وظيفة واحدة لا تكفي.. معركة يومية يخوضها الموظفون

نهاد شعبان

صورة مخلقة بالذكاء الاصطناعي


لم يعد مشهد الموظف الذي يخرج مسرعًا من مقر عمله الأول ليلتحق بعمل ثاني أمرًا استثنائيًا أو مثيرًا للدهشة والتعجب، في المقاهي، ومكاتب التوصيل، ومنصات العمل الحر، وحتى عبر الشاشات في وظائف رقمية مسائية، تتكرر الحكاية ذاتها لأشخاص يعملون لساعات مضاعفة فقط ليتمكنوا من تغطية احتياجات أساسية كانت قبل سنوات تُلبى براتب واحد فقط، حتى أصبحت تلك الظاهرة منتشرة بشكل كبير بين الشباب، وبات العمل بوظيفتين في يوم واحد ليس خيارًا لتحسين مستوى المعيشة بل تحول إلى ضرورة للبقاء.

منذ عدة سنوات كان مفهوم الوظيفة المستقرة يُعني دخلا ثابتًا يضمن الإيجار أو دفع الأقساط، وفواتير الخدمات، ومصروفات الأسرة، مع هامش بسيط للادخار أو الترفيه، أما اليوم فيبدو هذا التصور أقرب إلى الحلم، فتكلفة المعيشة ترتفع بوتيرة أسرع من نمو الأجور، بينما تظل الرواتب شبه مجمدة لسنوات، لا تواكب التضخم ولا تعكس الجهد المبذول، ولعل السبب الرئيسي في حدوث ذلك هو الارتفاع المتواصل في الأسعار، فالإيجارات تضاعفت في الكثير من المدن، وأسعار المواد الغذائية والطاقة والمواصلات لم تعد كما كانت، أسرة من أربعة أفراد فقط قد تكتشف أن نصف الراتب يذهب للسكن وحده، فيما يتوزع النصف الآخر على بقية الاحتياجات، دون أي مساحة للطوارئ أو الادخار للمستقبل.

هذا الواقع دفع الكثيرون إلى البحث عن مصدر دخل إضافي يتمثل في عمل مسائي، أو مشروع صغير، أو وظيفة حرة عبر الإنترنت، ولم يعد الهدف من ذلك تحسين الرفاهية، بل سد العجز الشهري وتجنب الاستدانة، وفي المقابل، لم تواكب الأجور هذا الارتفاع، فزيادات الرواتب – إن وجدت -غالبًا ما تكون شكلية، لا تتجاوز نسبًا بسيطة، تلتهمها موجات التضخم بسرعة، وهكذا تتآكل القوة الشرائية للراتب عامًا بعد عام، فيشعر الموظف أنه يعمل أكثر ليحصل فعليًا على أقل مما يستحق.

محمود سامي “32 عامًا”، موظف خدمة عملاء وتوصيل طلبات، يبدأ يومه في الثامنة صباحًا داخل مكتب صغير لإحدى شركات الاتصالات، حيث يعمل في خدمة العملاء، ينتهي من عمله في الرابعة عصرًا، لكنه لا يعود إلى المنزل، يفتح تطبيق التوصيل على هاتفه ويبدأ “الوردية الثانية”، قائلاً:” راتبي من الشركة حوالي 5 آلاف جنيه، الإيجار وحده 3 آلاف، إذا اعتمدت على هذه الوظيفة فقط، لن أستطيع العيش وتلبية طلبات المنزل، ومهنة التوصيل هي التي تعينني على استكمال متطلبات الأسرة شهريًا، رغم أنني أعود في نهاية اليوم في غاية التعب”، مضيفًا لموقع ليبرالي:” أكثر ما يؤلمني ليس التعب الجسدي، بل شعوري بأنني لا أرى أطفالي إلا نادرًا، ابني ينام قبل أن أعود، وأحيانًا أتساءل لماذا لا يكفي راتب واحد فقط لسد احتياحاتنا الأساسية؟”.

أما سارة علي 28 عامًا، معلمة صباحًا ومصممة أعمال حرة مساءً، تعمل في مدرسة خاصة براتب ثابت، لكنه لا يكفي لتغطية مصاريفها بعد ارتفاع الأسعار، لذلك تقضي المساء أمام جهاز الكمبيوتر، تنفذ تصميمات عبر الإنترنت للعملاء، قائلة:” بعد انتهاء عملي بالمدرسة أصبح مرهقة جدًا، لكن لابد أن أفتح جهاز الكمبيوتر، وإذا لم أعمل مساءً لن أستطع توفير الأموال لإنفاقها على الدروس والكهرباء والمواصلات، وللأسف ليس عندي أي حل بديل”، وعلى نفس الحال حكى أحمد فؤاد 40 عامًا، محاسب وسائق عبر تطبيق “أوبر” أنه بعد 15 عامًا من العمل في المحاسبة، لم يعد راتبه يغطي احتياجات أسرته المكونة من خمسة أفراد، فاشترى سيارة مستعملة وبدأ العمل سائقًا مساءً، موضحًا أن دخله الإضافي يذهب بالكامل تقريبا لسداد الأقساط وأن العمل لديه ليس رفاهية بل أمر ضروري حتى لا يغرق في بحر الديون، وهذه الشهادات تكشف أن القضية لم تعد أرقامًا وإحصاءات فقط، بل قصصًا يومية لأشخاص يدفعون من وقتهم وصحتهم وأعمارهم ثمنًا لفجوة تتسع بين الدخل وتكاليف الحياة.

كما أن التغيرات في طبيعة سوق العمل ساهمت أيضًا في انتشار الظاهرة، فالعقود المؤقتة والعمل الجزئي والعمل الحر أصبحت أكثر شيوعًا من الوظائف الدائمة ذات المزايا، كما أن الكثير من الشركات تفضل توظيف موظفين دون التزامات طويلة الأجل، ما يترك العامل دون أمان وظيفي أو مزايا كالتأمين الصحي أو المكافآت، وكل هذه الأمور تدفع الأفراد إلى تنويع مصادر دخلهم تحسبًا لأي طارئ، وأصبحت الوظيفة الثانية بمثابة شبكة أمان في حال فقدان الأولى، وجانب الضغوط المعيشية، تلعب أيضًا الديون دورًا مهمًا، منها قروض التعليم، وبطاقات الائتمان، والأقساط الاستهلاكية التي تثقل كاهل الكثيرين، ومع انتشار ثقافة الاستهلاك والرغبة في مجاراة أنماط حياة مكلفة تُعرض يوميًا عبر وسائل التواصل الاجتماعي، يجد البعض أنفسهم في سباق لا ينتهي بين الدخل والمصروف، وهنا لا يتعلق الأمر فقط بالاحتياجات الأساسية، بل أيضًا بالرغبة في الحفاظ على مستوى اجتماعي معين، ما يدفع البعض إلى قبول إرهاق مضاعف مقابل مظهر معيشي أفضل.

فالمشكلة هنا ليست فردية بقدر ما هي هيكلية، حيث أن رفع الحد الأدنى للأجور بما يتناسب مع تكلفة المعيشة، وضبط الأسعار، وتوفير حماية اجتماعية أفضل للعمال، أصبحت كلها خطوات ضرورية، كما أن تشجيع المهارات الرقمية وريادة الأعمال قد يفتح أبوابًا لدخول أعلى بجهد أقل، وعلى المستوى الشخصي قد يساعد التخطيط المالي الجيد وتقليل الديون وإدارة النفقات في تخفيف الحاجة إلى وظيفة ثانية، لكن هذه الحلول تظل محدودة إذا لم تتغير المعادلة الكبرى بين الدخل وتكاليف الحياة.