تتناغم مع رؤية “العدل”.. جودة عبدالخالق يضع روشتة لضمانات الدعم النقدي ويحذر الحكومة: “إلا لقمة العيش”

وزير التموين الأسبق يوجه رسالة للحكومة عبر “ليبرالي”: لا تتسرعوا

يدور نقاش واسع في الأوساط السياسة والاقتصادية والحكومية، عقب الإعلان عن التوجه الحكومي لتطبيق النظام النقدي مع بداية العام المالي المقبل، وسط مطالبات بالتمهل وعدم التسرع وتوفير الضمانات.

من جانبه وجه وزير التموين والتضامن الاجتماعي الأسبق والخبير الاقتصادي، الدكتور جودة عبد الخالق، نداءً للحكومة المصرية بعدم التسرع في اتخاذ قرار تحويل منظومة الدعم من عيني إلى نقدي في الوقت الراهن، مؤكدًا أن هذه الخطوة تفتقر إلى التدابير والإجراءات اللازمة لنجاحها.

ضمانات الدعم النقدي وشروط نجاحه

في طرح اقتصادي يعكس تقاطع الرؤى بين الخبراء والمؤسسات الحزبية، أعلن “عبد الخالق” موافقته بشروط وضمانات للتحول نحو منظومة الدعم النقدي المشروط. وجاءت رؤيته متسقة بشكل وثيق مع الأطروحات التي يتبناها حزب العدل في هذا الملف، مما يمنح هذه الرؤية السياسية أبعاداً اقتصادية واجتماعية معمقة، تنطلق من ضرورة إصلاح شبكات الحماية الاجتماعية وضمان وصول الدعم لمستحقيه.

وأكد “عبد الخالق في حديثه لـ “ليبرالي”، أن “الدعم النقدي” يجب أن يتم توفير مقومات أساسية له لم تقم الحكومة بتهيئة البيئة الاقتصادية لتحقيقها بعد، مشيرًا إلى أن هذا التحول بوضعه الحالي سينعكس سلباً على المستهلك والمواطن البسيط، في حين سيكون المستفيد الأكبر منه هو التاجر، بينما لن تتأثر الحكومة ماديًا، بل قد تحقق بعض الوفر المالي.


و أكد أنه لا يقف ضد النظام النقدي في حد ذاته، بشرط استيفاء الضمانات التي تمت مناقشتها مراراً، وجاء في مقدمتها ضرورة إيجاد آلية فعالة، شفافة، ومعتبرة لتنظيم الأسواق والتحكم في الأسعار وضبطها، مؤكدًا أن هذه الآلية ضرورة أولى لانتشار الممارسات الاحتكارية في السوق المحلي بشكل واسع، سواء من قِبل بعض المنتجين أو التجار والمستوردين من الخارج؛ حيث يقوم المحتكرون بفرض الأسعار التي تخدم مصالحهم الشخصية، مما يجعل المواطن هو الضحية في نهاية المطاف.

 ويرجع عبد الخالق مطالبته الحكومة بضرورة التمهل وعدم التسرع في تطبيق هذا القرار إلى أن منظومة الدعم العيني مستقرة ومعمول بها في مصر منذ الحرب العالمية الثانية وحتى اليوم، وبالتالي يطلب إرجاء التطبيق لعدة أشهر شريطة العمل الجاد وتهيئة الآليات الرقابية اللازمة بالسوق.

تحذير من غياب الضمانات

ويحذر وزير التموين الأسبق من غياب الضمانات التي تحدثت عنها لإقرار النظام النقدي، أمر سيمس بشكل مباشر الأمن الغذائي للمواطنين، وقد يتسبب في حالة من القلق والتوتر الاجتماعي، وأذكر الجميع بالمثل الشعبي القائل: “عض قلبي ولا تعض رغيفي”، مؤكدًا أن النقاشات التي شهدها الحوار الوطني بشأن ملف تحول الدعم من العيني إلى النقدي، كانت مهمة ومحورية، واستضافت طيفًا واسعًا من الخبراء والتجار والمسؤولين المعنيين بالمنظومة لضمان دراسة القرار من كافة جوانبه.

ويشير إلى أن التوصيات الصادرة عن الحوار الوطني انتهت إلى ضرورة التريث وعدم التسرع في تطبيق هذا التحول، قائلًا: لا يصح الدخول في حرب دون التأكد من امتلاك مخزون كافٍ من الذخيرة، وضمان كفاءة وصلاحية السلاح المستخدم”.

 ويؤكد الدكتور عبد الخالق أنه التقى الدكتور مصطفى مدبولي رئيس مجلس الوزراء في فبراير 2025، وتلقى خلال اللقاء وعودًا واضحة بتطبيق عدد من التوصيات المتعلقة بالشأن الاقتصادي والاجتماعي، إلا أنه لا يعلم حتى الآن الموقف الحالي لتلك المخرجات أو أسباب غيابها عن الساحة التنفيذية.

ويطالب عبد الخالق مسؤولي الحكومة، وفي مقدمتهم رئيس مجلس الوزراء ووزراء المالية والبترول والتموين والتضامن الاجتماعي، بتقديم إجابات واضحة للرأي العام بشأن مصير هذه التوصيات، موضحًا أن هناك إجراءات تمهيدية لوجستية وفنية يجب استيفاؤها بالكامل قبل اتخاذ أي خطوة تنفيذية.

وأعاد الأكاديمي البارز التذكير بمشروع “كروت البنزين” الذي سبق أن طرحته الحكومة باعتباره آلية لتنظيم دعم الطاقة، مشيرًا إلى أن هذه التجربة تمثل نموذجًا عمليًا للتحول الرقمي وتحقيق العدالة الاجتماعية، موضحًا أن منظومة كروت البنزين كانت تتيح التمييز بين أصحاب السيارات ذات السعات اللترية الكبيرة، مثل السيارات التي تبدأ من 2000 سي سي فأكثر، والسيارات الصغيرة أو الاقتصادية التي تتراوح سعتها بين 1000 و1500 سي سي، بما يضمن عدم مساواة الفئات الأكثر قدرة بالفئات الأكثر احتياجًا في الحصول على الوقود المدعوم، فضلًا عن دورها في الحد من التجارة غير المشروعة بالمواد البترولية.

وتساءل عن أسباب تعطيل هذه الآلية التي وصفها بالذكية، مؤكدًا أنها كانت كفيلة بضمان وصول الدعم إلى مستحقيه بصورة أكثر كفاءة وعدالة، مؤكدًا عزمه إطلاق مبادرة لتنظيم ورشة عمل أو مؤتمر موسع بمقر حزب التجمع، بمشاركة عدد من الأحزاب والقوى السياسية من مختلف الاتجاهات، بهدف فتح نقاش مجتمعي جاد حول هذه القضايا التي وصفها بالمصيرية، وذلك انطلاقًا من الشعور بالمسؤولية الوطنية تجاه التحديات الراهنة.

ولم تكن رؤية الدكتور جودة عبد الخالق بمعزل عن الحراك السياسي الراهن، بل جاءت لتتلاقى بشكل مباشر مع رؤية حزب العدل، الذي طالما نادى بالتحول المدروس نحو الدعم النقدي المشروط، كبديل أكثر كفاءة وعدالة.

هذا التناغم بين الطرح الاقتصادي للمفكر الكبير ورؤية الحزب، يبرز وجود جبهة فكرية متماسكة تدفع باتجاه إعادة هيكلة المنظومة، انطلاقاً من رغبة مشتركة في حماية الفئات الأكثر احتياجاً وتحقيق توازن مالي واقتصادي، ومن ذات الأرضية الفكرية التي يقف عليها حزب العدل في أطروحاته الأخيرة لتحقيق العدالة الاجتماعية وكفاءة الإنفاق.

مقترحات عملية

وأصدر مركز العدل لدراسات السياسات العامة ورقة سياسات جديدة بعنوان “ما بعد الجدل بين الدعم النقدي والعيني: مقترحات تصميم وتنفيذ برنامج الحماية الاجتماعية”، تناولت بالتحليل والتقييم برنامج الحماية الاجتماعية الشامل المطروح حالياً، وقدمت مجموعة من المقترحات العملية لضمان تحقيق أهدافه الاجتماعية والتنموية على المدى الطويل.

وحددت الورقة ستة محاور رئيسية ترى أنها تمثل شروطاً أساسية لنجاح البرنامج قبل التوسع الكامل في تطبيقه، وتشمل: تطوير آلية ربط الدعم بالتضخم الفعلي الذي تواجهه الأسر منخفضة الدخل، ووضع معايير استحقاق واضحة وقابلة للقياس، وبناء مسارات حقيقية للتمكين الاقتصادي والخروج التدريجي من الدعم، والتحول من فلسفة استبعاد غير المستحقين إلى فلسفة تحديد المستحقين، وإنشاء منظومة لقياس النتائج والأثر، وتعزيز الحوكمة المؤسسية والتنسيق بين الجهات المعنية.

وشددت الورقة على أن الحماية الاجتماعية لا ينبغي أن تتحول إلى مجرد آلية لإدارة الفقر أو إعادة توزيع المخصصات المالية، بل يجب أن تكون أداة لخفض الفقر وتحسين مستويات المعيشة وتوسيع الفرص الاقتصادية وتقليل احتمالات إعادة إنتاج الفقر عبر الأجيال.

كما حذرت من اختزال نجاح البرنامج في أعداد المستفيدين أو حجم الإنفاق المخصص له، مؤكدة أن المعيار الحقيقي للنجاح هو قدرته على إحداث تحسن ملموس وقابل للقياس في حياة المواطنين الأكثر احتياجاً، وتعزيز العدالة الاجتماعية، وخلق مسارات مستقرة للاعتماد على العمل والدخل بدلاً من الاعتماد الدائم على الدعم.