شيرين أبو عاقلة.. الصوت الذي لم تغتله الرصاصة

نهاد شعبان

سقط الجسد.. وبقي صوت فلسطين حيًا

في صباحٍ بدا عاديًا في مدينة جنين الفلسطينية، خرجت الصحفية الفلسطينية شيرين أبو عاقلة، مرتدية خوذتها وسترتها الزرقاء المكتوب عليها بوضوح “PRESS”، كانت تعرف الطريق جيدًا، طريق المخيمات، والبيوت المثقوبة بالرصاص، والأمهات اللواتي ينتظرن أبناءً لا يعودون، لم تكن تلك المرة الأولى التي تذهب فيها إلى قلب الخطر، لكنها كانت الرحلة الأخيرة، ففي 11 مايو 2022، سقط صوت فلسطين الأشهر برصاصة أنهت حياة امرأة، لكنها لم تنه الحكاية.

“شيرين أبو عاقلة.. الجزيرة.. فلسطين”
 بعد سنوات طويلة من العمل الصحفي وسط الحروب والاجتياحات والدمار، لم تكن شيرين مجرد مراسلة أخبار، كانت بالنسبة لملايين العرب صوتًا مألوفًا يدخل البيوت بهدوء، ويخرج منها مثقلاً بالوجع، حين كانت تقول عبارتها الشهيرة:” شيرين أبو عاقلة، الجزيرة، فلسطين”، كان المشاهد يشعر أن الحقيقة نفسها تتحدث.

ولدت شيرين في مدينة القدس عام 1971 لعائلة فلسطينية مسيحية تنتمي إلى بيت لحم، درست الصحافة والإعلام، واختارت منذ بداياتها أن تكون قريبة من الناس لا من المكاتب، التحقت بقناة الجزيرة في أواخر التسعينيات، ومنذ ذلك الوقت أصبحت واحدة من أبرز الوجوه الصحفية في العالم العربي.

صحفية من قلب الناس
غطت الانتفاضة الفلسطينية الثانية، واقتحامات المدن، وحصار المخيمات، ودموع الأمهات، وجنازات الأطفال، كانت تعرف أسماء الشوارع في غزة كما تعرف أسماء القرى المحاصرة في الضفة الغربية، لم تكن تنقل الخبر كواجب مهني فقط، بل بإنسانية امرأة ترى الألم بعينيها كل يوم، فالكثيرون يتذكرونها وهي تقف وسط الدخان، ثابتة الصوت، متماسكة الملامح، بينما الرصاص يمر بالقرب منها، كانت تؤمن أن الصحافة ليست مهنة للنجومية، بل شهادة للتاريخ.

زملاؤها يقولون إنها كانت تُصر دائمًا على الذهاب إلى الأماكن الأخطر بنفسها، لم تكن تبحث عن البطولة، بل عن الناس الذين لا يسمع أحد أصواتهم، كانت تنحاز للإنسان البسيط، الطفل الخائف، والرجل الذي فقد منزله، والأم التي تبحث في الركام عن صورة.

امرأة صنعت أيقونة المهنة
وفي عالم عربي اعتاد صور المراسلين الرجال في ساحات الحروب، صنعت شيرين نموذجًا مختلفًا، امرأة هادئة، لا ترفع صوتها، لكنها استطاعت أن تصبح أيقونة مهنية وإنسانية، لم تكن بحاجة إلى الصراخ كي تُصدق؛ حيث كان صدقها وحده كافيًا.

حين أصبح الخبر فاجعة
صباح استشهادها، كانت تغطي اقتحام قوات الاحتلال الإسرائيلي لمخيم جنين، أظهرت الشهادات ومقاطع الفيديو أنها كانت ترتدي ملابس الصحافة بوضوح، وتقف في منطقة مفتوحة نسبيًا، دقائق قليلة فقط فصلت بين وقوفها أمام الكاميرا وسقوطها على الأرض.

مشهد سقوطها لم يكن مجرد خبر عاجل، كان صدمة شخصية لملايين المشاهدين الذين شعروا أنهم فقدوا فردًا من عائلتهم، خرج الناس في مدن عربية كثيرة يبكونها كما لو أنهم عرفوها عن قرب، لأن شيرين ببساطة، عاشت في ذاكرة الناس سنوات طويلة.

جنازة تحت القمع
حتى جنازتها في القدس تحولت إلى مشهد صادم آخر، بعدما تعرض موكب التشييع لاعتداءات هزت العالم، وكأن الموت لم يكن كافيًا لإنهاء الحكاية، لكن اللافت أن الرصاصة التي أرادت إسكاتها، منحت صوتها حياة أطول، فتحولت شيرين إلى رمز عالمي لحرية الصحافة، وصارت صورتها على الجدران، وفي الجامعات، وعلى كاميرات الصحفيين الشباب الذين وجدوا فيها مثالاً للشجاعة المهنية.

الرصاصة التي صنعت رمزًا
في كل عام تمر فيه ذكرى رحيلها، لا يتذكرها الفلسطينيون وحدهم، بل يتذكرها كل من شاهد يومًا تقريرًا جعل الحقيقة أقرب، والوجع أكثر وضوحًا، وربما كانت قوة شيرين الحقيقية أنها لم تتعامل مع الضحايا كأرقام، كانت تمنحهم أسماءً وملامح وحياة، ولهذا بقيت حاضرة حتى بعد الغياب.

واليوم بعد أعوام على رحيلها، ما زال مقطع صوتها حيًا في ذاكرة جيل كامل، وما زالت صورها بالخوذة الزرقاء تُذكر العالم بأن الصحفي قد يدفع حياته ثمنًا لكلمة، أو لصورة، أو لحقيقة.

لماذا بقيت شيرين حية؟
لم تكن شيرين تبحث عن الخلود، لكنها حصلت عليه بطريقة لم تخطط لها، فبعض الناس لا يموتون حين تتوقف قلوبهم، بل حين ينساهم الآخرون، وشيرين لم تُنس، هي الآن ليست فقط صحفية فلسطينية اغتيلت أثناء أداء عملها، بل حكاية إنسانية عن امرأة اختارت أن تقف دائمًا في الجانب الأصعب وهو جانب الحقيقة، وفي ذكرى رحيلها، يبقى السؤال الذي تركته مفتوحًا وهو كم صحفيًا يجب أن يسقط، حتى يصبح نقل الحقيقة أقل خطرًا؟.