
الختان والعنف الزوجي يتركان آثارًا تتراكم في الجسد والذاكرة
استندت إلى تجارب واقعية وحالات حقيقية في بناء شخصية “زينب”
ما زالت قضايا المرأة والصحة النفسية لا تحظى بالاهتمام الكافي في السينما المصرية
دينا زكريا
نجح الفيلم الروائي القصير”نص حالة”، من تأليف منال مغربي، وإخراج محمد حافظ، في لفت الأنظار وإثارة نقاشات موسعة عقب عرضه العالمي الأول ضمن فعاليات الدورة الـ41 من مهرجان الإسكندرية السينمائي الدولي، حيث يسلط الفيلم الضوء على الاضطرابات النفسية وعلاقتها المباشرة بالعنف الموجه ضد المرأة، متمثلاً في قضايا الختان والانتهاك الزوجي، من خلال قصة البطلة “زينب” التي تعاني من الفصام.
وفي حوار خاص، تحدثت الكاتبة والسيناريست منال مغربي لـ”ليبرالي”، عن التحديات التي واجهتها في تقديم شخصية مركبة بعيدًا عن القوالب السينمائية النمطية والرسائل الإنسانية والاجتماعية التي أرادت إيصالها من خلال هذا العمل، إلى جانب رؤيتها لكيفية تناول السينما المصرية لقضايا الصحة النفسية للمرأة، وإلى نص الحوار:
هل واجهت تحديات أثناء كتابة موضوعات حساسة مثل الصحة النفسية والعنف ضد المرأة؟
التحدي الحقيقي لم يكن في تناول هذه القضايا بقدر ما كان في كيفية تقديمها بصورة إنسانية وصادقة، كان هاجسي الأكبر ألا أقع في فخ التنميط أو أختزل دور “زينب” في صورة الضحية فقط، لذلك استغرقت وقتًا طويلًا في البحث والاستماع إلى آراء متخصصين حتى أقترب قدر الإمكان من الحقيقة، ومن أصعب المشاهد التي كتبتها كان مشهد اعتراف “زينب” لعطا، لأنه كان يحتاج إلى قدر كبير من الصدق والواقعية بعيدًا عن الخطابة أو المبالغة.
كيف كان شعورك عند عرض الفيلم لأول مرة ضمن فعاليات مهرجان الإسكندرية السينمائي الدولي؟
الكتابة رحلة طويلة يعيشها الكاتب وحيدًا مع شخصياته، لذلك كان من المدهش أن أرى الجمهور يتفاعل معها ويتنفس معها للمرة الأولى، أكثر ما لفت انتباهي لم يكن التصفيق، بل لحظات الصمت داخل القاعة، هذا الصمت كان بالنسبة لي أكبر دليل على أن الفيلم نجح في الوصول إلى الجمهور وأن رسالته وصلت كما تمنيت.
ما الرسالة التي أردتِ إيصالها من خلال الربط بين الصحة النفسية والانتهاكات التي تتعرض لها النساء؟
أردت أن أؤكد أن الاضطرابات النفسية لا تنشأ دائمًا من فراغ، “زينب” لم تولد بهذه الحالة، بل تشكلت بفعل ما تعرضت له من انتهاكات وتجارب قاسية، وفي كثير من الأحيان ينشغل المجتمع بالأعراض ويتجاهل الأسباب الحقيقية الكامنة خلفها، كما أن الفيلم لا يدين أحدًا بقدر ما يدعو إلى النظر بعمق إلى ما يختبئ خلف الصمت والمعاناة.
كيف أجريتِ البحث والتحضير لكتابة شخصية تعاني من الفصام بصورة إنسانية بعيدة عن التنميط؟
كنت حريصة منذ البداية على الابتعاد عن الصورة التقليدية التي قدمتها بعض الأعمال السينمائية للفصام، سواء بالمبالغة أو بالطرح المرعب، اعتمدت على خبرات واقعية اكتسبتها خلال دراستي، حيث تعاملت مع حالات حقيقية داخل مستشفيات ومؤسسات للصحة النفسية، أكثر ما أثر فيّ أن المريض لا يرى نفسه مخطئًا، بل يعيش واقعه باعتباره الحقيقة المطلقة، لذلك قررت أن أكتب زينب من الداخل، وأن أترك المشاهد يعيش تجربتها ويشعر بارتباكها بدلاً من أن أشرحها له أو أحاكمها.
هل شعرتِ أثناء الكتابة أن “زينب” تمثل حالة فردية أم أنها تعبر عن تجارب نساء كثيرات لا يُسمع صوتهن؟
منذ اللحظة الأولى كنت مقتنعة أن زينب ليست حالة فردية، ربما تختلف الأسماء والوجوه، لكن الحكاية تتكرر بأشكال متعددة في أماكن كثيرة، هناك نساء كثيرات يحملن الألم نفسه دون أن يجدن من يستمع إليهن، هذا الشعور تحديدًا كان الدافع الأساسي وراء كتابة الفيلم، لأنني شعرت أن هذا الصمت يستحق أن يُكسر.
اخترتِ الربط بين الختان والعنف الزوجي والتدهور النفسي للبطلة، هل كان هدفك إظهار كيف تتراكم أشكال العنف المختلفة داخل الجسد والذاكرة؟
لا أحب وصف الأمر بأنه “ربط” لأنه يوحي بقرار ذهني مسبق، أثناء كتابة الشخصية اكتشفت أن الجروح لا تأتي منفصلة عن بعضها البعض، الجسد يحتفظ بذاكرته الخاصة، ويتذكر ما مر به حتى عندما يحاول العقل النسيان، كما أن العنف لا يختفي، بل يتحول إلى آثار تتراكم بمرور الزمن.، وزينب كانت بالنسبة لي تجسيدًا حيًا لهذه الفكرة.
كيف تعاملتِ مع كتابة مشاهد الانتقال بين عالم “زينب” وعالم “داليا” حتى لا تبدو مجرد انفصال بين شخصيتين؟
كان هذا من أكثر التحديات تعقيدًا، لم أرد أن تبدو “داليا” وكأنها شخصية منفصلة عن “زينب”، لأنها في الحقيقة تمثل الجزء الذي كان يتوق إلى الحياة داخلها، لذلك بنيت الانتقالات على المشاعر الداخلية لزينب أكثر من اعتمادها على المؤثرات الخارجية أو الاستعراض البصري، أردت للمشاهد أن يعيش الحيرة نفسها التي تعيشها “زينب” وأن يكتشف الحقيقة تدريجيًا معها.
الفيلم يطرح قضية الختان دون خطاب مباشر أو شعارات، لماذا فضلتِ هذا المسار الدرامي؟
لأنني لا أؤمن بالخطاب المباشر داخل الفن، عندما تتحول القضية إلى شعار تفقد الكثير من تأثيرها الإنساني، كما أن المشاهد لا يحتاج إلى من يخبره أن ما حدث خطأ، بل يحتاج إلى أن يشعر بالألم والخوف اللذين عاشتهما الشخصية، أحيانًا تكون لحظة إنسانية صادقة أكثر تأثيرًا من عشرات الخطب والشعارات.
في النهاية، هل ترين أن “نص حالة” فيلم عن الفصام أم عن امرأة سُلبت منها حياتها الحقيقية؟
إذا اختزلنا الفيلم في كونه فيلمًا عن الفصام سنكون قد اختزلنا جوهر الحكاية نفسها، الفصام هنا ليس القضية الأساسية، بل نتيجة لمسار طويل من الألم، زينب لم تخترع داليا من العدم، بل خلقت الحياة التي كان من حقها أن تعيشها؛ حياة تقوم على الحرية والكرامة والاختيار والحب الآمن، ما يهمني في النهاية أن يخرج المشاهد وهو يرى إنسانة سُلب منها الكثير وحاولت بكل ما تملك أن تبقى صامدة.
كيف أخترتِ أبطال الفيلم؟ وما أبرز التحديات التي واجهت الممثلين في تجسيد هذه الشخصيات المركبة؟
كانت مرحلة اختيار الممثلين من أصعب مراحل العمل، بالتعاون مع المخرج محمد حافظ، لم يكن المعيار الأساسي هو الشكل أو الحضور الخارجي، بل القدرة على حمل التناقضات الداخلية للشخصية، زينب تحتاج إلى ممثلة تستطيع أن تبدو قوية وهشة في الوقت نفسه، بينما تتطلب شخصية داليا قدرة خاصة على إقناع المشاهد بواقعيتها قبل أن تنكشف حقيقتها، التحدي الأكبر كان أن الممثلة لا تؤدي شخصيتين منفصلتين، بل شخصية واحدة بوجهين مختلفين، وهو ما تطلب تحضيرًا نفسيًا وفنيًا مكثفًا قبل التصوير.
هل ترين أن السينما المصرية تمنح قضايا المرأة والصحة النفسية المساحة التي تستحقها اليوم؟
هناك تطور ملحوظ مقارنة بسنوات سابقة، لكن ما زالت المساحة المتاحة أقل مما تستحقه هذه القضايا، في أحيان كثيرة يتم تناولها من خلال زوايا درامية مثيرة أو بنهايات مريحة للمشاهد، ما حاولنا تقديمه في “نص حالة” هو كسر هذه المعادلة، وتقديم القضية بحجمها الحقيقي، بعيدًا عن التجميل أو المبالغة، مع الحفاظ على صدق التجربة الإنسانية في المقام الأول.






