مادلين أولبرايت.. طفلة المنفى التي أصبحت وجه الدبلوماسية الأمريكية

نهاد شعبان

المرأة التي دخلت التاريخ بدبوس على هيئة ثعبان

لم تكن مادلين أولبرايت مجرد أول امرأة تتولى وزارة الخارجية الأمريكية، بل كانت حكاية كاملة عن المنفى والنجاة والطموح والسلطة، امرأة بدأت حياتها طفلة تهرب من النازية، ثم من الشيوعية، قبل أن تصبح واحدة من أكثر الشخصيات تأثيرًا في السياسة الخارجية الأمريكية خلال نهاية القرن العشرين.

رحلت أولبرايت عن عمر 84 عامًا بعد صراع مع السرطان، لكن سيرتها بقيت شاهدة على قرن كامل من الحروب والتحولات الكبرى، وعلى قدرة امرأة مهاجرة على أن تكتب اسمها في قلب التاريخ الأمريكي.

بداية أوروبية
ولدت عام 1937 في براغ باسم ماريا جانا كوربيلوفا، داخل المنزل كانت تُعرف بـ”مادلا”، ثم “مادلينكا”، لم تكن قد بلغت الثانية من عمرها حين اجتاح النازيون تشيكوسلوفاكيا، فاضطر والدها الدبلوماسي جوزيف كوربل، إلى الهرب بعائلته نحو لندن، هناك، وبين أجواء الحرب والمنفى، بدأت طفلة صغيرة تتعلم مبكرًا أن السياسة ليست شأنًا بعيدًا، بل قد تكون الفارق بين الحياة والموت.

هروب جديد
في لندن، واصل والدها العمل مع الحكومة التشيكية في المنفى، كما عمل في القسم التشيكي بهيئة الإذاعة البريطانية، وبعد انتهاء الحرب عادت الأسرة إلى الوطن، لكن الهدوء لم يدم طويلاً، فمع صعود الشيوعيين إلى السلطة، عاد الخوف مجددًا، وقررت العائلة الفرار مرة أخرى، وهذه المرة إلى الولايات المتحدة.

حلم أمريكي
هناك، في مدينة دنفر بولاية كولورادو، بدأت رحلة التحول الكبرى، الطفلة الأوروبية التي تتحدث أربع لغات وتحمل ذاكرة الحروب، حاولت التأقلم مع مجتمع أمريكي مختلف تمامًا، وفي الخمسينيات حصلت رسميًا على الجنسية الأمريكية، لتقول لاحقًا إنها أصبحت “مادي الأمريكية تمامًا”.

سر العائلة
لكن خلف صورة العائلة المهاجرة الناجحة، كانت هناك مأساة لم تعرفها إلا بعد عقود، ففي التسعينيات اكتشفت أولبرايت أن أكثر من عشرة من أقاربها، بينهم ثلاثة من أجدادها، قتلوا في الهولوكوست، كانت قد تربت على أنها مسيحية كاثوليكية، ولم تعلم إلا متأخرة بجذورها اليهودية وبالمصير المأساوي لعائلتها في أوروبا.

ربما لهذا السبب ظلت فكرة الاستبداد تطاردها طوال حياتها، فقد رأت بعينيها كيف يمكن للأيديولوجيات المتطرفة أن تدمر أوطانًا وعائلات كاملة، وهو ما انعكس لاحقًا على مواقفها السياسية الصارمة.

طريق السياسة
في الجامعة، بدأت ملامح الشخصية السياسية تتشكل، درست العلوم السياسية في كلية ويليسلي النسائية، وهناك اقتربت من الحزب الديمقراطي، كما التقت بزوجها المستقبلي جوزيف أولبرايت، المنتمي إلى عائلة أمريكية معروفة في مجال الصحافة والنشر، تزوجا سريعًا، وأنجبا ثلاث بنات، بينما كانت هي تواصل دراستها في أوقات الفراغ، متنقلة بين جامعة جورج تاون وجامعة كولومبيا، حيث حصلت لاحقًا على الدكتوراه في العلاقات الدولية.

لكن الحياة لم تكن سهلة، فبين مسئوليات الأمومة والطموح الأكاديمي، كانت أولبرايت تخوض معركة يومية لإثبات نفسها في عالم يهيمن عليه الرجال.، وعندما انتهى زواجها بعد أكثر من عقدين، لم تنهزم، بل انغمست أكثر في العمل والبحث والتدريس.

شخصية مؤثرة
في جامعة جورج تاون، تحولت أستاذة العلاقات الدولية إلى شخصية مؤثرة بين طلابها، خصوصًا النساء، كانت تشجعهن على رفع أصواتهن داخل القاعات الدراسية وعدم التردد في مقاطعة الرجال لإثبات حضورهن، وكانت تقول إن فصولها “ربما كانت صاخبة قليلاً، لكن النساء تعلمن، والرجال اعتادوا على ذلك”.

ومع صعود الديمقراطي بيل كلينتون إلى البيت الأبيض عام 1992، دخلت “أولبرايت” دائرة القرار الكبرى، اختارها سفيرة للولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، لتصبح المرأة الوحيدة وسط أربعة عشر رجلاً في مجلس الأمن، وقد وصفت اجتماعها الأول هناك بقولها الشهير: “كان الأمر أشبه بأربع عشرة بذلة وتنورة واحدة”.

دبلوماسية حادة
في الأمم المتحدة، صنعت “أولبرايت” اسمها كدبلوماسية حادة وصلبة، دافعت بقوة عن التدخل الأمريكي في العالم، ورأت أن على واشنطن مسئولية أخلاقية في مواجهة الأنظمة القمعية، لكن أكثر ما ظل يطاردها كان الفشل الدولي في وقف الإبادة الجماعية في رواندا، وهي التجربة التي وصفتها لاحقاً بأنها “أكبر لحظة أسف” في حياتها المهنية.

لحظة تاريخية
وفي عام 1997، كتب التاريخ صفحة جديدة، فقد أصبحت أول امرأة تتولى منصب وزير الخارجية الأمريكي، بالنسبة لكثيرين، لم يكن الأمر مجرد تعيين سياسي، بل لحظة رمزية في بلد ظل المنصب الدبلوماسي الأرفع فيه حكرًا على الرجال لعقود طويلة.

وخلال توليها المنصب، لعبت دورًا بارزًا في توسيع حلف الناتو، ودعمت مفاوضات السلام الفلسطينية الإسرائيلية، كما خاضت مفاوضات معقدة مع كوريا الشمالية بشأن برنامجها النووي. وفي عام 2000 أصبحت أعلى مسئولة أمريكية تزور بيونغ يانغ وتلتقي الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ إيل.

دبلوماسية الدبابيس
لكن ما جعل “أولبرايت” مختلفة لم يكن فقط نفوذها السياسي، بل أيضًا أسلوبها الشخصي الفريد، فقد حولت “دبابيس الزينة” التي ترتديها إلى رسائل دبلوماسية كاملة، دبوس على هيئة ثعبان للرد على وصف الإعلام العراقي لها بـ”الأفعى”، ودبوس على شكل حشرة عندما أرادت التلميح إلى فضيحة تنصت روسية، وآخر على هيئة قرد خلال لقائها مع فلاديمير بوتين في إشارة إلى أن العالم يرى ويسمع ما يحدث في الشيشان، فكانت تعرف أن السياسة ليست كلمات فقط، بل أيضًا إشارات ورموز وصور تعلق في الذاكرة.

ورغم صورتها الصارمة، لم تفقد “أولبرايت” حس الدعابة أو قدرتها على إثارة الجدل، ففي إحدى المرات، وبعد إسقاط كوبا طائرتين مدنيتين، سخرت من الطيارين الكوبيين بعبارة لاذعة أصبحت حديث الإعلام الأمريكي آنذاك، حتى إن كلينتون قال لاحقًا إن تعليقها كان من أكثر أدوات إدارته تأثيرًا.

حضور مستمر
وبعد مغادرتها المنصب، لم تختفِ عن المشهد، حيث أسست شركة استشارات، وواصلت الكتابة والتدريس والظهور الإعلامي، كما دعمت هيلاري كلينتون بقوة، وظلت من أبرز الأصوات المدافعة عن دور النساء في السياسة.

وفي سنواتها الأخيرة، عادت لتحذر من صعود النزعات السلطوية حول العالم، ففي كتابها “الفاشية: تحذير” الصادر عام 2018، رأت أن الديمقراطيات الغربية لم تعد محصنة ضد الشعبوية والاستبداد، وهاجمت بشدة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، واصفة إياه بأنه “الأقل ديمقراطية” بين الرؤساء الذين عرفتهم الولايات المتحدة.

وحتى أيامها الأخيرة، بقيت تعيش في منزلها القديم بجورج تاون، المنزل نفسه الذي انتقلت إليه بعد طلاقها وهي في الأربعينيات من عمرها، ومن هناك صنعت لنفسها مكانًا داخل التاريخ الأمريكي، ليس فقط كأول امرأة تتولى الخارجية، بل كامرأة حملت ذاكرة المنفى والحرب، وحولتها إلى قوة سياسية غيرت وجه الدبلوماسية الأمريكية.