لفترة طويلة أنها مسلمة بسبب كثرة حلفها بكلمة “والله العظيم”، حتى أنه كان يستعد لإشهار إسلامه للزواج منها، ليفاجأ بردها الضاحك “وتشهر إسلامك ليه.. أنا أصلاً مسيحية”، هذا الثنائي عاش قصة حب استثنائية، قررت فيها سناء عدم الإنجاب لتتفرغ لفنها، وهو القرار الذي احترمه لويس جريس وظل بجوارها حتى النفس الأخير.

الوداع الحزين.. “نعي” بلا مجيب
في عام 2002، داهم سناء جميل مرض سرطان الرئة، وظلت تصارع المرض لثلاثة أشهر، حتى رحلت في 22 ديسمبر 2002،  وفي لفتة إنسانية تقطر وجعًا، رفض لويس جريس دفنها فور وفاتها، وأرجأ الجنازة لمدة 3 أيام، ونشر نعيها في كافة الصحف المصرية والأجنبية، على أمل أن يرق قلب أحد من أفراد عائلتها في الصعيد ويأتي لوداعها، لكن أحدًا لم يأتِ، ودُفنت سناء جميل في اليوم الرابع، وخرجت جنازتها من كنيسة العباسية وسط دموع محبيها وزملائها، غائبة عن أهلها، لكنها باقية في ذاكرة السينما كواحدة من أعظم من وقفت أمام الكاميرا، حاملةً وسام العلوم والفنون وتكريمات الدولة التي لم تعوضها يوماً عن حضن عائلة فقدتها من أجل “كلمة” على خشبة المسرح.