
أعلن الجيش الإسرائيلي أمس الأحد، أن القوات الإسرائيلية سيطرت على قلعة بوفورت فوق جبل استراتيجي والتي بناها الصليبيون قرب مدينة النبطية جنوب لبنان ورفع علمه عليه، ويعد هذا التوغل الإسرائيلي الأعمق في لبنان منذ أكثر من ربع قرن، وجاء التطور الميداني الخطير، في الوقت الذي غابت رود الأفعال العربية باسثناء التحرك المصري، وبيان للجامعة العربية صُدر اليوم الإثنين، أدانت فيه التوغل الإسرائيلي في لبنان، بينما غابت مواقف غالبية الدول العربية ضد التحركات الإسرائيلية.
ومع إحلال الجيش الإسرائيلي مصطلح “المنطقة الأمنية” محل” المنطقة العازلة”، في خطوة المراد منها إعادة تأطير الوجود العسكري من جنوب الليطاني إلى شمال الليطاني بشكل مقبول في المجتمع الدولي، حيث يهدف الاحتلال الإسرائيلي من وراء التسمية على أنه إجراء دفاعي مؤقت لحماية شمال إسرائيل بدل من التصريح بأنه احتلال مباشرة للأراضي اللبنانية.
ومن المقرر أن يعقد مجلس الأمن الدولي اجتماعًا طارئًا يوم الإثنين لبحث القتال الدائر في لبنان، وذلك بعد سيطرة الجيش الإسرائيلي على قلعة بوفورت التاريخية في الأراضي اللبنانية، وفقًا لمصادر دبلوماسية لوكالة فرانس برس، وقد طلبت فرنسا عقد الاجتماع، حيث صرح الرئيس إيمانويل ماكرون قائلاً:” لا شيء يبرر التصعيد الكبير الجاري في جنوب لبنان”، داعيًا إلى وقف القتال، وبعد محادثات مع قادة إقليميين، أكد “ماكرون” ضرورة التوصل سريعًا إلى اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران.
وتعهد رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، بالتوغل أكثر في لبنان، واصفًا عملية الأحد بأنها “تحول جذري” في الحملة ضد حزب الله، وصرح مسئول أمريكي، رفيع المستوى لوكالة فرانس برس يوم الأحد، بأن وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، تحدث مع الرئيس اللبناني جوزيف عون، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، حول المفاوضات الدبلوماسية الجارية، وأكد على ضرورة أن يكون حزب الله أول من يوقف هجماته.
ولتعزيز هذه المحادثات اقترحت الولايات المتحدة تسلسلاً واضحًا، على حزب الله وقف جميع الهجمات على إسرائيل، وفي المقابل ستمتنع إسرائيل عن التصعيد في بيروت، وعقدت وفود عسكرية من لبنان وإسرائيل محادثات أمنية في واشنطن يوم الجمعة الماضي، ومن المقرر عقد المزيد من المفاوضات بوساطة أمريكية الأسبوع المقبل.

ردود الفعل الدولية والعربية
أصدرت جامعة الدول العربية، بياناً أدان فيه الأمين العام أحمد أبو الغيط “العدوان الإسرائيلي على لبنان”، واعتبر البيان أن الممارسات الإسرائيلية تمثل انتهاكًا سافرًا للسيادة اللبنانية، وخرق خطير للقانون الدولي والقانوني الدولي الإنساني، كما شدد البيان على ضرورة الوقف الفوري للعدوان الذي صار يشكل تهديد خطير للأمن والاستقرار في المنطقة.
كما شدد البيان على أهمية أن يضطلع مجلس الأمن بمسئوليته تجاه إلزام إسرائيل بوقف إطلاق النار وتنفيذ قرار 1701 بالكامل، ويشمل القرار 1701 هو القرار الصادر عن مجلس الأمن الدولي بالإجماع في العام 2006 والذي أنهي العمليات القتالية بين كل من حزب الله والجيش الإسرائيلي، وإقامة منطقة عازلة خالية من السلاح والمسلحين باستثناء الجيش اللبناني وقوات اليونيفيل الأممية، إلى جانب انسحاب القوات الإسرائيلية من المنطقة.
وأكد “أبو الغيط” تضامن الجامعة العربية مع لبنان وشعبه ووقوفها بجانب الدولة اللبنانية في مواجهة تداعيات هذا العدوان، ودعمها لكافة الإجراءات التي تتخذها الحكومة اللبنانية في سبيل استعادة الأمن والاستقرار وبسط سيادة الدولة على كامل أراضيها.

مصر في قلب الحدث
ووصفت مصر هذا التصعيد الإسرائيلي بأنه “عدوان غاشم” و”استباحة كاملة للسيادة اللبنانية”، مؤكدة أنه يعكس نوايا إسرائيلية مبيتة لفرض واقع عسكري جديد على الأرض، في خرق صارخ لقواعد القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.
وقالت وزارة الخارجية المصرية في بيانها:” تدين جمهورية مصر العربية بأشد العبارات التصعيد العسكري الإسرائيلي على الجمهورية اللبنانية الشقيقة والتمادي في العدوان الغاشم”، مشددة على رفضها القاطع لأي مساس بالتراب الوطني اللبناني.
وجددت مصر دعمها الكامل لوحدة الدولة اللبنانية ومؤسساتها الوطنية وسلامة أراضيها، مطالبة بانسحاب إسرائيلي فوري وكامل من كافة الأراضي اللبنانية، وبالتنفيذ الشامل لقرار مجلس الأمن رقم 1701 دون انتقائية، كما شددت على ضرورة تمكين مؤسسات الدولة اللبنانية، وفي مقدمتها الجيش اللبناني، من بسط سيادتها الحصرية على كامل التراب الوطني.
وحذرت مصر من أن استمرار إسرائيل في توسيع رقعة عملياتها العسكرية سيؤدي إلى تفجير الأوضاع في المنطقة، مطالبة مجلس الأمن الدولي والأطراف الدولية الفاعلة بالاضطلاع بمسئولياتها بشكل عاجل وحاسم لوقف العدوان فورًا.
وأكد البيان أن استمرار هذا التصعيد “سيقود إلى مزيد من الفوضى وعدم الاستقرار في المنطقة”، في وقت تبذل فيه أطراف إقليمية ودولية جهودا دبلوماسية حثيثة لخفض التوتر، ويأتي البيان المصري في ظل تصعيد عسكري إسرائيلي مستمر على الحدود الجنوبية اللبنانية.

إيران ما بين القلق والتصعيد
يمثل التقدم الإسرائيلي تحديًاً للاتفاق الناشئ لتمديد وقف إطلاق النار في الحرب مع إيران، إذ تشترط طهران أن يشمل أي اتفاق إنهاء القتال في لبنان أيضًا، بينما وصفت قطر هذا التقدم بأنه “تصعيد خطير”، وبحث وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، في اتصالين هاتفيين مع نظيره الباكستاني وقائد الجيش التطورات الإقليمية، محمد إسحاق دار، وأعرب “عراقجي” عن قلقه إزاء التطورات وانتهاك إسرائيل وقف إطلاق النار في لبنان والهجوم المحتمل علي بيروت، كما أكد “عراقجي” على ضرورة ضمان استمرار وقف إطلاق النار للحيلولة دون انهيار التحالفات القائمة.
بينما صرح مستشار المرشد للشئون العسكرية، أن طهران لن تتسامح مع تصعيد التوتر في لبنان، مؤكدًا أن صبر القوات الإيرانية له حدود، وأعلنت طهران أن فريق التفاوض أوقف تبادل الرسائل مع واشنطن عبر الوسطاء بعد الهجمات على لبنان، وأعلن المفاوضون الإيرانيون أن المحادثات لن تستأنف إلا إذا تمت تلبية طلبات طهران بشأن المقاومة، ووضعت كلا من إيران والمقاومة على جدول أعمالهما تفعيل جبهات أخرى من ضمنها مضيق باب المندب.

الدول الأوروبية.. النبرة المعتادة
في ألمانيا قال وزير الخارجية الألماني، يوهان فاديفول، وفقا لوكالة الأنباء الألمانية “د ب أ” إزاء توغل الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان، إنه دعا جميع الأطراف إلى وقف إطلاق النار، وجاء في البيان:” إن توغل الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان يثير قلقاً بالغًا”، مضيفًا:” أن أي تصعيد إضافي سيزيد الوضع المتوتر أصلاً سوءًا، وسيؤدي إلى موجات نزوح جديدة داخل لبنان”، ولم يصدر أي تعليق من الولايات المتحدة.
أما بريطانيا، فقد دعت وزيرة الخارجية البريطانية، إيفيت كوبر، إلى وقف العمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان، حيث قالت إيفيت كوبر يوم الأحد، إن تصعيد العمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان أدى إلى مقتل وتشريد مدنيين، وتدمير البنية التحتية وتضييق الخناق على الحوار الدبلوماسي، ولذا يجب وضع حد له.
وأضافت “كوبر” في منشور لها على موقع X:” يجب على جميع الأطراف احترام وقف إطلاق النار والانخراط في المفاوضات بحسن نية”، مشيرةً إلى ضرورة أن يوقف حزب الله هجماته على إسرائيل”.

الوضع بين إسرائيل وحزب الله.. لعبة الدجاجة والبيضة
أصدر الجيش الإسرائيلي إنذارًا لسكان الضاحية الجنوبية في بيروت بالإخلاء، وأعلن أنه إذا استمر حزب الله في استهداف إسرائيل بالصواريخ ، فإنه سيرد بضرب أهداف في الضاحية الجنوبية، وأبلغ نبيه بري، الرئيس عون، والسفير الأمريكي، التزام حزب الله بوقف شامل ومتبادل لإطلاق النار، شريطة التزام إسرائيل بوقف إطلاق النار، بينما جاء الرد الإسرائيلي بتصعيد الاعتداءات علي مقترح وقف إطلاق النار.ما يعني عدم وجود النية لدى تل أبيب لوقف الاعتداءات في الوقت القريب بأي حال من الأحوال.
تقبع المنطقة الآن على حافة الهاوية مع استمرار العمليات العسكرية وتصاعد الخطاب السياسي من كل الأطراف، إن السيطرة على قلعة بوفور وما تبعها من تصريحات وتداعيات، تضع المنطقة أمام تحديات أمنية وإنسانية غير مسبوقة، ما يزيد من الحاجة الملحة للتدخلات الدبلوماسية الفعالة لمنع المزيد من التصعيد.







