لم أندم على أي عمل قدمته.. وسر “المعلمة الشعبية” دراسة وليس تمثيلاً فقط

لا أفكر في “التريند”.. و”الميمز” دليل على تفاعل الجمهور مع العمل
أفصل تمامًا بين شخصيتي الحقيقية وأدواري ولهذا صدقني الجمهور
“حديث الصباح والمساء” جمع معظم ممثلي مصر.. وكواليسه لا تُنسى
“بالطو” أقنعني بموهبة عصام عمر.. وتوقعت له مستقبلاً كبيرًا
مسلسلات السير الذاتية تثير دائمًا الجدل ولم أجد حتى الآن عملاً يغريني
تطل الفنانة القديرة سلوى عثمان على جمهورها في كل عمل بوجه جديد وشخصية مختلفة، فتتنقل ببراعة بين الأم المكافحة، و”المعلمة” الشعبية، والسيدة البسيطة التي تخطف القلوب بعفويتها وصدقها، وعلى مدار مشوار فني طويل، نجحت في ترسيخ مكانتها كواحدة من أبرز ممثلات جيلها، بفضل موهبتها وقدرتها الاستثنائية على الغوص في تفاصيل الشخصيات وتجسيدها بإقناع شديد.
في حوارها مع “ليبرالي” فتحت الفنانة سلوى عثمان، قلبها لتتحدث عن كواليس أهم أعمالها، وسر إتقانها للشخصيات الشعبية، ورأيها في ظاهرة “الميمز” المستوحاة من مشاهدها، كما تستعيد ذكرياتها مع عمالقة الفن، وتكشف عن رؤيتها لاختيار الأدوار، وموقفها من السير الذاتية، وأبرز النجوم الشباب الذين تؤمن بموهبتهم، لتقدم لنا حوارًا صريحًا يحمل الكثير من الخبرة والإنسانية وعشق الفن.

من بين أعمالكِ الكثيرة والمتنوعة.. أي منهم كانت الكواليس فيه أكثر راحة وهدوءًا بالنسبة لكِ؟
في الفن لا توجد كواليس مريحة وأخرى متعبة، فالعمل الفني كله مرهق، ونحن نمر بضغوط كبيرة جدًا، إما بسبب الرغبة في إنهاء التصوير سريعًا، أو لأننا بدأنا التصوير متأخرين فنحاول اللحاق بموعد العرض، لكن الكواليس تصبح “حلوة” وجميلة عندما تجدين كل شخص يجتهد في عمله، ويكون لدى الجميع الرغبة في إخراج أفضل ما لديهم؛ فهنا تكمن متعة الكواليس الجيدة.
هل تعاقدتِ على أعمال جديدة بعد المجهود الكبير الذي بذلتِه في رمضان؟
لا، أنا في إجازة حتى الآن، وأنتظر أن تُعرض علي أعمال جديدة، وبمجرد التعاقد على أي عمل، سأعلن عنه بكل تأكيد، أو ستتولى الشركة المنتجة الإعلان عن أبطال العمل.

تحققين معادلة صعبة؛ فبطبيعتك تتحدثين برقة وهدوء شديدين، بينما يراكِ الجمهور على الشاشة في أدوار “المعلمة الشعبية” القوية، كيف تصنعين هذه التركيبة؟
الشخصيات التي نقدمها لا علاقة لها بشخصياتنا الحقيقية، ولا ببيئتنا أو تربيتنا أو تعليمنا، السر يكمن في الخبرة إلى جانب الدراسة الأكاديمية؛ فقد تعلمنا في المعهد كيف نُجري دراسة تفصيلية وعميقة لكل شخصية، سواء كانت صعيدية أو فلاحة أو شعبية أو حتى شخصية عالمية، ندرس بيئة الشخصية، ومن أين جاءت، وإلى أين تتجه، وما هي طبقتها الاجتماعية.
بعد ذلك نبدأ في بناء الأداء اعتمادًا على هذه التفاصيل، فعلى سبيل المثال، شخصية “عزيزة” في مسلسل “سجن النسا” تنتمي إلى عالم تجارة المخدرات الذي يسيطر عليه الرجال، وهو عالم قاسٍ وصعب، لذلك كان من الطبيعي أن تمتلك نبرة صوت قوية وحادة، لكن داخل منزلها ومع زوجها قد تكون شخصية مختلفة تمامًا.
أما شخصية “صباح” في المسلسل نفسه، فهي أيضًا من بيئة شعبية، لكنها “الست الدلوعة” أو ما يُطلق عليها “العايقة”، لذلك كان يجب أن ينعكس ذلك في مخارج الحروف وطريقة الكلام والدلع في الأداء، وأحيانًا عندما أشاهد أعمالي، أستغرب وأسأل نفسي: “من أين أتيت بنبرة الصوت هذه؟”، فأنا أفصل تمامًا بين طبيعتي وسلوكي الحقيقيين وبين الشخصية التي أقدمها.

يلاحظ الجميع على منصات التواصل الاجتماعي أن الجمهور ينتظر أعمالك برمضان بشغف ليقتطع منها “الميمز”، وتحديدًا مشاهدك القوية في “سجن النسا” أو “حكيم باشا”، هل يزعجك هذا الأمر؟
على العكس، أشعر أن الجمهور يستمتع باقتطاع هذه المشاهد كل رمضان، وهذا يسعدني كثيرًا، والحقيقة أنني أثناء التصوير لا أفكر أبدًا في أن جملة معينة ستتحول إلى “تريند” أو أن مشهدًا ما سيعلق في أذهان الناس، فأنا أتعامل مع الدور باعتباره وحدة متكاملة، وأركز على تقديم الشخصية بصدق.
وحتى في الأدوار الكوميدية، لا يكون هدفي إضحاك الجمهور بقدر ما يكون هدفي أن أكون صادقة في تجسيد الشخصية، وأصدقائي هم من يرسلون إلي هذه “الميمز” عبر مواقع التواصل الاجتماعي، فأتفاجأ بها مثل الجمهور تمامًا، والحمد لله أنها تكون معبرة وتنال إعجاب الناس.
على مدار مشوارك الفني الطويل، من هو الفنان الذي كنتِ تسعدين بالوقوف أمامه، أو وافقت على الدور لمجرد وجوده في العمل؟
كلهم دون استثناء، الحمد لله، كانت بداياتي قوية، وتشرفت بالوقوف أمام عمالقة كبار مثل أحمد زكي، ومحمود عبد العزيز، ونور الشريف، رحمهم الله جميعًا، إلى جانب الأستاذ كمال الشناوي، والأستاذة القديرة سناء جميل، في البداية كنت أشعر بانبهار شديد وأنا أقف أمامهم، وكان أكثر ما يشغلني ويثير خوفي هو: هل سأستطيع الصمود والوقوف أمام هذه الموهبة الكبيرة وهذا التاريخ الفني العظيم؟.

المواجهة صعبة بالفعل.. فكيف كنتِ تتغلبين على هذا الخوف؟
كنت أفصل تمامًا بين الفنان والشخصية، أثناء التصوير لا أرى أمامي الأستاذة سناء جميل بتاريخها الكبير، وإنما أرى الشخصية التي تجسدها، وأركز فقط على علاقتي الدرامية بها وكيف يجب أن أرد عليها، لأنني لو انشغلت باسم الفنان الكبير الذي أقف أمامه، فلن أستطيع التمثيل أبدًا، أما بعد انتهاء المشهد والعودة إلى طبيعتنا، فكنا نعود للانبهار بكاريزمتهم وحضورهم الطاغي.
نشاهد حاليًا إعادة عرض مسلسل “حديث الصباح والمساء” وهو علامة فارقة في تاريخ الدراما المصرية، وكنا نتمنى كجمهور أن يمتد لعدة أجزاء.. ما أبرز ذكرياتك مع كواليسه؟
أنا أيضًا أتابعه حاليًا، ومستمتعة به جدًا، وكأنني أكتشف جماله من جديد، كانت كواليس هذا المسلسل رائعة، وكنا نمزح دائمًا قائلين:” مين من ممثلي مصر مش موجود في العمل؟”، لأن الجميع كان يشارك فيه؛ ليلى علوي، ودلال عبد العزيز، رحمها الله، وسوسن بدر، وغيرهم.
وأتذكر أننا كنا نذهب إلى موقع التصوير في السادسة صباحًا، ونقضي اليوم كله تحت أشعة الشمس، لكن رغم ذلك كانت الأجواء مليئة بالمحبة والروح الجميلة، كنا نجلس معًا، نتناول الطعام والشراب، ونتبادل الأحاديث، وهو ما جعل كواليس هذا العمل من أجمل الذكريات التي ما زلت أحتفظ بها.

المسلسل كان “وش السعد” على جيل الشباب وقتها، فكل من شارك فيه أصبح نجمًا لاحقًا؟
صحيح، فقد ضم العمل عددًا كبيرًا من الفنانين الذين كانوا في بداياتهم، مثل أحمد الفيشاوي، ومنة شلبي، وحنان مطاوع، وريهام عبد الغفور، ونيللي كريم، وكان المسلسل بمثابة انطلاقة حقيقية لهم، وفتح أمامهم أبواب الشهرة والنجومية.
ومن من نجوم الجيل الحالي والأعمار الشابة يلفت نظرك وتتمنين العمل معه؟
معظمهم مجتهدون للغاية، ويمتلكون شغفًا حقيقيًا بتقديم أعمال سينمائية ودرامية جيدة، وبالطبع، النجوم الكبار مثل كريم عبد العزيز وأحمد عز أصبحوا أساتذة، ولا يجوز تقييمهم، أما من الأجيال الأحدث، فيعجبني جدًا أحمد مالك، وطه الدسوقي، وعصام عمر.
عصام عمر تألق كثيرًا مؤخرًا، وأنت شاركتِ معه في مسلسل “بالطو”.. ماذا تقولين عنه؟
وافقت على المشاركة في مسلسل “بالطو” لأنني شعرت منذ اللحظة الأولى أن عصام عمر شاب موهوب جدًا، وأنه يمتلك مستقبلًا كبيرًا، والحمد لله، زملائي دائمًا ما يقولون إن “وشي حلو” عليهم، فمعظم الأعمال التي أشارك فيها تحقق نجاحًا، ويحقق أبطالها من الشباب قفزات كبيرة، وبعد “بالطو”، أصبح عصام بطلا محبوبًا وحقق نجاحًا لافتًا.

قدمتِ كل أنواع الأدوار؛ الصعيدية، والشعبية، والكلاسيكية، والأم الطيبة، والمرأة القوية.. ما الشخصية التي تشعرين أنك لم تقدميها بعد، وتتمنين تجسيدها حتى لو كانت سيرة ذاتية؟
لا أفكر بهذه الطريقة، ولا أتمنى تقديم شخصية بعينها، بل أنتظر ما يقدمه لي النص والعمل ككل، أمنيتي الحقيقية أن تُكتب الأعمال الفنية بشكل جيد وقوي منذ البداية، لأن الكاتب الذي يقدم عملا متماسكًا ومتميزًا، يخلق تلقائيًا شخصيات قوية تمنح جميع الممثلين فرصة للإبداع وإخراج أفضل ما لديهم.
هل نفهم من ذلك أنكِ لا تفضلين تقديم مسلسلات السير الذاتية؟
في رأيي، مسلسلات السير الذاتية من أصعب الأعمال، لأنها دائمًا ما تثير الكثير من الجدل، وغالبًا لا تُقدم الحقيقة كاملة، فإما أن يبالغ العمل في إظهار الحسنات حتى تبدو الشخصية ملائكية بلا أخطاء، أو يبالغ في إبراز السلبيات وإضافة أخطاء غير منطقية لا يصدقها المشاهد، وحتى الآن، لم أشاهد عملا متوازنًا في هذا النوع يغريني بتقديمه.
هل ندمتِ يومًا على عمل قدمته في مشوارك الفني؟
الحمد لله، لم أندم على أي عمل قدمته حتى الآن، ومع الخبرة التي اكتسبتها، أحاول دائمًا تلافي الأخطاء قبل الوقوع فيها، ففي العمل الفني لا يوجد مجال للندم بعد العرض، فطالما وافقتي على الدور، فأنتي مسؤولة عنه من الألف إلى الياء، وحتى إذا لم يخرج العمل ككل بالمستوى المطلوب، فأنا أحرص على بذل أقصى ما لدي في دوري، حتى يرى الجمهور الواعي أن “سلوى عثمان عملت إللي عليها”، وأنجو بنفسي تمثيليًا.

هل تمنيتِ يومًا أن تكوني مكان زميلة لك في دور أو عمل ناجح؟
أبدًا، لم أتمن شيئًا لم يكن من نصيبي، فهذا قدر ورزق لغيري، على العكس، أسعد كثيرًا بنجاح زملائي، لأننا في النهاية نكمل بعضنا البعض ونضيف للمهنة، والعمل الجيد يخلق منافسة شريفة ومحترمة، تدفع كل واحد منا إلى تقديم الأفضل في المرة القادمة.
يعجبني أسلوبك وفلسفتك.. فأنتِ من الشخصيات التي تركز في “ورقتها” وتطوير نفسها دون الالتفات للآخرين؟
النظر إلى أعمال الآخرين ومقارنة نفسك بهم هو إهدار للوقت والجهد الذهني دون فائدة، من المهم أن يتابع الفنان ما يُقدم في مجاله ليتعلم، فيعرف لماذا نجح هذا العمل ولماذا لم ينجح ذاك، لكن دون غيرة أو حقد، لقد عاصرت أجيالًا كثيرة؛ منهم من استمر، ومنهم من اعتزل، ومنهم من رحل، وما زلت مستمرة لأن هدفي منذ البداية كان بناء تاريخ فني محترم، والاستفادة من تجارب عمالقة الفن الذين سبقونا لنتعلم منهم.

من من نجمات الزمن الجميل اللاتي عملتِ معهن في بداياتكِ، ووجدتِها في الحقيقة ألطف وأجمل مما تظهر على الشاشة؟
الراحلة مديحة كامل، كانت سيدة في منتهى الجمال والبساطة والنقاء، ولم تكن تحمل أي عقد أو غيرة فنية كما نسمع أحيانًا، أكثر ما فاجأني أخلاقها الرفيعة، فرغم أنني كنت وقتها في بداية مشواري، كانت تشجعني وتدعمني أمام الجميع، وكانت تقول:” سلوى ستكون ممثلة ممتازة”، وهذا موقف نبيل لن أنساه لها أبدًا.





