
أكد النائب الدكتور محمد فؤاد، الخبير الاقتصادي، رئيس الهيئة البرلمانية لحزب العدل بمجلس النواب، أن توجه الحكومة المصرية نحو التحول من منظومة الدعم العيني التقليدية إلى منظومة الدعم النقدي المشروط أو ما يعرف بـ”الدعم شبه النقدي” يمثل أحد أهم مسارات الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي المطروحة حالياً، مشيراً إلى أن هذا النموذج يحقق قدراً أكبر من الكفاءة في توجيه الدعم ويحد من الهدر الذي تعاني منه النظم التقليدية.
وأوضح فؤاد، خلال مداخلة هاتفيه ببرنامج “يحدث في مصر”، تقديم الاعلامي شريف عامر، أن هناك خلطاً لدى قطاع من المواطنين بين مفهوم الدعم النقدي المباشر ومفهوم الدعم النقدي المشروط، مؤكداً أن ما يتم تداوله حالياً لا يتعلق بمنح المواطنين أموالاً نقدية قابلة للسحب والإنفاق بحرية كاملة، وإنما بمنظومة رقمية تتيح للمستفيدين الحصول على قيمة الدعم في صورة رصيد مخصص لشراء السلع الأساسية فقط.
وأضاف أن نظم الدعم النقدي تنقسم إلى نوعين رئيسيين؛ الأول هو “الدعم النقدي المباشر” (Cash Transfer)، وهو النموذج المستخدم في برامج الحماية الاجتماعية مثل “تكافل وكرامة”، حيث يحصل المستفيد على مبلغ مالي يمكنه التصرف فيه بصورة مباشرة، أما النوع الثاني فهو “الدعم شبه النقدي” (Semi-Cash)، والذي يعتمد على منح المستفيد قيمة مالية إلكترونية مرتبطة ببطاقة ذكية، ولا يمكن استخدامها إلا في شراء السلع المحددة داخل المنظومة.
وأشار إلى أن التصور الأقرب للتطبيق في مصر خلال المرحلة المقبلة يعتمد على تحميل قيمة الدعم على بطاقة التموين أو على الكارت الموحد الذي يجري العمل على تعميمه ضمن منظومة التحول الرقمي، بحيث يتم تحديد قيمة مالية لكل أسرة وفقاً لعدد أفرادها، ثم تُستخدم هذه القيمة في شراء السلع من المنافذ المعتمدة.
مرونة أكبر للمواطنين
وأوضح الخبير الاقتصادي أن إحدى أبرز مزايا النظام المقترح تتمثل في منح الأسر المستفيدة حرية أكبر في اختيار احتياجاتها الفعلية من السلع، بدلاً من الاقتصار على قائمة محدودة من المنتجات المدعومة.
وقال إن المنظومة الحالية ترتكز بصورة أساسية على عدد محدود من السلع الرئيسية، بينما يتيح النظام الجديد إمكانية توسيع سلة السلع المتاحة أمام المواطنين، بما يسمح لكل أسرة بتحديد أولوياتها الشرائية وفقاً لاحتياجاتها الفعلية وظروفها المعيشية.
وأضاف أن هذا التوسع من شأنه أن يرفع من كفاءة الإنفاق الاجتماعي ويحقق عدالة أكبر في توزيع المنافع، خاصة في ظل اختلاف أنماط الاستهلاك بين الأسر المصرية.
تقليل الهدر وتحسين كفاءة الدعم
وأكد فؤاد أن أحد الأهداف الرئيسية من التحول إلى النظام الجديد يتمثل في الحد من صور الهدر والتسرب التي قد تنشأ في منظومات الدعم العيني التقليدية.
وأوضح أن منظومة الخبز الحالية، على سبيل المثال، تعتمد على تحمل الدولة الجزء الأكبر من تكلفة إنتاج الرغيف، بينما يدفع المواطن جزءاً محدوداً من التكلفة، وهو ما يستلزم وجود حلقات متعددة بين الدولة والمنتج والمستهلك، الأمر الذي قد يخلق فرصاً للهدر أو عدم الكفاءة.
وأشار إلى أن النظام شبه النقدي يسهم في تبسيط دورة الدعم من خلال تحويل القيمة مباشرة إلى المستفيد النهائي عبر بطاقة إلكترونية، بما يسمح برقابة أفضل على حركة الدعم ويعزز من قدرة الدولة على قياس أثره الحقيقي على الأسر المستحقة.
منافذ صرف أكثر تنوعاً
ولفت فؤاد إلى أن التصور المطروح للمنظومة الجديدة لا يقتصر على البقالين التموينيين التقليديين فقط، وإنما قد يفتح المجال أمام شبكة أوسع من المنافذ التجارية وسلاسل البيع المختلفة للتعامل مع بطاقات الدعم، بما يتيح للمواطنين خيارات أوسع ويزيد من مستوى المنافسة بين المنافذ المختلفة.
وأكد أن زيادة عدد منافذ الصرف من شأنها تحسين جودة الخدمات المقدمة للمستفيدين، وتسهيل حصولهم على احتياجاتهم اليومية، فضلاً عن تعزيز كفاءة السوق وتقليل الأعباء المرتبطة بعمليات التوزيع.
تأييد واسع لفكرة التحول
وأشار الدكتور محمد فؤاد إلى أنه يتفق بدرجة كبيرة مع التوجه الحكومي نحو إصلاح منظومة الدعم، موضحاً أن نسبة تأييده للفكرة تصل إلى نحو 95% من حيث المبدأ، باعتبارها خطوة تستهدف تطوير آليات الحماية الاجتماعية وضمان وصول الدعم إلى مستحقيه بصورة أكثر كفاءة.
وفي الوقت نفسه، شدد على أهمية الإعلان عن التفاصيل التنفيذية الكاملة للمنظومة الجديدة، بما يضمن وضوح الرؤية أمام المواطنين ويعزز من الثقة في إجراءات التحول المرتقبة.
وأكد أن نجاح أي عملية إصلاح للدعم يتطلب توافر قواعد بيانات دقيقة، وآليات رقابية فعالة، وقدرة على تحديث المعلومات بصورة مستمرة، إلى جانب توفير ضمانات كافية لحماية الفئات الأكثر احتياجاً من أي آثار انتقالية قد تنتج عن تطبيق النظام الجديد.
وأكد أن الهدف الأساسي لأي تطوير في منظومة الدعم يجب أن يظل مرتبطاً بتحسين مستوى معيشة المواطنين وتعزيز العدالة الاجتماعية، مع ضمان وصول الموارد العامة إلى المستحقين عنه الفعليين بأعلى درجات الكفاءة والشفافية.
مطالبة بمحاسبة المسؤولين عن أزمة تأخر معاشات 45 ألف مستحق
في سياق آخر ، طالب الدكتور محمد فؤاد، بفتح تحقيق في أزمة تأخر صرف المعاشات لنحو 45 ألف مستحق من الخارجين الجدد على المعاش، داعياً إلى محاسبة المسؤولين عن الخلل الذي صاحب تطبيق النظام الإلكتروني الجديد للتأمينات.
وقال فؤاد، في مداخلته إن مقارنة عدد الحالات المتأثرة البالغ 45 ألف ملف بإجمالي 11 مليون مستفيد من المعاشات غير دقيقة، موضحاً أن الرقم يتعلق بالملفات الجديدة التي دخلت المنظومة مؤخراً، والتي تُقدَّر بنحو 200 ألف حالة، ما يعني أن نسبة المتضررين تمثل قرابة ربع هذه الشريحة.
وأضاف أن الأزمة لا يمكن التقليل من حجمها، خاصة أن بعض المستحقين انتظروا لأكثر من ستة أشهر للحصول على مستحقاتهم، مؤكداً أن 45 ألف أسرة رقم كبير يستدعي تدخلاً عاجلاً ومحاسبة واضحة للمسؤولين عن التأخير.
وأشار فؤاد إلى أن مشروعات التحول الرقمي ونقل البيانات الضخمة في المؤسسات الكبرى تعتمد على خطط تشغيل واختبارات دقيقة وآليات للعودة إلى النظام السابق في حال حدوث أخطاء، معتبراً أن تعطل صرف المعاشات بهذا الحجم يكشف عن وجود مشكلة تستوجب الوقوف على أسبابها الحقيقية.
وكشف النائب البرلماني عن تقدمه بطلب إلى رئيس مجلس النواب لإحالة الملف إلى لجنة القوى العاملة، بهدف مراجعة ملابسات الأزمة ومعرفة أسباب تجاوز المدد الزمنية التي سبق الإعلان عنها لإنهاء المشكلة، والتي تراوحت بين عشرة أيام وأسبوعين، قبل أن تمتد لفترات أطول.
وأكد فؤاد أن دور البرلمان لا يقتصر على متابعة الأزمة، بل يشمل تحديد أوجه القصور ومحاسبة المسؤولين عن أي تطبيق خاطئ أو قصور إداري أو تقني أدى إلى الإضرار بالمواطنين، مشدداً على أن غياب المساءلة يفتح الباب لتكرار مثل هذه الأزمات مستقبلاً.
واختتم تصريحاته بالتأكيد على أن تحديث الأنظمة الحكومية وتطويرها أمر ضروري ومطلوب، إلا أن ذلك يجب ألا يأتي على حساب حقوق المواطنين أو يؤدي إلى تعطيل صرف مستحقاتهم، خاصة في الملفات المرتبطة بمصادر الدخل الأساسية للأسر.







