صناعة بلا مصانع.. كيف يُحقق “التعهيد” مليارات الدولارات الصامتة لمصر؟

النائب أشرف عبد الغني يطالب بإنشاء مناطق ذات طبيعة خاصة لشركات التعهيد وتوفير تمويل ميسر

مع بلوغ أحمد هاشم خريج كلية التجارة بجامعة عين شمس 25 عامًا، والانتقال من وظيفة إلى أخرى أملًا في إيجاد راتب يتناسب مع مجابهة الغلاء شبه اليومي في كل نواحي الحياة.

أحمد أتخذ قرارًا لتغيير مسار حياته، عبر اقتطاع جزءًا من راتبه، وتوفير ساعات تضاف إلى ساعات العمل المتلاحقة يوميًا، بهدف الالتحاق بدورة “أونلاين” لتعلم اللغة الإنجليزية، وما إن انتهى من مستويات الدورة على مدار 8 أشهر، التحق أحمد بالعمل في إحدى شركات الاتصالات العالمية العاملة في مصر، بقسم اللغة الإنجليزية.

ويضيف أحمد، أن العمل في “التعهيد” وفر له عمل من المنزل وتدريبًا مستمرًا، وأصبح يتعامل مع عملاء من دول مختلفة كعملاء للشركة، دون الاقتصار على العملاء المصريين فقط، بخلاف تحسن الراتب، وهو النقطة الأهم التي يشير لها أحمد.

فتح فروع داخل مصر للتصدير للخارج

حال أحمد حال آلاف الشباب الذين اتجهوا للعمل في شركات التعهيد، لتحسين الدخل والتطور المهني بما يتواكب مع متطلبات العمل محليًا وعالميًا.

وتعتمد صناعة التعهيد، على قيام العديد من الشركات الأجنبية بالتعهد لإنهاء خدماتها من خلال بعض الشركات التى تكون خارج حدودها، بسبب تكلفتها المرتفعة، وتلجأ في تلك الحالة إلى دول تمتلك المهارة الكافية وفى نفس الوقت تكلفتها منخفضة، مثل مصر.

وتقوم الشركات بذلك بأحد طريقتين: الأولى فتح فروع داخل مصر للتصدير للخارج، أو من خلال شركات متواجدة داخل الدولة يُعهد لها بالقيام بالمهام نيابة عن الشركات الخارجية.

فرصة حقيقية لتحسين مستوى المعيشة

ومن ضمن الأمثلة على تلك الخدمات المقدمة، الخدمات الرقمية “المحمول، ومواقع التواصل الاجتماعي، والحوسبة السحابية، وميكنة عمليات الروبوتات” واستشارات تكنولوجيا المعلومات “دمج النظم”، المحاسبة والشئون المالية، بالإضافة مراكز الاتصال.

ولم تعد صناعة التعهيد في مصر مجرد قطاع اقتصادي يحقق مليارات الدولارات، بل تحولت بالنسبة لكثير من الشباب المصري إلى فرصة حقيقية لتحسين مستوى المعيشة وبناء مستقبل مهني مختلف.

وبين خريجين لم يجدوا فرصًا مناسبة في تخصصاتهم، وآخرين يعملون من منازلهم، نجح قطاع في فتح أبواب جديدة أمام آلاف الشباب الباحثين عن دخل أفضل وخبرة مهنية مرتبطة بالسوق العالمية.

زيادة صادرات التعهيد لـ6 مليار دولار

وفي هذا الصدد، أكد المهندس رأفت هندي، وزير الاتصالات، على أن مجالات الاستثمار الحالية والمستقبلية في قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات ترتكز على 4 مجالات رئيسية وهي: التعهيد، وتوطين صناعة الهواتف المحمولة، بالإضافة إلى تطوير البنية التحتية الرقمية، وصناعة مراكز البيانات.

وأضاف هندي خلال لقاء مع رئيس الوزراء، أن تعزيز تنافسية مصر كمركز عالمي لتصدير خدمات تكنولوجيا المعلومات، موضحًا عقد اجتماعات مع مسئولي عدد من كبرى الشركات العالمية العاملة في مجال التعهيد، لمناقشة فرص الاستثمار والتوسع في السوق المصرية، وبحث آليات دعم نمو أعمالها، في ضوء خططهم للتوسع في الاستثمار  في مصر حتى عام 2028.

مصر الثالث عالميًا في صناعة التعهيد

وأشار وزير الاتصالات إلى أن الوزارة تعمل حاليًا على إعداد خطط استثمارية في  المناطق التكنولوجية لاستضافة المزيد من شركات التعهيد، مضيفا أنه من المستهدف زيادة صادرات التعهيد من نحو 5.2 مليار دولار خلال العام الماضي، إلى 6 مليارات دولار خلال العام الحالي، ومشيرا في الوقت نفسه إلى توقيع بروتوكول تعاون مع وزارة الاستثمار يتضمن إضافة خدمات تصميم الإلكترونيات وأشباه الموصلات إلى برنامج تنمية الصادرات.

بدوره، قال الدكتور محمد عزام، عضو مجلس إدارة الجمعية الدولية لإدارة التكنولوجيا، وخبير تكنولوجيا المعلومات، إن مصر أصبحت تحتل المركز الثالث عالميًا في صناعة التعهيد بفضل الثروة البشرية والكوادر الشابة التي تمتلك المهارات التقنية والرقمية واللغوية، فضلاً عن وجود بنية أساسية متطورة في هذا القطاع.

170 ألف شاب مصري يعملون في التعهيد

ما يزيد على 170 ألف شاب مصري يعملون في قطاع التعهيد بعوائد تتخطى الـ 5 مليار دولار، يضيف عزام في تصريحه لـ”ليبرالي”، لافًتا إلى تفوق مصر بموقعها الجغرافي القريب من أسواق متعددة وشباب متميز بلغات مثل الإنجليزية والفرنسية والألمانية.

ويؤكد خبير تكنولوجيا المعلومات على أن التعهيد هو محرك اقتصاد القرن 21 ولا يمكن لأي قطاع الاستدامة بدون توطين تكنولوجيا المعلومات، مشيرًا إلى أن مصر قطعت خطوات هائلة ببنية معلوماتية قوية ومراكز خدمات تضم شركات محلية وعالمية.

عدد مراكز التعهيد في مصر زاد بنسبة 24.4%، وفقًا لعزام، كما زاد عدد الشركات العاملة في هذا القطاع بنسبة 25% ليصل إلى 186 شركة محلية وعالمية لديها 206 مراكز لتصدير الخدمات.

15 مليار دولار مستهدف من صادرات التعدين في 2030

وكشف خبير تكنولوجيا المعلومات عن أن رؤية مصر 2030 تستهدف الوصول بصادرات صناعة التعهيد إلى 15 مليار دولار، وتوفير 550 ألف فرصة عمل مباشرة للشباب.

وفي السياق ذاته، قال المهندس أحمد الظاهر، الرئيس التنفيذي لهيئة تنمية صناعة تكنولوجيا المعلومات (إيتيدا)، إن التعهيد ليس مجرد “كول سنتر”، منوهًا بأن المفهوم العالمي للتعهيد في مصر تجاوز مرحلة خدمات الدعم الفني التقليدية ومراكز الاتصال الدولية، ليمتد بقوة إلى خدمات القيمة المضافة العالية.

ويضيف الظاهر، أن صناعة التعهيد في مصر تشهد تنوعًا غير مسبوق على مستوى التخصصات، فالأمر لم يعد مقتصراً على تعهيد نظم الأعمال ومراكز الاتصال، وتوسعنا بقوة في مجالات هندسية فائقة الدقة مثل: تطوير البرمجيات المدمجة في السيارات (Embedded Systems)، تصميم الدوائر الإلكترونية والرقائق، بناء خوارزميات الذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني”.

تمويل ميُسر لشركات التعهيد

وأكد النائب أشرف عبدالغني أمين سر اللجنة الاقتصادية بمجلس الشيوخ، أن قطاع التعهيد يحتاج إلى تبسيط الإجراءات، وسياسات ضريبية مرنة خاصة بالنسبة للشركات الناشئة التي تعاني من القوانين القديمة التي لا تتفق مع طبيعتها، سواء فيما يتعلق باتفاقيات المساهمين، أو رخص التشغيل، أو آليات فض المنازعات.

وطالب عبدالغني بإنشاء مناطق ذات طبيعة خاصة لشركات التعهيد، فضلاً عن وجود تمويل ميسر للشركات الصغيرة والمتوسطة التي تمثل أكثر من 30% من صناعة.

760 ألف خريج سنويًا في مصر

الميزة الأساسية لمصر في صناعة التعدين، وفقًا لرأي رئيس(إيتيدا)، وفرة وجودة الخريجين وسرعة تكيفهم مع متطلبات السوق العالمية، منوهًا بأن قطاع التعهيد بات يستوعب كل التخصصات وليس خريجي الهندسة والحاسبات فقط، حيث يمتد ليشمل خريجي مختلف الكليات لتقديم خدمات الأعمال المشتركة بمهارات لغوية فائقة.

ووفقًا للإحصائيات الرسمية، يتخرج سنوياً قرابة الـ 760 ألف طالب من الجامعات والمعاهد العليا في مصر، ما يقرب من 30% منهم من تخصصات علمية وهندسية، وهو ما يمثل قاعدة بشرية ضخمة تبحث عن فرص العمل.

وفي تصريح تخصصي وتقني، شدد الظاهر على أن وزارة الاتصالات والهيئة تعملان على “تحديث مسارات التدريب والدعم لشركات البرمجيات المحلية والعالمية، لضمان أن المهندس أو المتخصص المصري لا يقدم مجرد خدمات تقليدية، بل يشارك في صياغة وتطوير الممارسات التكنولوجية العالمية المستقبلية”.