
حرية الاختيار وكفاءة المنظومة ومنع الهدر.. ميزات للنظام النقدي لصالح المواطنين المستحقين
ربط قيمة الدعم النقدي بمعدل التضخم دوريًا مهم كي لا يفشل البرنامج بأكمله
لا يجب اختزال ملف مكافحة الفقر في مجرد المفاضلة بين الدعم العيني والنقدي
منظومة الحماية يجب أن تمتد لتشمل مكافحة البطالة والعجز وإصلاح المعاشات
لا بد من إفراج الحكومة بشفافية عن بيانات خريطة الفقر والمسوح التي تمت
نحتاج إلى تطبيق مفهوم “تعليم الصيد بدلاً من منح السمكة” لضمان استدامة التنمية
وضع الطبقة المتوسطة يتطلب عدم الاكتفاء ببرامج للحماية الاجتماعية
حسن القباني
أكد وزير المالية الأسبق ومقرر المحور الاقتصادي بالحوار الوطني، الدكتور أحمد جلال، أن التوجه الحكومي المزمع لتطبيق نظام الدعم النقدي بدلاً من الدعم العيني خلال العام المالي المقبل يمثل خطوة إيجابية من الناحية الاقتصادية، بشرط توافر ضمانات محددة لحماية القوة الشرائية للمواطنين الأكثر احتياجًا، وبناء سياق متكامل للحماية والعدالة الاجتماعية.
ويدور جدل بين النواب والمواطنين، عقب الإعلان عن التوجه الحكومي لتطبيق النظام النقدي مع بداية العام المالي المقبل، وسط مطالبات سياسية وحزبية بالتمهل وعدم التسرع وتوفير الضمانات، فيما سارع حزب العدل بتقديم أطروحات ومقترحات لضمان تحقيق أهدافه الاجتماعية والتنموية على المدى الطويل.
وقدم حزب العدل عبر مركزه لدراسات السياسات العامة في ورقة سياسيات جديدة، مجموعة من المقترحات العملية، تشمل: تطوير آلية ربط الدعم بالتضخم الفعلي الذي تواجهه الأسر منخفضة الدخل، ووضع معايير استحقاق واضحة وقابلة للقياس، وبناء مسارات حقيقية للتمكين الاقتصادي والخروج التدريجي من الدعم، والتحول من فلسفة استبعاد غير المستحقين إلى فلسفة تحديد المستحقين، وإنشاء منظومة لقياس النتائج والأثر، وتعزيز الحوكمة المؤسسية والتنسيق بين الجهات المعنية.

ميزتان رئيسيتان
وزير المالية الأسبق أوضح في حديث خاص لـ”ليبرالي” أن هناك ميزتين رئيسيتين تجعلان الدعم النقدي يتفوق على نظيره العيني؛ الأولى هي منح المستفيد “حرية الاختيار” لتلبية احتياجاته الفعلية والملحة بدلاً من فرض سلع بعينها تحددها الحكومة مسبقاً، مشيرًا إلى أن الطلب على السلع يختلف من أسرة لأخرى، والدعم النقدي يمنح المستفيد الفرصة الكاملة لإنفاق هذه الأموال وفقًا لاحتياجاته الفعلية والملحة، بدلاً من فرض سلع عينية محددة قررتها الحكومة مسبقًا.

أما الميزة الثانية، وفق “جلال” فهي “كفاءة المنظومة وتجنب الهدر المالي” الذي يحدث عادة في سلاسل التوريد المعقدة للدعم العيني من نقل وتخزين وتوزيع، وما يصاحبها من احتمالات تلاعب وتجاوزات في مختلف مراحل التوزيع، مؤكدًا أن التحول إلى الدعم النقدي يقلص هذه الحلقات ويوفر هذه النفقات المهدرة.
في هذا الإطار، أشار وزير المالية الأسبق إلى تجارب دولية ناجحة كالتجربة البرازيلية على سبيل المثال، حيث جرى تطبيق “الدعم النقدي المشروط” بربط تلقي الدعم بالتزامات معينة؛ كإلزام الأسر بإرسال أبنائها إلى المدارس، وحرص الأمهات على إجراء الفحوصات الطبية الدورية لرفع مستوى الوعي الصحي لديهن.
مرونة الاستهداف ومواجهة التضخم
وحول شروط نجاح هذا التحول، حدد وزير المالية الأسبق محددين أساسيين؛ أولهما ضرورة تحقيق “دقة ومرونة الاستهداف” لتحديد المستحقين الفعليين للدعم، مع الأخذ في الاعتبار تغير الأحوال الاجتماعية للأسر بصورة مستمرة وهبوط بعض الفئات من الطبقة المتوسطة إلى الطبقات الأكثر احتياجًا.

وأشار إلى أن الدولة قطعت شوطاً مقدراً في هذا الملف منذ سنوات؛ وتحديداً منذ عهد الدكتور على مصيلحي وزير التموين الأسبق، حيث بدأ العمل على وضع محددات ومواصفات دقيقة لتعريف الفقراء، موضحًا أنه قد ساهم في هذا الجهد آنذاك بالوزارة بالتعاون مع الدكتورة غادة والي والدكتورة هانيا شلقامي عبر نقل وتطبيق تجارب دولية ناجحة في هذا المجال.
وشدد “جلال” على أن هذه العملية تظل ديناميكية وتتطلب تحديثًا مستمرًا ولا يمكن الاكتفاء فيها بإجراء يُتخذ لمرة واحدة، حيث تقتضي المرونة مراعاة تغير أحوال الأسر بمرور الوقت؛ فقد تستحق أسرة ما الدعم اليوم وتفقد شروط استحقاقه غدًا نتيجة تخرج أحد الأبناء وحصوله على وظيفة، والعكس صحيح، أما المحدد الثاني والأكثر أهمية، بحسب الأكاديمي والاقتصادي البارز، فهو ربط قيمة الدعم النقدي بمعدل التضخم دوريًا، محذرًا من أن عدم اتخاذ هذه الخطوة سيهدد بفشل البرنامج بأكمله.
وتابع :” يجب ربط قيمة الدعم النقدي بمعدل التضخم بشكل دوري. فإذا تم إقرار دعم بقيمة 500 جنيه على سبيل المثال، ثم ارتفع التضخم بنسبة 10%، فإن القيمة الشرائية لهذا المبلغ ستتراجع بشكل ملحوظ”، مضيفًا أن تراجع القوة الشرائية للدعم في ظل التضخم والحساسية المرتفعة تجاه تدهور القوة الشرائية يثير مخاوف المواطنين من فقدان القيمة الفعلية للأموال المقررة لهم، مما يتطلب آلية تضمن زيادة الدعم بالتناسب مع التضخم لمنع تدهور المعيشة والحد من القلق المجتمعي”.
رؤية شاملة للعدالة الاجتماعية والتمكين
وفي سياق أوسع، دعا مقرر المحور الاقتصادي بالحوار الوطني إلى عدم اختزال ملف مكافحة الفقر في مجرد المفاضلة بين الدعم العيني والنقدي، مشددًا على ضرورة إدراج هذه السياسات ضمن رؤية شاملة تضمن تفعيل الحماية الاجتماعية.

واعتبر أن منظومة الحماية يجب أن تمتد لتشمل مكافحة البطالة، والعجز، وإصلاح المعاشات، مع ضرورة إفراج الحكومة بشفافية عن بيانات خريطة الفقر والمسوح الميدانية الحديثة التي يجريها الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء لتحديد ملامح الفقر بدقة، مضيفًا أن الاستراتيجية الفعالة لمواجهة الفقر يجب أن ترتكز على مبدأ “التمكين” الاقتصادي للأسر بدلاً من الاعتماد الكلي على المساعدات المباشرة، منوهًا إلى أهمية تطبيق مفهوم “تعليم الصيد بدلاً من منح السمكة”، لضمان استدامة التنمية.
الطبقة المتوسطة والسياسات التنموية
وتساءل وزير المالية الأسبق:” ملف دعم الفقراء منوط به التعامل مع الطبقات الأكثر احتياجًا لكن ماذا عن الطبقة المتوسطة التي تواجه ضغوطاً معيشية متزايدة؟”،”، مؤكدًا أن وضع الطبقة المتوسطة يتطلب عدم الاكتفاء ببرامج للحماية الاجتماعية والسعي بشكل أكثر جدية نحو تطبيق منظومة للعدالة الاجتماعية تفعل مبدأ تكافؤ الفرص، موضحًا أن هذا المفهوم يقوم على توفير تعليم حكومي جيد ومجاني، وخدمات صحية لائقة ومجانية تماشيًا مع الدستور، وتوليد فرص عمل حقيقية في قطاعات إنتاجية حقيقية بدلاً من التركيز المفرط على قطاعات غير إنتاجية كالعقارات.





