لماذا لا تنصت الحكومة؟ حزب العدل حذر من انخفاض إنتاج الغاز وتوقعاته أصدق من وزارة البترول

لماذا لا تنصت الحكومة للتحذيرات المبكرة؟ سؤال يفرض نفسه بقوة مع تكشف ملامح أزمة الغاز والطاقة التي حذر منها خبراء وباحثون قبل أشهر، لكن تلك التحذيرات لم تجد آذانًا صاغية بالقدر الكافي.

فبينما كانت التقديرات الرسمية تراهن على تعافي سريع للإنتاج وقدرة المنظومة على تلبية احتياجات الصيف دون أزمات، قدم مركز العدل للدراسات والسياسات العامة، التابع لحزب العدل، قراءة مختلفة استندت إلى تحليل البيانات والمؤشرات الفعلية، محذرًا من فجوة محتملة بين الإنتاج والاستهلاك ومن تداعياتها على إمدادات الطاقة والكهرباء. واليوم، ومع تقارب الواقع الفعلي مع ما انتهت إليه تلك التحليلات، يعود التساؤل مجددًا، هل كانت الأزمة حتمية، أم أن الإنصات المبكر للأرقام والتحذيرات كان كفيلا بتقليل كلفتها وتداعياتها؟ وبينما تتكشف الحقائق تباعا، تطرح تجربة ملف الطاقة درسا مهما حول أهمية الاستناد إلى البيانات والقراءات العلمية في صنع السياسات العامة، بدلا من التعويل على التقديرات المتفائلة وحدها.

عادت التقديرات الحكومية الصادرة من وزارة البترول، الخاصة بمستقبل إنتاج الغاز في مصر إلى دائرة الجدل مجددا، بعد أن أظهرت البيانات الفعلية فجوة واسعة بين ما كان يتوقع تحقيقه وما تحقق على أرض الواقع. وبينما راهنت الحكومة خلال عام 2024 على عودة الإنتاج إلى مستويات تقارب 5.5 مليار قدم مكعب يوميًا بحلول صيف 2025، كشفت الأرقام الرسمية الصادرة لاحقا استمرار التراجع ليصل الإنتاج إلى نحو 3.9 مليار قدم مكعب يوميا بنهاية عام 2025. وفي المقابل، برزت تقديرات بحثية مستقلة كانت قد حذرت مبكرا من صعوبة تحقيق السيناريو المتفائل، مؤكدة أن مسار الإنتاج يتجه إلى مستويات أقل بكثير من المستهدفات المعلنة، وهو ما أعاد طرح تساؤلات حول دقة التقديرات الرسمية وآليات التخطيط لملف الغاز واستعدادات الدولة لتأمين احتياجاتها من الطاقة خلال الفترات المقبلة.

الباحث والمتخصص في شئون الطاقة وعضو الهيئة العليا لحزب العدل محمد عطية، أكد أن السياسات العامة تكتسب قيمتها الحقيقية من قدرتها على قراءة الواقع كما هو، لا كما نأمل أن يكون، مشيرًا إلى أن الملفات الاستراتيجية، وعلى رأسها ملف الطاقة، تتطلب دقة في التشخيص باعتبارها شرطًا أساسيًا لصحة القرار، لأن الفجوة بين التوقعات والواقع لا تنعكس فقط على الأرقام، بل تمتد آثارها إلى التخطيط والاستثمار وإدارة الموارد وتوقعات المواطنين.

وأوضح عطية في تصريحات لـ”ليبرالي” أنه خلال العامين الماضيين، كان ملف الغاز الطبيعي أحد أكثر الملفات حضورًا في النقاش العام المصري، في ظل تراجع الإنتاج المحلي وارتفاع الطلب وتزايد الضغوط على منظومة الطاقة. وأضاف أنه في الوقت الذي سادت فيه تقديرات متفائلة بشأن سرعة تعافي الإنتاج وعودته إلى مستويات مرتفعة خلال عام 2025، تبنى مركز العدل للدراسات والسياسات العامة قراءة مختلفة، استندت إلى تحليل مؤشرات الإنتاج الفعلية، ومعدلات التناقص الطبيعي للحقول، وتحديات الاستثمار والتطوير، فضلًا عن اتجاهات الاستهلاك المحلي.

وأشار إلى أن المركز أصدر في مارس 2025 ورقته البحثية حول “موقف إمدادات الغاز واستعدادات صيف 2025″، والتي قدمت تقديرات وتحليلات مبنية على البيانات المتاحة آنذاك، وسعت إلى رسم صورة واقعية للتحديات التي تواجه قطاع الغاز المصري. وأكد أن الورقة لم تنطلق من افتراضات نظرية أو مواقف مسبقة، بل من قراءة فنية وموضوعية للبيانات والمؤشرات المتاحة، في إطار الدور الذي تقوم به مراكز الفكر والسياسات في استشراف التحديات المستقبلية وإثراء النقاش العام.

وأضاف عطية أنه بعد صدور بيانات الإنتاج الفعلية، تبدو الصورة اليوم أكثر وضوحًا، إذ جاءت النتائج أقرب بصورة ملحوظة إلى ما طرحته الورقة البحثية مقارنة بالتوقعات الأكثر تفاؤلًا التي طُرحت في مراحل سابقة. وأوضح أن أهمية هذه النتيجة لا تكمن في إثبات صحة تقدير على حساب آخر، وإنما في تأكيد قيمة المنهج العلمي في تناول القضايا العامة، لافتًا إلى أن المجتمعات التي تسعى إلى تحسين جودة السياسات لا تحتاج إلى المزيد من الخطابات المطمئنة بقدر حاجتها إلى المزيد من التحليل الدقيق والمعلومات الموثقة والقدرة على مواجهة الحقائق كما هي.

وشدد على أن البيانات ليست خصمًا لأحد، وإنما هي الأداة الأهم لتصحيح المسار وتوجيه القرار، موضحًا أن الدكتور محمد فؤاد، رئيس مركز العدل للدراسات والسياسات العامة، وفريق العمل المتخصص، دأبوا على تناول هذا الملف في العديد من المقالات والحوارات واللقاءات الإعلامية خلال الفترة الماضية، مؤكدين أهمية التعامل مع مؤشرات قطاع الغاز بمنهجية علمية تستند إلى البيانات والحقائق المتاحة.

وأشار إلى أن المركز حرص على إتاحة أوراقه البحثية وتحليلاته للرأي العام ولجميع الجهات المعنية، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن المعرفة الدقيقة يجب أن تكون متاحة للجميع، وأن النقاش العام الرشيد يبدأ من المعلومات والبيانات لا من الانطباعات أو التقديرات غير المدعومة بالأدلة.

وأكد عطية أن هذه التجربة تبرز كذلك أهمية الدور الذي يمكن أن تلعبه الأحزاب السياسية الجادة ومراكز الفكر في دعم عملية صنع السياسات العامة، موضحًا أن الحزب السياسي لا ينبغي أن يقتصر دوره على المنافسة الانتخابية أو التعبير عن المواقف السياسية، بل يمتد إلى إنتاج المعرفة وصياغة البدائل وتقديم قراءات مستقلة للقضايا الوطنية. وأضاف أنه عندما يستند العمل الحزبي إلى البحث والتحليل والبيانات، فإنه يصبح شريكًا حقيقيًا في تطوير السياسات العامة وتعزيز الشفافية وترشيد النقاش المجتمعي.

وأوضح أن ورقة مركز العدل صدرت في وقت كانت فيه الحاجة ملحة إلى تقدير واقعي لحجم التحديات التي تواجه قطاع الغاز، مؤكدًا أن الهدف منها لم يكن توجيه النقد أو تسجيل موقف سياسي أو البحث عن سبق إعلامي، وإنما المساهمة في بناء فهم أكثر دقة للمشهد، وإتاحة المعلومات والتحليلات للرأي العام وصناع القرار على حد سواء، لأن التحديات الكبرى لا تُدار بالمفاجآت وإنما بالاستعداد المبكر والقراءة الصحيحة للاتجاهات.

وأضاف أنه مع تقارب النتائج الفعلية مع ما انتهت إليه الورقة من استنتاجات، تتأكد أهمية الدور الذي تقوم به الأحزاب ومراكز الفكر في دعم المجال العام بمساهمات جادة تستند إلى البحث والتحليل، لافتًا إلى أن الديمقراطيات الحديثة لا تقوم فقط على المنافسة السياسية، بل تقوم أيضًا على وجود مؤسسات قادرة على إنتاج المعرفة وتقديم البدائل وطرح الأسئلة الصعبة قبل أن تتحول إلى أزمات.

وأشار عطية إلى أن الدرس الأهم من هذه التجربة يتمثل في أن المواطن يستحق أن تُعرض عليه الحقائق كاملة، وأن تُناقش القضايا الوطنية الكبرى بمنتهى الشفافية والدقة، بعيدًا عن المبالغة أو التهوين، مؤكدًا أن المصارحة لا تُضعف الثقة بل تعززها، وأن الاعتراف بالتحديات لا يمثل مصدر قلق بقدر ما يمثل نقطة البداية الحقيقية نحو التعامل معها.

واختتم خبير الطاقة وعضو الهيئة العليا بحزب العدل تصريحاته بالتأكيد على أن ما قدمه مركز العدل في هذا الملف لم يكن تنبؤًا بقدر ما كان تطبيقًا لمنهج واضح يقوم على تحليل البيانات وقراءة المؤشرات وبناء السيناريوهات. وأضاف أنه عندما تنحاز الأرقام لاحقًا إلى هذه القراءة، فإن الرسالة لا تتعلق بصحة تقدير بعينه، وإنما بأهمية ترسيخ ثقافة السياسات المبنية على الأدلة داخل المجال العام المصري.

وأكد أن التقديرات والرؤى قد تختلف، لكن الحقائق تظل الحكم النهائي، وأن اتساع مساحة البحث الجاد والنقاش المستند إلى البيانات يجعل الدولة أكثر قدرة على التخطيط، ويجعل المجتمع أكثر قدرة على الفهم والمشاركة. واختتم بالتأكيد على أن هذه هي الغاية التي سعى إليها حزب العدل ومركز العدل للدراسات والسياسات العامة منذ البداية، وهي تقديم معرفة عامة موثوقة تسهم في دعم القرار، وترشيد النقاش، وخدمة المصلحة الوطنية.