
المواطنين “دفعنا شقي عمرنا في الوحدة..تتسحب إزاي“
تملك شقة أو وحدة سكنية حاليًا، تزامنًا مع الارتفاع المطرد في أسعار كل شىء، بات حلمًا لمئات الآلاف من أرباب الأسر أو الشباب، لاسيما شقق الإسكان الاجتماعي المملوكة للدولة كونها ملاذًا وأمانًا عن غيرها، فمن يجمع المقدمة ويُدبر الأقساط بالكاد، لم ولن يكون قادرًا قطعًا عن تعويضهم في حال “ضياعهم” لأي سبب.
ومع بداية الشروع في تحقيق الحلم، بعد أن قُدر لأحد الأشخاص الفوز بشقة في أي من المدن الجديدة المعلن عنها في الإعلانات السابقة لشقق الإسكان الاجتماعي، إلا أن عدد ليس بالقليل اصطدم بضوابط رقابية جديدة وغير متوقعة، حيث بدأت وزارة الإسكان بالاستعانة بـ “عدادات الكهرباء” كأداة ذكية لرصد الشقق المغلقة والمخالفة لشروط التعاقد، وهو ما أسفر مؤخرًا عن تحرير 12.7 ألف محضر مخالفة حتى شهر أبريل الماضي.
عدد المحاضر المخالفة سالفة الذكر، جاء على لسان مي عبد الحميد، الرئيس التنفيذي لصندوق الإسكان الاجتماعي ودعم التمويل العقاري، موضحة أن الصندوق استقبل 6800 طلب تصالح حتى شهر مايو، ووصل عدد المحاضر المتداولة أمام جهات التحقيق والمحاكم إلى 1048 محضرًا، في حين بلغ عدد أحكام الإدانة القائمة 5662 حكمًا.

تخصيص 733 ألف وحدة سكنية للمواطنين
الصندوق لا يتهاون مطلقًا مع مخالفات قانون الإسكان الاجتماعي، تؤكد عبدالحميد، لاسيما مع زيادة عدد الوحدات المخصصة للمواطنين، والذي بلغ أكثر من 733 ألف وحدة سكنية، وهو ما يتطلب بذل المزيد من الجهد من قبل مأموري الضبط القضائي، لردع المواطنين عن مخالفة القانون ومحاولة التصرف في الوحدات السكنية المدعومة التي استفادوا بها، سواء بالإيجار أو البيع أو تغيير النشاط الكلي أو الجزئي.
ووفقًا لقانون الإسكان الاجتماعي رقم 93 لسنة 2018، يُلزم المنتفع بشغل الشقة هو وأسرته بشكل منتظم ودائم لمدة لا تقل عن 5 سنوات، ويحدد عقوبات الغرامة من 20 إلى 100 ألف جنيه، والحبس مدة لا تقل عن سنة، وسحب الوحدة.
وتضيف الرئيس التنفيذي لصندوق الإسكان الاجتماعي، أن الهدف الأساسي توفير وحدات سكنية للمواطنين الأكثر احتياجًا لشغلها بصورة دائمة ومستمرة، ما يعني أن إغلاق الوحدات السكنية لا يساهم في تحقيق هذا الهدف، لذا يفرض الصندوق عقوبات تصل لسحب الوحدة السكنية، وذلك عن طريق متابعة الاستهلاك الشهري مثل استهلاك الكهرباء للتأكد من غلق الوحدة وعدم شغلها.

“عين سحرية” للكشف عن استهلاك شقق الإسكان للكهرباء
ويكشف مصدر بالشؤون الفنية لشركة شمال القاهرة لتوزيع الكهرباء، عن أن العدادات مسبوقة الدفع والذكية بمشروعات الإسكان الاجتماعي أصبحت بمثابة “عين سحرية” للكشف عن استهلاك الشقة للكهرباء، وكونها شقة ساكنة أم لا.
السيستم المركزي لشركات التوزيع يرصد الاستهلاك للوحدات التي لا تُشحن أو لا تستهلك طاقة لعدة أشهر، يضيف المصدر لـ”ليبرالي”، وتُرسل كشوف إلكترونية مميكنة بأسماء أصحابها وعناوينهم دوريًا إلى أجهزة المدن الجديدة، لتبدأ الأخيرة في توجيه حملات الضبطية القضائية نحو الشقق المغلقة مباشرة.
ويوضح المصدر، أن استخراج تقرير رقمي للوحدات السكنية التي لم تشحن الكارت لمدد تتراوح ما بين 3 إلى 6 أشهر متتالية، أو التي شحنت بمبالغ ضئيلة جدًا، مثل 10 أو 20 جنيهًا فقط كحد أدنى لطاقة العداد نفسه ولم يتغير استهلاكها الفعلي، ما يشير إلى أن الشقة لا يوجد بها سكان لمدة طويلة.

المدينة صحراء وأشبه بمدينة أشباح
ما سردته مي عبدالحميد، بضرورة شغل الوحدة السكنية، وإلا تُسحب ويُحرم منها المواطن بعد معاناته في استلامها من الأساس وتوقيع العقد، والشروع في دفع الأقساط، قابله عدد من المواطنين الذين أضطرتهم ظروف وحداتهم السكنية للعزوف عن السكن فيها.
“لما استلمنا الشقة في أكتوبر الجديدة بعد 4 سنوات من دفع المقدمة والاستعلام ودفع دفعات مالية وإمضاء العقد، كنا فرحانين وقلنا أخيرًا هيبقى عندنا شقة تلمنا كلنا”، تقول أم حسن، ربة منزل وتبلغ من العمر 52 سنة.
وتضيف في حديثها لـ”ليبرالي”، بعد استلام الشقة كانت المدينة صحراء وأشبه بمدينة أشباح، لاسيما مع حلول ساعات الليل، بخلاف انتشار السرقات وصعوبة الخروج من المنزل ليلًا والتوجه لأي مكان، ولم تمر سوى 3 أشهر على نقلهم للشقة، وسرعان ما عادوا مجددًا إلى شقة إيجار جديد مرة أخرى في فيصل.

وفروا لنا الخدمات الأول..وبعدين حاسبونا
وبنبرة حزينة، قالت أم حسن:” الدولة بتقولنا اسكنوا بالعافية، طب وفروا لنا الخدمات الأول وبعدين حاسبونا، إحنا هربانين من الإيجار الجديد وعاوزين نقعد في ملكنا، بس مش نقعد في الصحراء”.
ومن حيث انتهت أم حسن، نسرد معاناة أخرى مع شقق الإسكان الاجتماعي في المدن الجديدة، عبر سامية علي، أم لثلاثة بنات، والتي خُصصت لها شقة في منطقة الفيروز بالعبور الجديدة، قائلة:”عندما استملت الشقة وذهبت للمنطقة للسؤال عن المدارس في محيط الشقة، كون بناتها الثلاثة في مراحل تعليمية مختلفة، إلا أنها وجدت أنه يوجد مدرسة كبيرة في المنطقة وهو ما طمأنها في بداية الأمر”.
“مبنى المدرسة جميل بس كان مقفول بالجنزير”، تضيف علي بتهكم وحسرة في حديثها لـ”لبيرالي”، متابعة:” سألت في الجهاز قالوا لي لسه منقلناش مدرسين للمدرسة عشان مفيش كثافة سكانية في المربع “، وتسائلت:” يعني انقل في الشقة الجديدة وانتظر وانا وبناتي كام سنة لحد ما يكون فيه كثافة وتشتغل المدرسة، وإلا تسحب الحكومة الشقة مني!..علشان عداد الكهرباء مش شغال؟”.

المشكلة الحقيقية في ثقافة الانتظار لدى المواطن
بدوره، عقب المهندس كمال بهجات، مساعد وزير الإسكان لشؤون الإسكان الاجتماعي، بأن أي مشروع سكني لا يُسلم إلا بعد إنهاء البنية التحتية بالكامل وإنهاء بناء المباني الخدمية “مدرسة، سوق تجاري، مركز شباب، مسجد، كنيسة، ووحدة صحية”، لافتًا إلى أن المشكلة الحقيقية ليست في غياب الخدمة، بل في ثقافة الانتظار لدى المواطن.
المواطن يستلم الشقة، ولسان حاله”لن أسكن حتى يسكن جاري أولاً وتعمل المدرسة”، يضيف بهجات، منوهًا بأن الوزارات الخدمية مثل الصحة والتعليم لن تُرسل أطباء ومدرسين لشغل المباني وهي خاوية من السكان، مؤكدًا على أن الدولة وفرت المسكن، وعلى المواطن الاستجابة لتعمير المدن.
في ذات السياق، يقول الدكتور محمود غيث، رئيس الجمعية المصرية للتخطيط العمراني، إن شكوى المواطنين من سكن الصحراء هي شكوى مشروعة في كثير من الأحيان وتكشف عن فجوة زمنية تُسمى فجوة التوطين.

سحب الشقق لمجرد أنها مغلقة دون دراسة الأسباب.. يُظلم الأسر
الوزارة تنجح في إنهاء بناء الوحدات السكنية بسرعة فائقة، يضيف غيث في تصريحه لـ”ليبرالي”، إلا أن تشغيل الخدمات من “المدارس، الأسواق، المستشفيات، وخطوط النقل” يتأخر نتيجة البيروقراطية والتنسيق بين الوزارات المختلفة.
ويؤكد رئيس الجمعية المصرية للتخطيط العمراني، على أن العمران لا ينجح بالإجبار وقوة القانون فقط، وسحب الشقق لمجرد أنها مغلقة دون دراسة الأسباب، يُظلم الأسر التي ترغب فعلياً في السكن ولكنها تعجز عن العيش دون خدمات.
الحل ليس في سحب الوحدات لعدم شغلها، وفقًا لغيث، إلا أن الحل يكمن في قيام أجهزة المدن بجذب السكان، عبر توفير المواصلات، وتسهيل منح تراخيص المحلات التجارية لتبدأ الحياة في الدوران، وفي هذه الحالة ستعمر المدن الجديدة على مستوى الجمهورية.





