بعد فوزه بالجائزة الكبرى في “تراثي”.. المصور أحمد مصطفى: تراث أسيوط ينهار وسط الإهمال

فاز المصور المتخصص في توثيق التراث أحمد مصطفى بالجائزة الكبرى في الدورة السابعة من مسابقة «تراثي»، ضمن محور «المشروعات الفوتوغرافية»، عن مشروعه البصري «الناس والمكان»، والذي وثق من خلاله معهد فؤاد الأول الديني الأزهري بمحافظة أسيوط، في واحدة من أبرز المسابقات المصرية المعنية بتوثيق التراث والحفاظ عليه.

نظم المسابقة الجهاز القومي للتنسيق الحضاري برعاية وزارة الثقافة، بالتعاون مع منصة «فلوج»، فيما أُقيم حفل توزيع الجوائز وافتتاح معرض الأعمال الفائزة بقصر الفنون بدار الأوبرا المصرية، بحضور وزيرة الثقافة، ورئيس الجهاز القومي للتنسيق الحضاري، ومحافظ القاهرة، وعدد من قيادات وزارة الثقافة والمهتمين بالتراث والفنون.

وجاء المشروع الفائز ليقدم رؤية بصرية تتجاوز توثيق المبنى الأثري بوصفه تحفة معمارية إسلامية، إذ ركز على العلاقة الإنسانية بين المكان ورواده، من خلال رصد الحياة اليومية داخل معهد فؤاد الأول الديني الأزهري، الذي يعد أحد أبرز المعالم المعمارية التاريخية في محافظة أسيوط.

أحمد مصطفى قال لـ”ليبرالي” إن مشاركته انطلقت من فكرة أن «التراث الحقيقي لا يكمن فقط في الحجارة، بل في الأرواح التي تسكن المكان وتمنحه معناه»، موضحًا أنه سعى إلى إبراز استمرار رسالة المعهد التعليمية عبر الأجيال، من خلال تصوير الطلاب والمعلمين داخل الأروقة التاريخية، في مشاهد تجمع بين أصالة العمارة الإسلامية وحيوية الحياة اليومية.

وأضاف أن التباين بين آثار الزمن الواضحة على الأخشاب والجدران التاريخية، وبين وجوه الطلاب والشباب الذين يملأون المكان بالحركة والتفاعل، صنع سردية بصرية تؤكد أن هذا الأثر لا يزال حيًا ويؤدي رسالته التعليمية حتى اليوم.

وأوضح أن المشروع اعتمد بالكامل على الضوء الطبيعي، مع توظيف العناصر المعمارية، مثل الممرات والأقواس، لتأطير حركة الأشخاص داخل المشهد، بما يعكس العلاقة العضوية بين الإنسان والمكان، ويجسد محور المسابقة «الناس والمكان».

وأكد “مصطفى” أن أحد أهم أهداف المشروع كان تسليط الضوء على الكنوز المعمارية والتراثية في صعيد مصر، مشيرًا إلى أن وصول أعمال توثق تراث محافظة أسيوط إلى قاعات العرض الكبرى في دار الأوبرا المصرية يمثل خطوة مهمة نحو لفت انتباه المجتمع وصناع القرار إلى القيمة الحضارية التي تزخر بها محافظات الصعيد.

وفي رسالة حملت الكثير من الأسى، قال أحمد مصطفى: «بينما تتسابق دول العالم لإحياء أي جدار قديم وصناعة تاريخ من لا شيء، نقف نحن في أسيوط نشاهد دررًا أثرية وتاريخية لا تُقدَّر بثمن وهي تنهار وتندثر يومًا بعد يوم بسبب تجاهل غير مبرر، وإهمال يرتقي إلى مرتبة الجريمة في حق التراث الأسيوطي.»

وأضاف أن الوكالات التجارية التاريخية العتيقة، التي كانت يومًا ما مركزًا رئيسيًا لقوافل درب الأربعين القادمة من قلب إفريقيا، وتحمل قيمة تاريخية واقتصادية ومعمارية استثنائية، تحولت اليوم إلى مخازن للمهملات، وأصبحت محاصرة بالعشوائيات ومهددة بالانهيار، في ظل غياب خطط حقيقية للحفاظ عليها وترميمها.

وأشار إلى أن أسيوط تضم عشرات المواقع الأثرية والمباني التراثية التي تعكس مكانتها التاريخية عبر العصور، إلا أن كثيرًا منها يواجه خطر الاندثار، مؤكدًا أن الحفاظ على هذا التراث ليس مسئولية المتخصصين وحدهم، بل مسئولية وطنية تستوجب تحركًا عاجلا من جميع الجهات المعنية.

واختتم أحمد مصطفى تصريحه قائلًا: «التوثيق البصري هو خط الدفاع الأول عن هويتنا الثقافية، والمعارض الفنية تمثل الجسر الذي ينقل هذا التراث من دائرة النسيان إلى دائرة الوعي المجتمعي. فالصورة ليست مجرد عمل فني، بل وثيقة تحفظ الذاكرة، وتدافع عن التاريخ، وتمنح الأجيال القادمة فرصة لرؤية ما قد نفقده إذا استمر الإهمال.»