التحركات المصرية في القرن الأفريقي ووسط أفريقيا: دبلوماسية النفوذ وبناء التوازنات الإقليمية

تشهد السياسة الخارجية المصرية خلال الفترة الأخيرة، حراكًا مكثفًا تجاه القارة الأفريقية، وتحديدًا منطقتي القرن الأفريقي ووسط أفريقيا، في إطار استراتيجية شاملة تستهدف إعادة تموضع مصر كفاعل رئيسي في القضايا الأفريقية، وتعزيز شبكة تحالفاتها الإقليمية في مواجهة التحديات الأمنية والسياسية والاقتصادية المتصاعدة.

ويأتي استقبال الرئيس عبد الفتاح السيسي لكل من الرئيس الإريتري أسياس أفورقي والرئيس الكونغولي فيليكس تشيسيكيدي، ضمن سلسلة تحركات تعكس رؤية مصرية متكاملة  لإدارة ملفات الأمن القومي في دوائرها الأفريقية الحيوية.

القرن الأفريقي .. من دائرة الجوار إلى دائرة الأمن القومي

كشف الدكتور رمضان قرني، الخبير في  الشؤون الأفريقية، عن زيارة رئيس إريتريا أسياس أفورقي لمصر، مؤكدًا بأن اهميتها المتزايدة التي توليها مصر لمنطقة القرن الأفريقي باعتبارها امتدادًا مباشرًا لأمنها القومي، فهذه المنطقة لم تعد مجرد نطاق جغرافي مجاور، بل أصبحت ساحة رئيسية للتنافس الإقليمي والدولي، وممرًا استراتيجيًا للتجارة العالمية عبر البحر الأحمر وباب المندب.

وقال قرني، في تصريحات خاصة لـ”ليبرالي نيوز”، إن القاهرة تركز على بناء شبكة تفاهمات وتحالفات مع الدول المؤثرة في المنطقة، وعلى رأسها إريتريا والصومال وجيبوتي، بهدف حماية استقرار البحر الأحمر ومنع أي ترتيبات إقليمية قد تؤثر على مصالح الدول المشاطئة.

وأضاف  الخبير في  الشؤون الأفريقية، أن المباحثات المصرية الإريترية، حملت أبعادًا تتجاوز العلاقات الثنائية، إذ تعكس توافقًا متزايدًا بشأن ملفات السودان والبحر الأحمر والقرن الأفريقي، وهي ملفات مترابطة بشكل مباشر مع المصالح الاستراتيجية للبلدين، فالقاهرة وأسمرة تنظران بقلق إلى احتمالات تفكك الدولة السودانية أو اتساع رقعة  الصراع، لما قد يترتب عليه من تدفقات للاجئين وتهديدات أمنية تمتد إلى الإقليم بأكمله.

البحر الأحمر.. معادلة الأمن والمصالح

وأوضح الدكتور رمضان قرني، الخبير في  الشؤون الأفريقية، أن أبرز أبعاد التقارب المصري الإريتري يتمثل في ملف أمن البحر الأحمر، فالتغيرات الجيوسياسية التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة، سواء نتيجة الحرب في غزة أو التوترات البحرية أو تزايد الوجود العسكري الدولي، دفعت القاهرة إلى تعزيز التنسيق مع الدول المطلة على البحر الأحمر.

وأشار قرني، إلي أن مصر  تتمسك بمبدأ أن مسؤولية إدارة أمن البحر الأحمر، يجب أن تبقى في يد الدول المشاطئة، وهو موقف يحظى بدعم إريتري واضح، وتعتبر القاهرة أن أي ترتيبات أمنية تتجاهل مصالح هذه الدول قد تؤدي إلى مزيد من التوتر وعدم الاستقرار.

كما أن تطوير التعاون البحري والملاحي بين مصر وإريتريا يحمل أبعادًا اقتصادية مهمة، إذ يمكن أن يسهم في تعزيز حركة التجارة وفتح أسواق جديدة للصادرات المصرية في شرق أفريقيا، خاصة مع الحديث المتزايد عن إنشاء خطوط نقل بحري وجوي مباشرة بين البلدين.

الكونغو الديمقراطية.. شراكة تتجاوز ملف النيل

واستكمل الدكتور رمضان قرني، حديثه لـ”ليبرالي نيوز”، مؤكدًا بأن زيارة رئيس جمهورية الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسيكيدي إلى القاهرة تحمل أهمية خاصة، في ضوء مجموعة من الاعتبارات الاستراتيجية، لعل أبرزها أنها تأتي في سياق الحراك المصري النشط والمتصاعد تجاه القارة الأفريقية خلال الفترة الأخيرة.

وأوضح قرني، أن هذا الحراك بدأ بالمشاركة المصرية في القمة الفرنسية الأفريقية، ثم الزيارة الرسمية إلى أوغندا، تلتها استضافة الرئيس الإريتري أسياس أفورقي، وصولًا إلى زيارة الرئيس الكونغولي، وهو ما يعكس حالة من الزخم الكبير في السياسة الخارجية المصرية تجاه أفريقيا، لا سيما مع اقتراب استضافة مصر للقمة التنسيقية نصف السنوية للاتحاد الأفريقي.

وأضاف أن منطقة وسط أفريقيا تحظي باهتمام متزايد من جانب السياسة الخارجية المصرية، وهو ما يفسره الحرص المستمر على تطوير العلاقات مع جمهورية الكونغو الديمقراطية وترسيخ الحضور المصري في منطقة البحيرات العظمي ووسط القارة، ويعكس ذلك وجود نهج استراتيجي مصري يقوم على الانفتاح على مختلف الأقاليم الأفريقية، سواء في شرق أفريقيا أو دوائر حوض النيل، أو منطقة القرن الأفريقي، أو وسط القارة، إلي جانب منطقة الساحل والصحراء وغرب أفريقيا.

وأشار قرني، إلى أن أجندة الزيارة تتضمن عددًا من الملفات المهمة، وفي مقدمتها تعزيز التعاون الثنائي في مجالات البنية التحتية والتعدين والموارد المائية، خاصة في ظل التوافق القائم بين القاهرة وكينشاسا بشأن العديد من القضايا المرتبطة بالمياه، ولافتًا إلى أن الكونغو الديمقراطية تبنت مواقف متفهمة وداعمة للرؤية المصرية في عدد من الملفات المهمة، من بينها قضية سد النهضة والاتفاقية الإطارية لدول حوض النيل “اتفاقية عنتيبي”.

وأكد أن هذا التوافق السياسي ترُحم عمليًا من خلال اتفاقية الإدارة المتكاملة للموارد المائية في الكونغو الديمقراطية، التي جرى تجديدها للفترة من 2020 حتي 2027، وأسفرت عن تنفيذ العديد من المشروعات التنموية، بما في ذلك حفر الآبار، وتوفير مياه الشرب، ومشروعات الطاقة النظيفة، فضلاً عن برامج بناء القدرات والتدريب.

وأضاف أن ملف المياه يحتل موقعًا متقدمًا في العلاقات بين البلدين، في إطار حرص مصر على توطيد علاقاتها مع دول حوض النيل وتعزيز آليات التشاور والتنسيق بينها، خاصة فيما يتعلق بقضايًا الاتفاقية الإطارية وسد النهضة، كما رجح أن تحظي مشروعات السدود والطاقة الكهرومائية باهتمام خاص خلال المباحثات، في ظل التعاون القائم بشأن عدد من المشروعات المائية، وكذلك الحديث المتزايد داخل الكونغو الديمقراطية عن إنشاء مشروعات كبرى للطاقة الكهرومائية على غرار مشروع سد جوليوس نيريري في تنزانيا، وهو ما يفتح آفاقًا جديدة للتعاون الفني والهندسي بين البلدين.

وفيما يتعلق بالبعد الأمني والسياسي، أوضح قرني أن مصر تنظر إلى استقرار الكونغو الديمقراطية باعتباره جزءًا من رؤيتها الأوسع لدعم الاستقرار في القارة الأفريقية، مشيرًا إلى أن هذا التوجه ليس جديدًا، بل يمتد إلى عقود سابقة منذ ستينيات القرن الماضي، عندما شاركت مصر في جهود حفظ السلام بالكونغو، وهو النهج الذي ما زالت القاهرة تحافظ عليه حتي اليوم.

وأكد أن تشديد الرئيس السيسي خلال المؤتمر الصحفي المشترك، على أهمية الحفاظ على وحدة الدولة الكونغولية يعكس مبدأً راسخًا في السياسة الخارجية المصرية تجاه أفريقيا، يقوم على دعم الدولة الوطنية والحفاظ على وحدة وسلامة أراضي الدول الأفريقية ورفض أي محاولات للتفكيك أو التقسيم.

واختتم حديثه بالتأكيد على أن هذا المبدأ لا يقتصر على الكونغو الديمقراطية فحسب، وإنها يمثل أحد الثوابت الرئيسية للسياسة المصرية تجاه القارة، كما يتجلى في مواقف القاهرة الداعمة لوحدة السودان واستقرار ليبيا والحفاظ على مؤسسات الدولة في الصومال، وهو ما يؤكد أن دعم الدولة الوطنية أصبح أحد أهم مرتكزات النهج المصري في أفريقيا خلال السنوات الأخيرة.

على الجانب الآخر، تعكس زيارة الرئيس الكونغولي إلى القاهرة تطورًا مهمًا في العلاقات المصرية مع منطقة وسط أفريقيا، فرغم أن ملف مياه النيل كان تاريخيًا العنوان الأبرز للعلاقات بين البلدين، فإن السنوات الأخيرة شهدت توسعًا ملحوظًا في مجالات التعاون لتشمل الاستثمار والطاقة والبنية التحتية وبناء القدرات.

وتنظر مصر إلى جمهورية الكونغو الديمقراطية باعتبارها دولة محورية في وسط أفريقيا، ليس فقط بسبب موقعها الجغرافي ومواردها الطبيعية الضخمة، وإنما أيضًا لدورها المؤثر داخل المنظمات الإقليمية والقارية.

ويبرز في هذا السياق الدعم المصري لمشروعات السدود والتنمية المائية في الكونغو، وهو دعم يحمل بعدين متوازيين؛ الأول تنموي يتمثل في المساهمة في تحقيق التنمية الاقتصادية، والثاني سياسي يعكس رغبة القاهرة في بناء شراكات قائمة على المصالح المشتركة بعيدًا عن منطق الصراعات المائية الذي هيمن على بعض الملفات الإقليمية خلال السنوات الماضية.

تعكس زيارة الرئيسين الإريتري والكونغولي للقاهرة، إلى جانب سلسلة التحركات المصرية الأخيرة في أفريقيا، تحولًا واضحًا في طبيعة الدور المصري داخل القارة. فالقاهرة لم تعد تتعامل مع أفريقيا باعتبارها ساحة للتعاون التقليدي فقط، بل باعتبارها فضاءً استراتيجيًا يرتبط مباشرة بأمنها القومي ومصالحها الاقتصادية ومستقبل نفوذها الإقليمي.