رئيس حزب التحالف الشعبي طلعت فهمي لـ”ليبرالي”: النظام يصر على إنتاج قوانين تضمن سيطرته.. ويجب وقف التدخلات في العمل السياسي

اليسار المصري “بعافية شوية”.. وخسارة الحريري تجسيد للتنافسية

يجب مراجعة السياسات الاقتصادية بشكل سريع ومحاصرة الفقر

نأمل أن يتجاوز البرلمان الحالي عن أخطاء المجلس السابق ويعبر عن مصالح الناس

انتخابات حزب العدل جرت بشكل سري وإلكتروني والنتائج استُقبلت بروح رياضية وإيجابية

قانون الأحوال الشخصية يحتاج إلى مراجعة فلسفية شاملة ويجب مراعاة مصلحة الطفل الفضلى

دعا المهندس طلعت فهمي، رئيس حزب التحالف الشعبي الاشتراكي المنتخب مؤخرا، في حوار خاص مع موقع “ليبرالي”، إلى تبني رؤية جديدة لإدارة شؤون البلاد وسياسات مغايرة لما هو قائم حاليًا، بما يسهم في مواجهة الفقر، وتوسيع مساحات حرية الرأي والتعبير، وتعزيز دور البرلمان والمجالس المحلية، مؤكدًا أن مصر تحتاج إلى تفعيل القانون والدستور والاكتفاء بما تم إصداره من استراتيجيات وسرديات.
وتطرق الحوار إلى ملف النقابات المهنية والاستراتيجية الوطنية الجديدة لحقوق الإنسان (2026-2031)، والرؤية التشريعية لعدد من القوانين الملحة، مثل قانوني الأحوال الشخصية والإدارة المحلية، فضلًا عن طرحه رؤى لمعالجة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية الراهنة.

إلى نص الحوار:

الأنسب للمهمة

في البداية، كيف ترى الثقة التي أولتها لك الجمعية العمومية لحزب التحالف الشعبي في الانتخابات الأخيرة، في ظل منافسة من آخرين لهم قيمة تاريخية وتنظيمية؟

  الزملاء الذين ترشحوا جميعهم زملاء أفاضل ولهم مكانة رفيعة في الحزب منذ تأسيسه، وإسهاماتهم ملموسة وما زال الحزب بحاجة مستمرة إليها. ولكن في العمليات الانتخابية، تختار القاعدة الانتخابية في الغالب بناءً على معيار “الأنسب للمهمة في هذه المرحلة” وليس “الأفضل” بمفهومه المطلق.

ونحن نؤكد دائماً أن أي زميل يترشح لمهمة تنظيمية أو قيادية يجب أن يكون على دراية تامة بمواصفاتها ومسؤولياتها وتفاصيلها قبل الإقدام عليها، وينطبق ذلك بطبيعة الحال على موقع رئيس الحزب. وقد ارتأت القاعدة الانتخابية الممثلة في الأعضاء الذين أدلوا بأصواتهم أنني الأنسب لقيادة الحزب في هذه المرحلة، بناءً على اعتبارات سياسية، وتنظيمية، وتاريخية.

فما يشفع للشخص في النهاية هو سجله العملي ومواقفه السابقة؛ حيث تشرفت بشغل منصب الأمين العام للحزب لدورتين متتاليتين منذ التأسيس، ثم نائباً لرئيس الحزب والمسؤول عن ملف التحالفات السياسية وممثل الحزب في الحركة المدنية الديمقراطية وجبهة العدالة الاجتماعية. هذا المسار أتاح لي الجمع بين الخبرتين التنظيمية والسياسية، إلى جانب تاريخ طويل من النضال العلني في ميادين العمل العام قبل ثورة يناير وبعدها، وخوض معارك نقابية وسياسية مختلفة، من أبرزها معركة “مهندسون ضد الحراسة” التي خضناها منذ عام 2003 واستمرت لسنوات حتى تكللت بإنهاء الحراسة على نقابة المهندسين وإجراء أول انتخابات شرعية فيها.

يتردد أن اختيار رئيس الحزب السابق مدحت الزاهد مستشاراً سياسياً للحزب، من أجل بقاءه في نفس دائرة صنع القرار؟

نحن في حزب التحالف الشعبي الاشتراكي لدينا لائحة داخلية نحترمها جميعاً ونلتزم بها منذ تأسيس الحزب عام 2011. وتنص هذه اللائحة صراحة على عدم جواز تولي أي موقع قيادي لأكثر من دورتين متتاليتين. وكما انطبق هذا النص عليّ سابقاً حين انتهت مدتي كأمين عام، فإنه ينطبق على موقع رئيس الحزب أيضاًكانت هذه رغبة الأستاذ مدحت الزاهد وقناعته الشخصية التزاماً بنصوص اللائحة وعدم السعي لتجاوزها أو تعديلها.

أما بخصوص موقع “المستشار السياسي”، فالحزب يضم دائماً خبرات وقامات فكرية وسياسية كبيرة لا تشغل بالضرورة مواقع تنظيمية تنفيذاً للائحة، وهو تقليد راسخ متبع منذ البداية؛ فالراحل الأستاذ عبد الغفار شكر، أول رئيس للحزب، أصبح مستشاراً للحزب بعد انتهاء مدة رئاسته، وتبعه في هذا الدور قامات فكرية بارزة مثل الراحل الدكتور شريف حتاتة والأستاذ حلمي شعراوي.

تقييمك لعدم فوز البرلماني السابق هيثم الحريري في انتخابات نائب رئيس الحزب رغم التعاطف معه بعد استبعاده من الانتخابات البرلمانية وتاريخ والده أبو العز الحريري؟

الأمر لا يعدو كونها منافسة انتخابية ديمقراطية شريفة بين زميلين تقدما للموقع ذاته. وقد حُسمت النتيجة على منصب نائب رئيس الحزب بفارق ضئيل للغاية (64 صوتاً مقابل 62 صوتاً)، وهو فارق صوتين فقط لا يعكس بأي حال من الأحوال رفضاً لهيثم الحريري أو تقليلاً من قيمته، بل يجسد طبيعة الانتخابات التنافسية الحرة التي لا يحصل فيها أحد على نسب مطلقة.

انتخابات حزب العدل

  شاركت في المؤتمر العام لحزب “العدل”، كيف ترى أهمية استمرار العملية الانتخابية داخل الأحزاب المحسوبة على المعارضة المصرية في هذا التوقيت؟ وما هي دلالات مشاركتكم؟

نحن نؤمن بأن هدفنا الأساسي هو الوصول إلى دولة مدنية ديمقراطية يسودها العدل، وإذا لم نتمكن من ممارسة الديمقراطية بداخل أحزابنا، فلا معنى لترديد هذا الشعار، الحزب الذي لا يمارس الديمقراطية الداخلية والشفافية يفقد مصداقيته أمام الجماهير.

لذلك، نحن نرحب وندعم دائماً أي عملية انتخابية تتسم بالنزاهة والشفافية والانضباط وروح الرفاء، لأن مستقبل العمل السياسي في مصر مرهون بوجود أحزاب قوية تمارس الديمقراطية فعلياً.

وبخصوص مؤتمر حزب “العدل”، فقد جرت الانتخابات بشكل سري وإلكتروني، والنتائج استُقبلت داخل القاعة بروح رياضية عالية وإيجابية شديدة؛ حيث تبادل الزملاء التهنئة مؤكدين استمرارهم في العمل العام، فالمواقع القيادية في أحزاب المعارضة هي عبء ومسؤولية وتكليف تطوعي وليست امتيازاً أو تشريفاً ماليّاً.

الحركة المدنية وجبهة العدالة

بالحديث عن الكيانات السياسية، كيف تقيم مستقبل “الحركة المدنية الديمقراطية” و”جبهة العدالة الاجتماعية” في ظل ما يراه البعض من أنها مجرد كيانات رمزية فقط؟

مصر في حاجة ماسة إلى صوت معارضة قوي ومختلف يعبر عن بدائل واضحة للسياسات القائمة، وهذا كان الهدف الرئيسي وراء تأسيس “الحركة المدنية الديمقراطية”.

أما “جبهة العدالة الاجتماعية”، فوضعها كبقية الكيانات السياسية يواجه صعوبات ناتجة عن الحالة السياسية العامة المحاطة بقيود مشددة تحد من القدرة على الحركة خارج المقرات إلا في حدود ضيقة جداً.

 العمل السياسي الحقيقي يتطلب القدرة على عقد المؤتمرات العامة، والالتحام بالجماهير، والتضامن الفعلي مع القضايا والاحتجاجات العمالية والنقابية، وهو ما يواجه حالياً محاذير وعقبات متعددة تفرضها السلطة.

ما مدى تأثير الواضع الراهن على قوى اليسار المصري؟

اليسار المصري “بعافية شوية” والقيود والتضييقات لهما تأثير في ذلك، نواجه كيسار مصري ضغطاً كبيراً ومؤثراً على الحركة والقدرة على العمل.

على سبيل المثال، لدينا عضو شاب في الحزب محبوس احتياطياً منذ أكثر من عام لمجرد أنه رفع لافتة تدعم القضية الفلسطينية وتندد بالاحتلال في الإسكندرية، وذلك في سياق تظاهرة شعبية لدعم غزة.

مثل هذه الممارسات توجه رسائل سلبية ومباشرة للشباب بأن العمل العام والسياسي ينطوي على مخاطر جمة، وتدفعهم للإحجام عن المشاركة الفعالة.

الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان

تُناقش حالياً ملامح النسخة الثانية من الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان.. كيف تقيمون المرحلة الأولى وما هي مطالبكم للمرحلة القادمة؟

“اتهرينا” من الاستراتيجيات والسرديات والخطابات والمصطلحات الإنشائية التي تفتقر للتطبيق الفعلي على أرض الواقع. طالما ظل قانون “الحبس الاحتياطي” يُستخدم كعقوبة سياسية يُحتجز بموجبها المواطنون لسنوات دون محاكمة، فلا معنى للحديث عن أي استراتيجية لحقوق الإنسان.

اجتماع في المجلس القومي لحقوق الإنسان - فيس بوك
اجتماع في المجلس القومي لحقوق الإنسان – فيس بوك

في الماضي، كان الحبس الاحتياطي يلتزم بمدد محددة وبإجراءات قانونية صارمة تحت إشراف القضاء وبموجب مبدأ سيادة القانون. أما اليوم، فيُحبس الأشخاص احتياطياً لسنوات لمجرد كتابة منشور على منصات التواصل الاجتماعي أو بناءً على شبهات واهية.

نحن لا نحتاج لاستراتيجيات جديدة، بل نحتاج ببساطة إلى الالتزام بنصوص الدستور وتطبيق القانون القائم بشكل سليم دون تجاوز.

قانون الأحوال الشخصية المرتقب

نذهب إلى أبرز الملفات التشريعية المطروحة حالياً وهي “قانون الأحوال الشخصية”، ما هي رؤيتكم للقانون الأنسب لتلبية احتياجات المجتمع المصري في هذه الأوقات؟

  قانون الأحوال الشخصية يحتاج إلى مراجعة فلسفية شاملة بدلاً من التعديلات الجزئية التي تحوله دائماً إلى معركة وصراع صفري بين الرجل والمرأة.

رؤيتنا تقوم على أن القانون يجب أن يراعي المصلحة الفضلى للأطفال والأبناء بالدرجة الأولى، وأن يضمن الحقوق المتكافئة والعادلة للطرفين.

منصة الجلسة الحوارية لحزب العدل حول قانون الأحوال الشخصية يتوسط النائبة فاطمة عادل بين المهندس أحمد قناوي أمين عام حزب العدل والخبير البرلماني الدكتور عبد الناصر قنديل - فيس بوك
منصة الجلسة الحوارية لحزب العدل حول قانون الأحوال الشخصية

الزواج شراكة إنسانية قائمة على المودة والرحمة والمسؤولية المشتركة، وليس صفقة تجارية أو مالية؛ ولذلك فإن مصطلحات مثل “نفقة المتعة” تكرس مفهوماً قاصراً ومشوهاً للعلاقة الزوجية والأسرة.

الجانب الآخر يتطلب حلولاً عملية من جانب الدولة؛ فعلى سبيل المثال، تعاني المرأة كثيراً في إثبات دخل الزوج للحصول على النفقة، وهو أمر معقد قد يستغرق سنوات، الأجدر هو أن تتولى الدولة عبر صندوق مختص صرف النفقة المقررة للمرأة بصفة منتظمة لتأمينها، على أن تتولى الأجهزة الحكومية المعنية ملاحقة الزوج قانونياً لإثبات دخله وتحصيل المبالغ منه، بدلاً من إلقاء هذا العبء المرهق على عاتق الزوجة.

الحضور النقابي

كنقابي، شهدت الساحة النقابية مؤخراً فوز تيار الاستقلال والمستقلين في بعض النقابات المهنية الكبرى مثل الصحفيين والمهندسين. كيف تقيم هذا المشهد وفرص القوى الديمقراطية في العمل النقابي مستقبلاً؟

هذا بلا شك مؤشر إيجابي يؤكد أن القواعد النقابية أصبحت أكثر وعياً وصلابة، وتمتلك القدرة على الاختيار الحر والصائب، لا سيما وأن السلطة دفعت بمرشحيها بقوة في هذه الانتخابات.

المطلوب الآن هو تراجع التدخلات الحكومية في الشأن النقابي؛ فمن غير المقبول تسخير إمكانات وموارد الدولة أو التدخل الحزبي لترشيح ودعم أسماء بعينها ضد إرادة النقابيين، ولعل الواقعة الشهيرة التي شهدتها الجمعية العمومية للمهندسين قبل عامين (في مايو 2023) وتدخلات بعض الكيانات الحزبية الموالية خير دليل على خطورة هذه التدخلات.

 يجب ترك النقابات لأعضائها وممارسة أدوارها بشكل مستقل، لأن التضييق النقابي يمتد أثره السلبي لاحقاً إلى الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني والعمل العام.

تقييم البرلمان  

كسياسي معارض، كيف تقيم أداء البرلمان في الفترة الماضية؟

البرلمان السابق كان يفتقر إلى الأدوات الرقابية الحقيقية كالاستجواب والمساءلة الفعالة، واقتصر دوره غالباً على إقرار القوانين المقترحة من السلطة التنفيذية، نأمل أن يشهد الأداء الحالي تحسناً، على الرغم من أن تشكيله خضع لسيطرة نظام القائمة المطلقة، الذي يكرس اختيار “أهل الثقة” والكيانات الموالية بدلاً من الكفاءات المعبرة عن الشارع.

البرلمان يجب أن يكون معبراً ومدافعاً عن مصالح الشعب أولاً، وليس أداة لتمرير سياسات النظام .

قانون المحليات

ما هو تفسيرك لعدم إنجاز قوانين هامة طالبت بها القوى السياسية مثل قانون المحليات؟

قانون “المحليات”، لازال محلك سر، بالرغم من المناقشات العديدة منذ أكثر من 10 سنوات وتقديم مشاريع قوانين متميزة وموضوعية من قوى المعارضة، والتي انتهى بها المطاف في أدراج اللجان دون بت.

 يصر النظام على صياغة قوانين تضمن مصالحه بالدرجة الأولى، مما يفرغ مفهوم المجالس المحلية المنتخبة من مضمونها الخدمي والرقابي الحقيقي ويضرب دور البرلمان كممثل حقيقي للشعب.

المهندس طلعت فهمي مع الزميل حسن القباني في حوار خاص لموقع ليبرالي
المهندس طلعت فهمي في حوار خاص لموقع ليبرالي

أولويات مصر

في الختام، ما الذي تحتاجه مصر في الوقت الراهن؟

مصر تحتاج بشكل عاجل إلى أمرين رئيسيين: إتاحة حريات الرأي والتعبير والإفراج عن سجناء الرأي، وحصار حالة الفقر.

اتساع رقعة الفقر وتآكل الطبقة الوسطى وانخفاض قيمة الجنيه وارتفاع الأسعار بشكل جنوني يهدد السلم الاجتماعي بشكل مباشر. الفقر يؤدي إلى الكفر بكل شيء والانفجار.

ولا توجد أي قوة سياسية وطنية أو ديمقراطية سلمية ترغب في حدوث انفجار اجتماعي نتيجة الضغوط المعيشية المتزايدة، والتي أدت في بعض الأحيان إلى ظواهر مأساوية كالانتحار بسبب العجز المالي وعدم قدرة رب الأسرة على تلبية احتياجات أبنائه.

نحن بحاجة إلى مراجعة السياسات الاقتصادية، بشكل سريع. لدينا مخارج كثيرة منها: لدينا موارد وصناديق سيادية يمكن توجيه بعض مخصصاتها لدعم الفئات الأكثر احتياجاً، وفرض ضرائب تصاعدية حقيقية على أرباح الشركات الكبرى التي تحقق أرباحاً بالمليارات، ورفع الحد الأدنى للأجور والمعاشات بما يتناسب مع مستويات التضخم الحالية لضمان حياة كريمة للمواطنين.

أي أحد حريص على حماية أمن وسلامة الوطن، عليه أن يفكرأن يبدأ من حماية مواطنيه وتلبية حقوقهم الأساسية في العيش والحرية والعدالة الاجتماعية. وهذا يحتاج إلى نظرة مختلفة وسياسيات مختلفة عما يحدث الآن.