
هشام فهمي: لا دعم نقديا دون آلية قانونية تضمن مراجعة قيمته دوريا وفق التضخم.. وحزب العدل سيواصل رقابة الملف داخل البرلمان.
عبد الناصر قنديل: مصر تطبق الدعم النقدي فعليا منذ سنوات دون إعلان رسمي.. وأطالب بعرض خطة التحول كاملة على البرلمان قبل التنفيذ
كريمة الحفناوي: الدعم آخر ورقة ستر للمواطن.. والغلاء سيبتلع أي دعم نقدي قبل الاستفادة منه
في وقت تتصاعد فيه حدة الجدل الاقتصادي والاجتماعي في مصر حول نية الحكومة التحول من الدعم العيني إلى الدعم النقدي وسط ضغوط اقتصادية قاسية تحت وطأة التضخم والمتغيرات الجيوسياسية ، فتحت جريدة “ليبرالي” الملف الأهم في جلسة حوارية معمقة وثرية، اتسمت بالصراحة والمكاشفة بالأرقام، اشتبك فيها ثلاثة من أبرز الأصوات السياسية المعنية بالقضية، لتفكيك تعقيداتها التي تمس حياة الملايين وهم : الدكتور هشام فهمي (عضو الهيئة العليا لحزب العدل) والدكتورة كريمة الحفناوي (القيادية بجبهة حق الناس)، والدكتور عبد الناصر قنديل (الخبير البرلماني والقيادي بحزب التجمع).
لم تكن الجلسة مجرد نقاش نظري، بل كانت تشريحاً لواقع ملايين الأسر المصرية عبر نقاشات حادة ورؤى متصادمة؛ ما بين مؤيد للتحول النقدي “المشروط” بضمانات رقابية وتشريعية، ومعارض بشدة يرى في الخطوة “رفعاً ليد الدولة” عن مسؤوليتها الاجتماعية في ظل موجات تضخم غير مسبوقة.
فإلى نص الجلسة الحوارية:
حزب العدل والدعم النقدي “المشروط”
قدم الدكتور هشام فهمي، عضو الهيئة العليا لحزب العدل، رؤية الحزب التي تقوم على مبدأ “المواطن أولاً”، موضحًا أن حزب العدل لا يرفض الدعم النقدي كمبدأ، بل يراه وسيلة أكثر حداثة وشفافية لضمان وصول الدعم لمستحقيه الفعليين، ولكن بشرط أن يكون “دعماً نقدياً مشروطاً”.

وشرح فهمي شروط حزبه قائلاً: “لا يمكن الانتقال للدعم النقدي دون وجود آلية قانونية وتشريعية تضمن مراجعة القيمة النقدية كل بضعة أشهر لتتوافق مع معدلات التضخم. كما يجب أن تضمن الدولة توفر السلع في الأسواق بأسعار منضبطة، وإلا تحول الدعم النقدي إلى (أوراق بلا قيمة) في يد المواطن”.
ووضع فهمي “فيتو” على التحول غير المدروس، مطالباً بضرورة وجود قاعدة بيانات دقيقة، وقياس حقيقي لمعدلات التضخم لضمان أن المبلغ النقدي الممنوح يوازي فعلياً قيمة السلع التي كان يحصل عليها المواطن.
وأكد فهمي أن التحول الرقمي والحوكمة يفرضان علينا التفكير في أساليب جديدة، لكنه حذر من “العشوائية في التطبيق”، مطالباً بضرورة وجود قاعدة بيانات دقيقة ومحدثة، وحوار مجتمعي لا يستثني أحداً، لضمان ألا يضار مواطن واحد من هذا التحول.
التضخم وصندوق النقد
في المقابل بدأت الدكتورة كريمة الحفناوي حديثها بنبرة يملؤها القلق، مؤكدة أن الدعم هو “آخر ورقة ستر” للمواطن. وكشفت الحفناوي عن أرقام مرعبة، حيث أشارت إلى أن تقارير البنك الدولي وصندوق النقد تؤكد وصول معدل التضخم في مصر إلى مستويات قياسية لامست الـ 66%، وفق ما تقول. واضافت أنه “عندما نتحدث عن تضخم بهذه النسبة، فنحن نتحدث عن تآكل فعلي لقيمة الجنيه، وبالتالي أي دعم نقدي ستعطيه الحكومة للمواطن سيلتهمه الغلاء قبل أن يصرفه”.

وربطت الحفناوي بوضوح بين هذا التوجه وشروط صندوق النقد الدولي، مشيرة إلى أن اتفاقية عام 2022، التي بدأت بقرض 3 مليارات دولار ثم قفزت إلى 8 مليارات، كانت تشترط بوضوح “التقشف الحكومي” الذي يترجم دائماً إلى خفض الإنفاق الاجتماعي، موضحة أن شروط الصندوق تشمل تعويم الجنيه (تركه للسوق)، ورفع الدعم عن الطاقة والسلع، وبيع أصول الدولة. واعتبرت أن الحكومة تنفذ أجندة الصندوق دون مراعاة لخصوصية المجتمع المصري.
دعم نقدي فعلي منذ سنوات
من جانبه ، فجر الدكتور عبد الناصر قنديل مفاجأة حين قال إن الحكومة المصرية انتقلت بالفعل إلى “الدعم النقدي” منذ سنوات دون إعلان رسمي. وأوضح قنديل أن تحديد “5 أرغفة” للمواطن بسعر محدد، أو وضع “50 جنيهاً” على بطاقة التموين لشراء سلع محددة السعر من قبل الحكومة، هو في جوهره دعم نقدي “مقطوع”.

وانتقد قنديل محاولة الدولة الانسحاب من دورها كـ “حاضنة اجتماعية”، مؤكداً أن الدعم فرض بالأساس لأن هناك حداً أدنى من المعيشة اللائقة تعجز شريحة كبيرة من المواطنين عن توفيره بأنفسهم.
وأضاف قنديل: “الدولة لم تعد تمارس الدعم العيني بمفهومه الحقيقي، بل هي محاولة للانسحاب من آخر أدوار الحكومات المركزية وفق نظم الحكم في العالم”. وحذر من أن تحويل المواطن إلى “زبون” في سوق حر لا تسيطر الدولة على أسعاره هو أمر بالغ الخطورة، مشيراً إلى أن غياب الرقابة على الأسواق سيجعل أي دعم نقدي “يتبخر” فور صدوره.
واتفق قنديل مع فكرة أن الحكومة “مأزومة” اقتصادياً، لكنه أضاف بعداً فلسفياً، حيث رأى أن الدولة تحاول الانسحاب من دورها “الراعي” لتتحول إلى مجرد “جابي” أو “شرطي”، مؤكدًا أن الدعم لم يُفرض كمنحة، بل كالتزام من الدولة لتوفير الحد الأدنى من الحياة الكريمة، وأن انسحابها يعني ترك المواطن فريسة لتقلبات سوق لا ترحم.
خدعة الأرقام.. هل الدعم هو سبب الأزمة؟
فندت الدكتورة كريمة الحفناوي الادعاء الحكومي بأن الدعم العيني يرهق موازنة الدولة. واستعرضت الحفناوي بيانات الموازنة التي تؤكد أن دعم رغيف الخبز لا يمثل سوى 3.5% من إجمالي الإنفاق الحكومي، بينما لا تتجاوز كافة أشكال الدعم السلعي والتمويني الـ 6.5%. وتساءلت باستنكار: “إذا كان إجمالي الدعم لا يصل إلى 10% من الموازنة، فكيف يُقال إنه سبب الأزمة؟ الأزمة الحقيقية في فوائد الديون التي تلتهم 46% من الموازنة، وفي الرواتب والمكافآت الضخمة للمستشارين”.

وفي هذا السياق، كشف الدكتور عبد الناصر قنديل عن “مفارقة سعرية”، حيث أشار قنديل إلى أن وزير التموين صرح بأن تكلفة رغيف الخبز المدعم على الدولة هي 124 قرشاً، في حين أن الرغيف “الحر” الذي يباع في الأفران السياحية (غير المدعم) يباع بـ 100 قرش و150 قرشاً بأوزان وجودة قد تكون أفضل.
وقال قنديل: “هذا يعني أن هناك خللاً في حساب التكلفة داخل المنظومة الحكومية، أو أن هناك فساداً في الحلقات الوسيطة يجعل تكلفة الرغيف الحكومي أغلى من الرغيف الحر! فكيف نثق في إدارة الحكومة لملف الدعم النقدي وهي لا تستطيع ضبط تكلفة إنتاج الرغيف؟”.
كما أشار قنديل إلى أزمة السكر، حيث حدد الوزير السعر العادل بـ 36 جنيهاً، بينما كان يباع في السوق الحر بـ 27 جنيهاً، مما يؤكد أن الحكومة تضع أسعاراً افتراضية مرتفعة لتقليل حجم الدعم الظاهري أو للتمهيد لرفع الأسعار.
مراجعة برلمانية ودورية
من جانبه، طالب الدكتور هشام فهمي بضرورة وجود مراجعة شاملة لسياسات الانحياز لرجال الأعمال والمطاحن والشركات الكبرى التي كونت إمبراطوريات على حساب دعم المواطن، مؤكداً أن حزب العدل سيظل يراقب الملف داخل البرلمان وبقوة.
وشدد فهمي على أهمية اتخاذ قرارات مصيرية كتحويل الدعم النقدي يجب أن يمر عبر البرلمان كقانون وليس كمجرد قرارات إدارية، لضمان مراجعته دورياً وربطه بمعدلات التضخم.
وأوضح أن الحديث عن تحول الدعم النقدي الي بائعة السجائر، هو حديث لا يمكن البناء عليه لوقف التعامل مع التحول إلى الشروط، كونه استثناء لا ينبى عليه، مشيرًا إلى أن الأهم في هذا الملف هو وجود ضمانات حقيقة عند التحول ومراعاة للتضخم، ومراجعة دورية.
وتوقع فهمي أن حزبه في حال عدم رصده لوجود ما يطالب به في ملف الدعم النقدي، فقد سيراجع الأمر برمته، لأن ما يهمه هو مصلحة المواطن أولًا.
تآكل القدرة الشرائية
عاد الدكتور عبد الناصر قنديل ليفجر قنبلة رقمية تتعلق بالأجور والقدرة الشرائية. حيث أجرى مقارنة بين عام 2016 والآن، قائلاً: “الحكومة تتفاخر بأنها رفعت الحد الأدنى للأجور من 1200 جنيه إلى 6000 جنيه (أو 8000 جنيه في بعض الكوادر). لكن بلغة الواقع، الـ 1200 جنيه في 2016 كانت تشتري 3 جرامات ذهب (عيار 24)، بينما الـ 8000 جنيه اليوم لا تشتري جراماً واحداً (أقل من جرام بمقاييس السعر الحالي)”.

واعتبر قنديل أن هذا القياس يثبت أن المواطن المصري “افتُقر” بنسبة تزيد عن 60% رغم زيادة الرواتب رقمياً. وأضاف: “عندما تعطي المواطن 150 جنيهاً مثلاً كبديل لنقاط الخبز، فهذا المبلغ قد يشتري اليوم 10 أرغفة، لكنه بعد شهر وبسبب التضخم قد لا يشتري سوى 5 أرغفة. هنا تكمن الكارثة؛ الدولة تعطي مبلغا ثابتاً في سوق متحرك بجنون”.
الحوار المجتمعي ومخاطر “السيستم”
بدوره، طالب الدكتور هشام فهمي بضرورة أن يكون الحوار الوطني حول الدعم حواراً حقيقياً وليس مجرد “ديكور”. وقال فهمي: “نحن في حزب العدل نطالب بجدول زمني واضح، وبضمانات قانونية تُنشر في الجريدة الرسمية، تُلزم الحكومة بزيادة الدعم النقدي تلقائياً مع كل زيادة في التضخم”.
بينما رأى الدكتور عبد الناصر قنديل أن “أعمال إدارة الدول ليست أعمالاً سرية “، مطالباً الحكومة بعرض خطتها كاملة بكل تفاصيلها الفنية والمالية على الشعب والبرلمان قبل التنفيذ. وأكد أن أي تحول دون موافقة البرلمان (المنتخب) سيكون طعناً في شرعية القرار.
وأثار قنديل نقطة في غاية الخطورة تتعلق بجاهزية الدولة التكنولوجية لإدارة منظومة الدعم النقدي لـ 70 مليون مواطن. وقال: “نحن نرى تعطل (السيستم) يومياً في البنوك، وفي صرف المعاشات، وفي امتحانات الثانوية العامة. فكيف سنرهن قوت يوم المصريين لبطاقة إلكترونية قد تتعطل في أي لحظة؟”.
واستطرد قنديل: “الدولة لم تستطع حتى الآن حل مشاكل 800 ألف مواطن سقطوا من منظومة المعاشات منذ 6 أشهر بسبب مشاكل تقنية، رغم صرف 1.4 مليار جنيه على هذا (السيستم). فماذا سيفعل رب الأسرة الذي يقف أمام البقال ويخبره أن البطاقة لا تعمل؟ هذا المواطن لا يملك ترف الانتظار، لأن أطفاله يريدون العشاء الآن”.
أين تذهب أموال المصريين؟
انتقدت الدكتورة كريمة الحفناوي غياب الرقابة على الأسواق، مؤكدة أن التاجر سيكون هو المستفيد الأول من الدعم النقدي؛ فبمجرد زيادة المبالغ في أيدي المواطنين، سيقوم التجار برفع الأسعار لامتصاص هذه الزيادة، في غياب تام للأجهزة الرقابية التابعة لوزارة التموين.

واستعرضت الحفناوي تفاصيل الموازنة العامة للدولة (2026/2027)، مشيرة إلى ما وصفته بـ “الانحيازات الطبقية الفاضحة”. وقالت الحفناوي: “إجمالي مخصصات مكافآت العاملين بالدولة وصلت إلى 326 مليار جنيه. هل تعلمون أين تذهب؟ 42% منها مخصص لزيادة مكافآت (المستشارين)، و37% مكافآت لمعاوني الوزراء، بينما لم يخصص لأصحاب المعاشات سوى 15% فقط!”.
وتابعت بمرارة: “الحكومة تدعي التقشف على الفقراء، بينما تزيد مكافآت المستشارين والوزراء بمبالغ خيالية. فوائد الديون وحدها تلتهم 46% من الإنفاق الحكومي. نحن ندفع ثمن سياسة استدانة خاطئة، ثم تطلب الحكومة من المواطن أن (يصبر) ويتحول للدعم النقدي الذي سيفقره أكثر”.
وأكدت الحفناوي أن الحكومة لم تلتزم بالنسب الدستورية للإنفاق على الصحة (3%) والتعليم (6%)، بل إنها تلتف على هذه الأرقام بدمج ميزانيات أخرى، مما أدى إلى تدهور الخدمات الأساسية التي يحتاجها الفقرا، منتقدة ما جاء ببيانات الموازنة العامة (2026/2027) التي تظهر زيادة في مخصصات المستشارين ومعاوني الوزراء مقابل ثبات أو تراجع في الخدمات الأساسية للمواطنين.
رغيف الخبز
ورغم تأكيد الحكومة عدم المساس برغيف الخبز، حذر قنديل والحفناوي من أن “رغيف الخبز” ليس مجرد سلعة، بل هو رمز للأمن القومي المصري. ودعا فهمي إلى التعامل مع هذا الملف بحرص ودقة واستخدام الحوكمة في التعامل مع الخبز في حال تطبيق الدعم النقدي.

وأشار قنديل إلى أن المصريين هم الشعب الوحيد الذي يطلق على القمح والخبز كلمة “عيش”، وهي مشتقة من “المعيشة” أو “الحياة” ولذلك حذر قنديل من أن المواطن الذي يتحمل غلاء الكهرباء والغاز والمواصلات، قد لا يتحمل المساس برغيف الخبز.
وفي هذا السياق، حذرت الحفناوي من المساس بالخبز، وقالت : “المواطن يرى الدولة تبني القصور والمشاريع الكبرى، بينما تأتي عند رغيف الخبز لتقول (لا يوجد أموال). هذا يخلق حالة من الاحتقان الشعبي المكتوم الذي يتزايد يوماً بعد يوم، خاصة بعد صدور قوانين مثل قانون الإيجار القديم الذي يهدد طرد المستأجرين، ثم المساس بالدعم”.
توصيات ومطالب
في نهاية الجلسة، أكد الدكتور هشام فهمي موقف حزب العدل من وجود ضرورة وجود “ضمانات تشريعية” ومتابعة رقابية صارمة، لضمان ألا يتحول الدعم النقدي إلى مجرد “مبلغ زهيد” يلتهمه التضخم في أيام مشددا على أهمية وجود نص قانوني يربط قيمة الدعم النقدي بمؤشر التضخم بشكل دوري وإلزامي.
وأكدت الدكتورة كريمة الحفناوي أن علاج خلل منظومة الدعم يبدأ بمحاربة الفساد في المطاحن وشبكات التوزيع، وليس بإلغاء الدعم العيني، فيما طالبت بوقف سياسات التقشف التي تستهدف الفقراء، والعودة للالتزام بالنسب الدستورية للإنفاق على الصحة والتعليم، ومحاربة الفساد داخل المنظومة الحالية بدلاً من إلغائها.
ودعا الدكتور عبد الناصر قنديل إلى ضرورة إجراء حوار مجتمعي حقيقي، والبدء بتجارب استرشادية في محافظات محددة لقياس الأثر قبل التطبيق العام، مع ضرورة ربط الدعم النقدي بسلة عملات أو بمعدل تضخم حقيقي يضمن ثبات القيمة الشرائية، ونشر التكلفة الحقيقية لرغيف الخبز والسلع التموينية، وتوضيح سبب ارتفاع تكلفة الحكومة عن سعر السوق الحر.







