“رمضان جانا” لم تكن مجرد أغنية.. كيف صنع عبد المطلب لنفسه مكانًا خاصًا في تاريخ الغناء المصري؟

هناك أصوات لا تحتاج إلى تعريف، يكفي أن تبدأ موسيقاها حتى تتغير ملامح المكان، وتعود الذاكرة سنوات إلى الوراء، ومن بين هذه الأصوات يأتي محمد عبد المطلب، الذي لم يكن مجرد مطرب قدم عشرات الأغنيات وإنما أحد الأصوات التي ارتبطت بتفاصيل الحياة المصرية اليومية، من الحارة والشارع والمقهى إلى ليالي رمضان والمناسبات والأفراح.
وفي ذكرى ميلاده، تتجدد سيرة واحد من أبرز مطربي القرن العشرين، الفنان الذي بدأ خطواته الأولى من خلف الكبار، قبل أن يصنع لنفسه شخصية غنائية مستقلة ويصبح صوته علامة مميزة في الغناء الشعبي المصري الراقي.
من شبراخيت إلى القاهرة.. البداية من القرآن والأسطوانات
وُلد محمد عبد المطلب عبد العزيز الأحمر في 13 أغسطس 1910 بمدينة شبراخيت التابعة لمحافظة البحيرة، نشأ في بيئة مصرية بسيطة، وحفظ القرآن الكريم في طفولته، وكان شغوفًا بالاستماع إلى الأسطوانات، وهو ما ساهم في تكوين أذنه الموسيقية مبكرًا.
لم تبدأ حكايته باعتلاء المسارح منفردًا، وإنما جاءت خطواته الأولى من خلال العمل مع كبار الموسيقيين في ذلك الوقت، وتذكر المصادر أنه عمل مع الموسيقار داود حسني، قبل أن ينضم إلى فرقة محمد عبد الوهاب ضمن أفراد الكورس.
وهنا بدأت أولى محطات الرحلة فالشاب الذي كان يقف خلف مطرب كبير مثل عبد الوهاب لم يكتفِ بالبقاء في الصفوف الخلفية، وإنما كان يبحث عن صوته الخاص وطريقته الخاصة في الأداء.

بديعة مصابني.. المحطة التي فتحت له باب الشهرة
كانت فرقة بديعة مصابني واحدة من أهم المحطات في حياة عبد المطلب الفنية وشارك في أجواء مسرحية وفنية أتاحت له الاحتكاك المباشر بالجمهور.
وفي تلك الفترة، بدأ اسم عبد المطلب يأخذ طريقه نحو الاستقلال خصوصًا مع اهتمامه بالأغنية الشعبية والمواويل، وهي المساحة التي وجد فيها صوته الحقيقي.
لم يكن عبد المطلب صاحب صوت تقليدي فطريقته في النطق، وأسلوبه في مد الكلمات، وقدرته على التعبير عن الشجن والفرح والعتاب جعلت صوته قريبًا من الناس وكأنه يحكي حكاياتهم بلغتهم اليومية.
“بتسأليني بحبك ليه”.. البداية الحقيقية مع محمود الشريف
كانت أغنية “بتسأليني بحبك ليه” من المحطات الفارقة في مسيرته، بعدما لحنها له الموسيقار محمود الشريف وسجلها على أسطوانة.
الأغنية لم تكن مجرد عمل جديد في مشواره، وإنما كانت خطوة ساعدت على تثبيت اسم محمد عبد المطلب كمطرب له شخصيته الخاصة بعيدًا عن كونه مجرد أحد أفراد الكورس خلف نجوم عصره.
ومن هنا بدأت العلاقة الفنية بين عبد المطلب ومحمود الشريف وهي العلاقة التي أثمرت لاحقًا عن واحدة من أشهر الأغنيات المرتبطة بالذاكرة المصرية حتى اليوم “رمضان جانا”.

“رمضان جانا”.. الأغنية التي انتصرت على الزمن
إذا كان هناك عمل واحد استطاع أن يجعل صوت محمد عبد المطلب حاضرًا في كل بيت تقريبًا بعد عقود من رحيله، فهو بالتأكيد “رمضان جانا”.
الأغنية من كلمات حسين طنطاوي وألحان محمود الشريف، وتحولت مع مرور السنوات إلى واحدة من أشهر الأغنيات المرتبطة باستقبال شهر رمضان في مصر.
واللافت أن نجاح “رمضان جانا” لم يرتبط بمرحلة زمنية محددة فالأغنية خرجت من سياقها الأصلي لتصبح طقسًا سنويًا، يتكرر مع كل اقتراب للشهر الكريم، وكأن صوت عبد المطلب أصبح جزءًا من أجواء رمضان نفسها.
وهنا تكمن قيمة عبد المطلب الحقيقية فبعض الفنانين تنجح أعمالهم في عصرهم بينما ينجح آخرون في عبور الأجيال، وهو ما حدث مع صوته وأغنياته.

أكثر من ألف أغنية.. صوت الحياة اليومية
لم يعتمد عبد المطلب على لون غنائي واحد وإنما قدم خلال مسيرته عددًا كبيرًا من الأغنيات التي تنوعت بين العاطفة والعتاب والحب والفرح والغناء الشعبي.
ومن أبرز ما ارتبط باسمه «ساكن في حي السيدة» «يا أهل المحبة» «يا حاسدين الناس»، «حبيتك وبحبك» «ودع هواك» «اسأل مرة عليه»، «الناس المغرمين» «شفت حبيبي» «ما بيسألش عليّ أبدا»، و«في قلبي غرام مصبرني».
لكن أهمية عبد المطلب لا تقاس بعدد الأغنيات فقط وإنما بقدرته على جعل الأغنية قريبة من المستمع. فقد كان صوته يحمل طابعًا مصريًا واضحًا وهو ما جعله واحدًا من أبرز ممثلي الغناء الشعبي الراقي في القرن الماضي.
السينما.. حضور أمام الكاميرا وصناعة خلفها
لم يتوقف نشاط محمد عبد المطلب عند الغناء وإنما امتد إلى السينما، حيث شارك في عدد من الأفلام، من بينها «علي بابا والأربعين حرامي» و«تاكسي حنطور» و«الصيت ولا الغنى» و«5 شارع الحبايب» إلى جانب أعمال أخرى.
ولم يكن دوره في السينما مجرد ظهور كمطرب إذ دخل أيضًا مجال الإنتاج السينمائي وتذكر المصادر أنه تعاون مع زوجته نرجس شوقي في تأسيس شركة إنتاج وأنتج عددًا من الأعمال من بينها «الصيت ولا الغنى» ثم «5 من الحبايب».
وهكذا أصبح عبد المطلب حاضرًا في أكثر من مساحة فنية، مطربًا وممثلًا ومنتجًا وهو ما يعكس طموحه في أن يكون جزءًا من صناعة الفن وليس مجرد مؤدٍ يقف أمام الجمهور.

وسام الجمهورية.. تقدير رسمي لمسيرة فنية
في عام 1964، حصل محمد عبد المطلب على وسام الجمهورية من الرئيس جمال عبد الناصر، في تقدير لمسيرته الفنية ومكانته في تاريخ الغناء المصري.
وكان التكريم بمثابة اعتراف رسمي بمكانة مطرب استطاع أن يصل إلى الجمهور بعيدًا عن التعقيد، وأن يحافظ في الوقت نفسه على قيمة فنية جعلت اسمه حاضرًا بين كبار مطربي عصره.
لماذا بقي محمد عبد المطلب؟
ربما يكون السؤال الأهم في ذكرى ميلاده ليس كم أغنية قدم محمد عبد المطلب؟ أو كم فيلمًا شارك فيه؟ وإنما لماذا ما زال صوته حاضرًا بعد كل هذه السنوات؟
الإجابة تكمن في أنه لم يغنِّ بعيدًا عن الناس، غنى عن الحب والاشتياق والعتاب والفرح واستطاع أن يمنح الأغنية الشعبية قيمة فنية خاصة دون أن يفقدها بساطتها لذلك لم يصبح عبد المطلب مجرد اسم في أرشيف الموسيقى المصرية وإنما تحول صوته إلى جزء من الذاكرة الجماعية، يكفي أن تأتي كلمات “رمضان جانا” من مكان ما حتى يعرف المستمع فورًا صاحب الصوت وتبدأ معها رحلة إلى زمن مختلف.
الرحيل.. غاب صاحبه وبقي صوته
في 21 أغسطس 1980 رحل محمد عبد المطلب عن عمر ناهز 70 عامًا بعد مسيرة فنية طويلة ترك خلالها رصيدًا كبيرًا من الأغنيات والأفلام والتجارب التي جعلت اسمه واحدًا من الأسماء البارزة في تاريخ الغناء المصري، ففي كل عام ومع اقتراب رمضان، يعود عبد المطلب من جديد عبر «رمضان جانا» وكأن الزمن لم يستطع أن ينتصر على صوته.






