
عبد الكريم آدم: علاج الأزمة يبدأ من ترتيب البيت الهندسي.. والشركات تستغل فائض المهندسين لفرض رواتب متدنية
نقيب المهندسين: نحتاج خفض أعداد خريجي الهندسة إلى 20 ألفًا سنويًا.. والكليات الخاصة أصبحت “تجارة”
تحتل مهنة الهندسة مكانة أساسية في مسيرة التنمية، حيث يُعد المهندس الركيزة الأساسية التي تُحول الأفكار والمخططات إلى مشروعات وإنجازات ملموسة على أرض الواقع، ورغم هذه الأهمية، يواجه المهندسون في مصر، خاصة حديثو التخرج، تحديات متزايدة، في مقدمتها تدني الرواتب التي لا تتناسب مع طبيعة المهنة، وحجم المسئوليات التي يتحملونها، أو الجهد المبذول فيها.
والنظرة المنصفة لهذه الأزمة تؤكد أنها ليست مسألة أرقام فقط، بل هي نتاج معادلة معقدة تتداخل فيها آليات العرض والطلب مع تزايد أعداد الخريجين سنويًا، جنبًا إلى جنب مع الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعاني منها الجميع.
وتتجلى الأزمة، وفقًا لما رصدناه في “ليبرالي”، بداية من إعلان وزارة العمل عن إتاحة فرصة عمل للمهندسين في أكثر من تخصص بإحدى الشركات الكبرى المتخصصة في تجميع وتصنيع المعدات بمدينة 6 أكتوبر، وذلك ضمن نشرة التوظيف الدورية لعام 2026، شريطة أن يكون المهندس المتقدم للوظيفة لديه 3 سنوات من الخبرة على أقل تقدير، وأن يتراوح عمره ما بين 25 إلى 27 عامًا.


“المرتب مش حلو.. وتعبان خالص”
فيما يخص الراتب -وفقًا لإعلان وزارة العمل- يتراوح ما بين 9 آلاف إلى 11 ألف جنيه، يُحدد حسب الخبرة، ومع طرح الإعلان، رصدت “ليبرالي” ردود فعل غاضبة بين عدد من المهندسين على المجموعات الخاصة بهم على منصات التواصل الاجتماعي، وفي مقدمتها جروب “وظائف المهندسين” والذي يضم أكثر من 190 ألف مهندس.
وقوبل الراتب بانتقادات واسعة من المهندسين، الذين اعتبروه غير متناسب مع طبيعة المهنة، حيث وصفها بعضهم بأنها مرتبات ضعيفة وصادمة، وعلق أحدهم بأن الراتب “ميت”، في حين عقب آخر بأن الراتب “مأيح طبعًا” – على حد وصفه-، وكتب أحد المهندسين:” راتب متواضع على الرغم من وجود رواتب في الحكومة أعلى.. ورغم ذلك فالراتب أقل من السوق”، بينما جاء التعليق الأخير من حساب باسم “محمد محمد” كتب فيه: “المرتب مش حلو وتعبان خالص.. وحديث التخرج دفعة 2026 بياخد 15 ألف جنيه”.
ردود الفعل الغاضبة التي أثارها إعلان إحدى الوظائف المطروحة عبر وزارة العمل، تكشف الحاجة إلى وقفة جادة لإعادة فتح ملف أجور المهندسين للنقاش، بعيدًا عن الشعارات أو المواقف الانفعالية، وبمنظور واقعي يسعى إلى تحقيق توازن عادل بين حقوق المهندسين وإمكانات سوق العمل.

ترتيب البيت الهندسي من الداخل
وفي هذا السياق، يقول المهندس عبد الكريم آدم، أمين الصندوق السابق بنقابة المهندسين، إن البحث عن حلول لهذه المعضلة يعتمد بالأساس على ترتيب البيت الهندسي من الداخل، من خلال التنسيق بين المؤسسات التعليمية وسوق العمل، وتطوير مهارات المهندس لفرض قيمته المستحقة، بما يضمن صون كرامة أبناء المهنة ودعم مسيرتهم في مقتبل العمر.
وأضاف “آدم” في تصريحه لـ”ليبرالي”، :” إذا أردنا معالجة ملف الأجور، فلا يجب أن نكتفي بصب غضبنا على أصحاب الشركات، بل علينا أن نتحلى بالشجاعة ونواجه الأسباب الهيكلية والتنظيمية التي أدت بالمهنة إلى هذا المنزلق المالي”.
وأوضح أمين الصندوق السابق، أن السوق محكوم بآليات واضحة، وعندما يتجاوز عدد الخريجين سنويًا حاجة السوق الفعلية بأضعاف، تفقد قوة العمل قيمتها التفاوضية، منوهًا بأن التوسع غير المدروس في إنشاء المعاهد الهندسية الخاصة والكليات وقبول مجاميع منخفضة، أغرق السوق بآلاف الخريجين سنويًا، مشيرًا إلى أن هذا الفائض جعل بعض أصحاب العمل يفرضون شروطهم المجحفة، لعلمهم أنه إذا رفض مهندس العمل براتب متدنٍ، فهناك عشرات غيره ينتظرون الفرصة.

60 معهد عالي للهندسة.. و45 ألف طالب ينضمون للكليات والمعاهد كل عام
وأشار “آدم” إلى وجود 60 معهد عالي للهندسة في مصر، لافتًا إلى أن هذا العدد كبير جدًا، كما أن هناك 45 ألف طالب ينضمون للكليات والمعاهد الهندسية كل عام، مشددًا على أن هذا العدد الضخم يسبب نقصًا كبيرًا في أعداد أعضاء هيئة التدريس مقارنة بنسب الطلاب.
وأفاد أمين الصندوق السابق بمطالبة نقيب المهندسين السابق، المهندس طارق النبراوي، لوزير التعليم العالي والبحث العلمي بتطبيق ثلاثة شروط فيما يخص خريجي كليات الهندسة، تمثلت في: ألا يزيد عدد المقبولين سنويًا على 25 ألفًا سواء في التعليم الخاص أو الحكومي، وألا يتعدى الفارق في تنسيق الجامعات الخاصة والحكومية 5%، مع تحديد مسار للتعليم الفني بحيث لا يدخل كليات الهندسة إلا من حصل على شهادة المعادلة فقط”.

عدد المهندسين يُقدر بـ 850 ألف..ونحتاج 500 ألف فقط
ووفقًا لـ”آدم”، فإن تحديد النقابة لقبول 25 ألف طالب سنويًا يحدث لأن النسبة العالمية تقدر بمهندس لكل 200 مواطن، وبحيث أن عدد سكان مصر يزيد على الـ 100 مليون نسمة، فإن ما يقابلهم هو 500 ألف مهندس، بينما عدد المهندسين الحالي يُقدر بـ 850 ألف مهندس، ومع الأخذ في الاعتبار أننا نزيد سنويًا بنسبة 2.5%، فإن النسبة المطلوبة فعليًا تصبح 12500 مهندس سنويًا فقط”.
ويرى “آدم” أن علاج التدني ليس بالمسكنات، بل بقرارات سيادية تبدأ من تقليص أعداد المقبولين بكليات الهندسة، وتعديل فوري لكادر المهندسين، مع تشريع نقابي صارم يمنع الشركات الكبرى التي تحقق أرباحًا بالمليارات من امتصاص دماء شباب المهندسين تحت دعاوى العرض والطلب.
بدوره، قال نقيب المهندسين، الدكتور محمد عبد الغني، إن أزمة البطالة بين المهندسين وصلت إلى مستويات غير مسبوقة، مشيرًا إلى أن نسب البطالة تتراوح ما بين 50% إلى 60% في بعض محافظات الصعيد، ما يمثل خطرًا حقيقيًا على مستقبل المهنة ودورها في التنمية.

الكليات الخاصة “تجارة” في الوقت الحالي
وأضاف “عبد الغني” أن مواجهة هذه الأزمة لم تعد تحتمل حلولا جزئية أو شعارات، بل تتطلب تدخلا مؤسسيًا جادًا يبدأ من تنظيم التعليم ومزاولة المهنة، وينتهي بحماية حقوق المهندس الاجتماعية والمهنية.
وأشار “عبد الغني”، إلى أن الكليات الخاصة تمثل “تجارة” في الوقت الحالي، وهي سبب رئيسي في كثرة أعداد الخريجين، قائلًا:” هناك عشرات الآلاف من المهندسين بدون عمل لعدم وجود خبرات وقدرات خاصة للعمل الهندسي”.
وأكد نقيب المهندسين، أن ضبط أعداد الخريجين يمثل خطوة أساسية للسيطرة على معدلات البطالة، داعيًا إلى تقليل أعداد خريجي كليات الهندسة ليصلوا إلى نحو 20 ألف مهندس سنويًا، بما يتوافق مع احتياجات سوق العمل وقدرته على الاستيعاب، منوهًا بأن استمرار تخريج أعداد ضخمة دون تنظيم حقيقي للمهنة يضر بالمهندس والدولة على حد سواء.





