
على وقع دوي الأسلحة الثقيلة وتصاعد أعمدة الدخان فوق أحياء مقديشو، دخلت الصومال أخطر أزمة سياسية وأمنية منذ سنوات، بعدما تحولت الخلافات حول مستقبل السلطة والانتخابات إلى مواجهات مسلحة داخل العاصمة.
شهدت مدينة مقديشو، خلال الساعات الماضية، اشتباكات عنيفة بين قوات حكومية ومجموعات مسلحة موالية لقيادات المعارضة، ما أدى إلى حالة من الذعر بين المدنيين ونزوح عدد من الأسر من مناطق التوتر، وسط مخاوف متزايدة من اتساع دائرة المواجهات وتحولها إلى أزمة وطنية مفتوحة.
وتأتي هذه التطورات في وقت تعيش فيه البلاد حالة من الاستقطاب السياسي الحاد عقب انتهاء الولاية الدستورية للرئيس حسن شيخ محمود الشهر الماضي، وما تبع ذلك من جدل واسع بشأن التعديلات الدستورية التي أقرتها المؤسسات الرسمية خلال الأشهر الأخيرة، والتي تتيح تمديد المرحلة الحالية وتأجيل الانتخابات، وهو ما تعتبره المعارضة محاولة لإعادة تشكيل قواعد اللعبة السياسية بعيدًا عن التوافق الوطني الذي استندت إليه العملية السياسية الصومالية منذ سنوات.

وشهدت الساعات الأخيرة تصعيدًا غير مسبوق بعدما اتهم الرئيس الصومالي الأسبق شريف شيخ أحمد وقادة معارضون القوات الحكومية باستهداف مقار ومنازل شخصيات سياسية بارزة داخل العاصمة، كما تحدثت المعارضة عن استخدام أسلحة ثقيلة وطائرات مسيرة في مناطق مأهولة بالسكان، بينما لم تصدر الحكومة رواية تفصيلية بشأن تلك الاتهامات، وأدى تصاعد الاشتباكات إلى إغلاق عدد من الطرق الرئيسية وانتشار قوات إضافية في أحياء استراتيجية داخل مقديشو، في مشهد أعاد إلى الأذهان فترات التوتر السياسي التي شهدتها البلاد خلال الأعوام الماضية.
ورغم أن الأزمة الحالية تبدو مرتبطة بملف الانتخابات وتمديد الفترة الرئاسية، فإن جذورها أعمق من ذلك بكثير، فالصراع الدائر يعكس خلافًا متراكمًا حول شكل النظام السياسي ومستقبل الدولة الفيدرالية وتوزيع الصلاحيات بين الحكومة المركزية والولايات الإقليمية.
فمنذ عودته إلى السلطة عام 2022، طرح الرئيس حسن شيخ محمود مشروعًا لإجراء إصلاحات دستورية وانتخابية واسعة تهدف إلى الانتقال نحو نظام انتخابي مباشر يقوم على مبدأ “صوت واحد لكل مواطن”، بدلاً من نظام المحاصصة العشائرية المعمول به منذ سنوات.
وترى الحكومة أن هذا التحول يمثل خطوة ضرورية لبناء مؤسسات دولة حديثة وتعزيز شرعية النظام السياسي، إلا أن المعارضة تعتبر أن هذه التغييرات تتم بصورة أحادية ومن دون توافق وطني شامل، وهو ما يهدد التوازنات السياسية والعشائرية الحساسة التي قامت عليها الدولة الصومالية بعد سنوات طويلة من الحرب والانقسام.
وتزداد حساسية الأزمة الحالية بسبب توقيتها، إذ تأتي بينما تخوض الحكومة الصومالية معارك مستمرة ضد حركة الشباب المرتبطة بتنظيم القاعدة، فخلال السنوات الأخيرة حققت القوات الحكومية، بدعم من شركاء إقليميين ودوليين، تقدماً نسبياً في مواجهة الحركة المسلحة، إلا أن الانقسامات السياسية الحالية قد تمنح الحركة فرصة لإعادة تنظيم صفوفها واستغلال حالة الاستقطاب داخل مؤسسات الدولة.

وتعكس ردود الفعل الإقليمية والدولية حجم القلق من تداعيات التصعيد، فقد أعربت مفوضية الاتحاد الأفريقي عن قلقها البالغ إزاء الاشتباكات التي شهدتها مقديشو، داعية كافة الأطراف إلى الوقف الفوري للأعمال القتالية وممارسة أقصي درجات ضبط النفس والاحتكام إلى الحوار السياسي
وأكد الاتحاد الأفريقي أن حماية المدنيين والحفاظ على الاستقرار يجب أن يكونا أولوية قصوى في هذه المرحلة الحساسة.
كما أصدرت الهيئة الحكومية للتنمية في شرق أفريقيا “ إيجاد”، بيانًا دعت فيه الأطراف الصومالية إلى تجنب التصعيد والعودة إلى المسار السياسي، محذرة من أن استمرار المواجهات قد يؤدي إلى تقويض المكاسب التي تحققت خلال السنوات الماضية على صعيد بناء مؤسسات الدولة وتعزيز الأمن والاستقرار.
أما الولايات المتحدة وبريطانيا وعدد من الشركاء الدوليين، فقد شددوا على ضرورة حل الخلافات عبر الوسائل السلمية، مؤكدين أن الصومال لا يمكنه تحمل موجة جديدة من عدم الاستقرار في ظل التحديات الأمنية والاقتصادية التي تواجهها البلاد.
كما حذرت بعثات دبلوماسية غربية من أن استمرار المواجهات قد يؤثر على جهود مكافحة الإرهاب وعلى برامج الدعم الدولي الموجهة للحكومة الصومالية.

وتشير قراءة المشهد الحالي إلى أن الأزمة تتجاوز شخص الرئيس حسن شيخ محمود أو موعد الانتخابات المقبلة، لتلامس سؤالاً جوهريًا يتعلق بطبيعة الدولة الصومالية نفسها، فهناك تيار يرى ضرورة تعزيز سلطة الحكومة المركزية وإجراء إصلاحات دستورية واسعة، في حين تتمسك قوى أخرى بالحفاظ على التوازنات الفيدرالية القائمة خشية عودة النزعات السلطوية أو تهميش بعض الأقاليم والقوى السياسية.
وتبدو فرص التوصل إلى تسوية سياسية قائمة، لكنها تواجه تحديات كبيرة في ظل تراجع الثقة بين الأطراف المتنافسة، فالمعارضة تطالب بضمانات واضحة بشأن مستقبل العملية الانتخابية وإلغاء الإجراءات التي تعتبرها غير دستورية، بينما تؤكد الحكومة أن الإصلاحات الجارية تمثل جزءاً من مشروع وطني لا يمكن التراجع عنه.
وفي ضوء هذه المعطيات، تبدو مقديشو أمام مفترق طرق حاسم، فإما أن تنجح جهود الوساطة المحلية والإقليمية في إعادة الأطراف إلى طاولة الحوار واحتواء التوتر قبل تحوله إلى صراع أوسع، وإما أن تدخل البلاد مرحلة جديدة من الاستقطاب السياسي والأمني قد تعيد إنتاج أزمات الماضي.
وبين هذين الاحتمالين يبقى المواطن الصومالي هو الطرف الأكثر تأثراً، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى الاستقرار والتوافق أكثر من أي وقت مضى لمواجهة الإرهاب والأزمات الاقتصادية وتحديات بناء الدولة.
ومع استمرار التحركات الدبلوماسية والضغوط الدولية لاحتواء الأزمة، يظل السؤال الأبرز مطروحاً: هل تستطيع النخبة السياسية الصومالية استيعاب دروس العقود الماضية وتغليب منطق التسوية، أم أن الخلافات الحالية ستقود البلاد إلى جولة جديدة من الصراع قد تكون لها تداعيات تتجاوز حدود الصومال إلى منطقة القرن الأفريقي بأكملها؟











