هل تُنقذ طاقة الرياح حرق الغاز في محطات الكهرباء وتوفر ملايين الدولارات من استيراد الوقود؟

مشروع “سويز ويند إنرجي” لتوليد كهرباء الرياح يمنح مصر نصف إنتاج السد العالي

بينما تواجه مصر تحديات متزايدة في توفير احتياجاتها من الطاقة وتأمين إمدادات الغاز الطبيعي، لاسيما في فصل الصيف والذي يشهد ارتفاع قياسي في استهلاك الكهرباء ومن ثم استهلاك قياسي للغاز الطبيعي، تتجه الأنظار نحو طاقة الرياح باعتبارها أحد أهم الحلول القادرة على تخفيف الضغط على موارد الوقود التقليدية، بخاصة في ظل الارتفاع المستمر لأسعار الوقود عالميا في ظل الظروف الجيوسياسية العالمية التي توثر على امتداد الطاقة حول العالم، وليس ارتفاع أسعارها فقط، وهو ما يضع إبعادا استراتيجية للمشروع في تأمين مصادر الطاقة.

ومع امتلاك مصر واحدًا من أفضل مواقع الرياح في العالم، خاصة بمنطقة خليج السويس، تتسارع وتيرة المشروعات العملاقة لإنتاج الكهرباء من الرياح، وسط وعود بتوفير مئات الملايين من الأمتار المكعبة من الغاز سنويًا وخفض فاتورة استيراد الوقود.

إنتاج 3022 ميجاوات من طاقة الرياح

ووفقًا لوزارة الكهرباء والطاقة المتجددة، تُنتج مصر قدرات من طاقة الرياح تُقدر بـ 3022 ميجا وات منها 1372 ميجا وات ملك هيئة الطاقة المتجددة و1650 ميجا وات مملوكة للقطاع الخاص.

التوسع في إنتاج محطات الطاقة من الرياح مستمر، وكان أخر الخطوات لدخول محطة عملاقة للخدمة، تمثل في وصول شحنات توربينات الرياح الخاصة بمشروع “سويز ويند إنرجي العملاق” بمنطقة خليج السويس والذي تنفذه شركة أكوا باور السعودية باستثمارات تصل إلى نحو 1.5 مليار دولار ، بالتعاون مع “HAU-Energy” المملوكة لحسن علام للرافق وشركاء أوربيين وتقد عمليات التنفيذ شركة “باور تشاينا” الصينية والتي تعد من أكبر الطاقة والبنية التحتية في العالم. وتبلغ إنتاجية المشروع 1100 ميجاوات ليصبح أكبر مشروع رياح قيد التنفيذ في مصر، وأحد أكبر مشروعات الرياح البرية في الشرق الأوسط وإفريقيا.

ويعد المشروع الواعد أمل جديد لمصر في إنتاج الكهرباء، وتتعدى مكاسبه الجوانب الاقتصادية فقط، بل تمتد لجواتب سياسية وبيئة أيضا، لتوفير ملايين الدولاتمن فاتورة استيراد الطاقة، علما بأن المشروع الذي يخطط له إنتاج 1100 ميجاوات، يعد رقما كبيرا في إنتاج الكهرباء، وهو رقم يصل إلى نصف إنتاج السد العالي من الكهرباء والذي يصل إلى 2200 ميجا وات. ويمهد بذلك الطريق لمشروعات جديدة في منطقة خليج قناة السويس المتميزة في إنتاج الطاقة من الرياح.

ويضم المشروع نحو 138 توربينة رياح بقدرات تصل إلى حوالي 8 ميجاوات للتوربينة الواحدة مع ارتفاعات تقترب من 210 أمتار ما يجعلها من بين أكبر التوربينات البرية المستخدمة حاليًا في العالم.

طاقة الرياح ستستحوذ على 46% من إجمالي إنتاج الكهرباء

تنوع مزيج الطاقة مهم لا محالة، ولكن كم تستفيد مصر من محطات إنتاج الرياح في مقابل توفير الغاز المستهلك في إنتاج الكهرباء من المحطات التقليدية؟، وهو ما عقب عليه الدكتور حافظ سلماوي، أستاذ هندسة الكهرباء والطاقة بجامعة الزقازيق، ورئيس جهاز مرفق الكهرباء الأسبق، بأن طاقة الرياح ستكون المكون الرئيسي في مزيج الطاقة خلال السنوات المقبلة.

استراتيجية الطاقة حتى عام 2040 تشير إلى أن طاقة الرياح ستستحوذ على نحو 46% من إجمالي إنتاج الكهرباء، يضيف سلماوي في تصريحه لـ”ليبرالي”، في مقابل 20% للطاقة الشمسية، بما يرفع إجمالي مساهمة الطاقة المتجددة إلى نحو 65%، إضافة إلى نحو 8% من الطاقة النووية، فيما يستمر الغاز الطبيعي كمصدر مكمل.

ويؤكد رئيس جهاز مرفق الكهرباء الأسبق، أن محطات الرياح في مصر حاليًا ارتفع إنتاجها لـ 3034 ميجاوات، ولكنها لا تعمل بكامل قدرتها طوال الوقت، بينما قدرة عملها تتراوح يوميًا ما بين 35% و40% في مناطق مثل خليج السويس.

توفير 800 مليون متر مكعب من الغاز سنويًا

وفيما يخص الأرقام، أفاد سلماوي بأن 3000 ميجا وات من طاقة الرياح تُنتج كمية كهرباء تتراوح ما بين  9.3 إلى 10.6 مليار كيلووات/ساعة سنوياً، موضحًا أن هذا الحجم من الكهرباء يوفر كمية من الغاز الطبيعي تتراوح ما بين 600 إلى 800 مليون متر مكعب من الغاز الطبيعي سنويًا مقارنة بإنتاج الكمية نفسها من الكهرباء عبر محطات الغاز الحديثة.

وأوضح سلماوي، أن نسبة مساهمة الطاقة المتجددة تبلغ حاليًا نحو 15%، ومن المخطط أن تصل إلى 34% بحلول عام 2030، مشيرا إلى أن الرقم المتداول 42% يشمل إجمالي الطاقة النظيفة بما في ذلك الطاقة النووية، وليس الطاقة المتجددة فقط.

كما أكد سلماوي على أن تسريع تحقيق هذه المستهدفات يواجه تحديات زمنية، خاصة أن مشروعات طاقة الرياح تستغرق ما بين 48 إلى 52 شهرا للتنفيذ، متابعًا بأن مصر تمتلك إمكانيات كبيرة في مجالي الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، وهو ما تؤكده الدراسات الخاصة بخطة الطاقة المتجددة، التي حددت أفضل المواقع من حيث الموارد الطبيعية وتكلفة الإنتاج والربط بالشبكة.

الكهرباء تستهلك الجزء الأكبر من الغاز في مصر

وفي السياق ذاته، قال الدكتور محمد السبكي، خبير الطاقة والرئيس الأسبق لهيئة الطاقة الجديدة والمتجددة، إن طاقة الرياح أصبحت أحد أهم المصادر الاستراتيجية لتوليد الكهرباء في مصر، خاصة في ظل تزايد الطلب على الطاقة وارتفاع تكلفة الوقود التقليدي.

أهم فائدة لطاقة الرياح وفقًا لما أكده السبكي في تصريحه لـ”ليبرالي”، تتمثل في توفير الغاز الطبيعي المستخدم في محطات الكهرباء، مشيرًا إلى أن قطاع الكهرباء يستهلك الجزء الأكبر من إنتاج الغاز في مصر، وبالتالي فإن كل زيادة في إنتاج الكهرباء من الرياح تعني خفض كميات الوقود التي يتم حرقها يوميًا، وإتاحة كميات أكبر من الغاز للصناعة أو التصدير.

وأضاف السبكي أن مصر تمتلك ميزة تنافسية كبيرة في هذا المجال، حيث تعد منطقة خليج السويس من أفضل مناطق العالم من حيث سرعة الرياح وانتظامها، وهو ما يسمح بإنتاج الكهرباء بتكلفة منخفضة مقارنة بالعديد من الدول الأخرى.

تقليل الاعتماد على الوقود الذي تتأثر أسعاره بالتقلبات العالمية

التوسع في مشروعات الرياح يحقق فوائد اقتصادية مباشرة، يضيف الرئيس الأسبق لهيئة الطاقة الجديدة والمتجددة ، من بينها جذب استثمارات أجنبية بمليارات الدولارات، وتوفير فرص عمل جديدة في مجالات الإنشاءات والتشغيل والصيانة، فضلاً عن دعم الصناعات المغذية المرتبطة بمكونات محطات الرياح.

وأشار السبكي إلى أن طاقة الرياح تسهم أيضًا في تعزيز أمن الطاقة المصري، إذ تقلل الاعتماد على الوقود الأحفوري الذي تتأثر أسعاره بالتقلبات العالمية، كما تساعد على تنويع مصادر إنتاج الكهرباء وتخفيف الضغط على الشبكة القومية خلال فترات الذروة.

ولفت إلى أن الفوائد البيئية لا تقل أهمية عن الفوائد الاقتصادية، إذ تساهم مشروعات الرياح في خفض الانبعاثات الكربونية وتقليل التلوث الناتج عن حرق الوقود التقليدي، وهو ما يدعم التزامات مصر الدولية في مواجهة التغيرات المناخية.

وشدد على أن المستقبل يشهد دورًا أكبر لطاقة الرياح في مزيج الطاقة المصري، خاصة مع المشروعات العملاقة الجاري تنفيذها في خليج السويس والبحر الأحمر، والتي ستسهم في رفع مساهمة الطاقة المتجددة بشكل كبير خلال السنوات المقبلة.