
تعرضت العاصمة الأوكرانية كييف لهجوم روسي دامٍ فجر الإثنين، عشية قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) الحاسمة في تركيا، والتي يعتزم الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” حضورها، في الوقت الذي جدد الرئيس الأوكراني “فولوديمير زيلينسكي” دعوته لتزويد أوكرانيا بمزيد من صواريخ باتريوت، وذلك بعد أن أسفرت أحدث الهجمات الصاروخية الروسية عن مقتل ما لا يقل عن 12 شخصًا وإصابة أكثر من 50 آخرين.
وذلك قبل يوم واحد فقط من اجتماع قادة دول حلف شمال الأطلسي (الناتو) في أنقرة، وبعد عطلة نهاية أسبوع أجرى خلالها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين اتصالًا هاتفيًا مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. وكان زيلينسكي قد حذر في وقت متأخر من مساء الأحد من أن المعلومات الاستخباراتية تشير إلى أن روسيا تحضر لضربة جوية ضخمة أخرى على أوكرانيا قبيل قمة الناتو هذا الأسبوع في أنقرة.
قال عمدة كييف فيتالي كليتشكو إن غارات موسكو الليلية دمرت أربعة أحياء، وكان حي بوديلسكي الأكثر تضررًا حيث استهدفت عدة مبان سكنية شاهقة.
ويأتي هذا الهجوم الأخير بعد أيام قليلة من موجة أخرى من الهجمات الصاروخية والطائرات المسيرة الروسية التي أسفرت عن مقتل 13 شخصًا وإصابة أكثر من 80 آخرين الأسبوع الماضي، وبعد يومين من اتصال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
خلفية الأحداث
في الأشهر الأخيرة، تمكنت أوكرانيا من إبطاء التقدم الروسي على طول خط الجبهة البالغ طوله 1200 كيلومتر، واستعادت أراضي في بعض المناطق، بينما كثفت ضرباتها في عمق الأراضي الروسية، مستهدفة بشكل رئيسي مواقع الطاقة.

اتهمت أوكرانيا موسكو باستهداف المناطق المدنية عمدًا في تلك الضربة. وقالت روسيا إنها استهدفت قواعد عسكرية ومحطات طاقة ردًا على الضربات الأوكرانية الأخيرة على محطات توليد الطاقة ومنشآت الطاقة في الأراضي الروسية. وذلك في ظل النقص الحاد في الوقود في روسيا، وتزايد الشعور العالمي بأن حرب بوتين متعثرة، كثفت القوات الروسية غاراتها الجوية على كييف ومدن أخرى في الأيام الأخيرة
بينما واصلت كييف هجماتها بطائرات بدون طيار على منشآت الطاقة الروسية الحيوية، حيث انقطعت الكهرباء مؤقتًا عن مدينة سيفاستوبول في شبه جزيرة القرم التي تسيطر عليها روسيا. وقالت وزارة الدفاع الروسية إن كييف أطلقت 625 طائرة بدون طيار هجومية بعيدة المدى، وأن قواتها أسقطت 613 منها.
ونفى زيلينسكي والجيش الأوكراني السبتالماضي، مزاعم روسية بالسيطرة على مدينة كوستيانتينيفكا الشرقية ذات الأهمية الاستراتيجية. حيث أن الاستيلاء على كوستيانتينيفكا، الواقعة في أقصى جنوب سلسلة من المدن المحصنة بشدة والتي تشكل ما يسمى بـ”حزام الحصون” الأوكراني في منطقة دونيتسك، سيمنح القوات الروسية موطئ قدم للتقدم شمالاً.
الباترويت على جدول أعمال الناتو
ستشكل الحرب الروسية في أوكرانيا خلفية قمة الناتو هذا الأسبوع في تركيا، حيث سيلتقي ترامب مع زيلينسكي. وقد تحدث الرئيسان هاتفيًا يوم السبت. وكان ترامب قد عرض المساعدة مجددًا في إنهاء الحرب يوم الأحد خلال مكالمة هاتفية استمرت قرابة 90 دقيقة مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وفقًا لوزارة الخارجية الروسية.

وكان الرئيس ترامب قد تعهد بحل الحرب في غضون 24 ساعة من توليه منصبه لولاية ثانية، ولكن بعد مرور أكثر من 500 يوم على ولايته الحالية، لم تجد الإدارة الأمريكية بعد سبيلًا للسلام بين البلدين الجارين، على الرغم من المحاولات المتعددة.
وقبل انعقاد القمة، استغل زيلينسكي الهجمات على كييف لتجديد مناشدته للحلفاء بتزويد أوكرانيا بصواريخ لأنظمة باتريوت. وكتب زيلينسكي على موقع “X” يوم الإثنين: “من الأهمية بمكان أن يخرج العالم، وعلى رأسهم الولايات المتحدة وشركاؤنا الأوروبيون من قمة الناتو في تركيا بقرارات حاسمة لدعم دفاعاتنا الجوية”.
وصرح زيلنيسكي أن “الولايات المتحدة وأوروبا تملك من القوة ما يكفي لوقف هذا الإرهاب”. وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية “أورسولا فون دير لاين” إن حاجة أوكرانيا الملحة إلى مزيد من الدفاع الجوي ستناقش في القمة.
ووفقًا لبيانات القوات الجوية الأوكرانية، لم تتمكن الدفاعات الجوية من إسقاط أي من الصواريخ الباليستية التي أطلقت على أوكرانيا يوم الإثنين، حيث أفادت بأن 29 صاروخًا باليستيًا و18 طائرة مسيرة هجومية استهدفت 34 موقعًا في أنحاء البلاد. وأضافت أن أكثر من 350 طائرةً مسيرة و66 صاروخًا أطلقت باتجاه أوكرانيا، وكانت كييف الهدف الرئيسي. وأدت هجمات يوم الإثنين إلى انقطاع التيار الكهربائي في عدد من المناطق الأوكرانية، بما في ذلك كييف وسومي وخاركيف ودنيبروبيتروفسك، وفقًا لوكالة نقل الكهرباء في البلاد. وهو ما عزاه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إلى نقص صواريخ باتريوت المضادة للطائرات.
وتستطيع أحدث نسخ صواريخ باتريوت الاعتراضية التصدي للصواريخ الباليستية قصيرة المدى، وصواريخ كروز، والطائرات المسيرة على ارتفاعات تصل إلى 15 كيلومترًا ولمسافات تصل إلى 35 كيلومترًا.
ضعف الدفاعات الأوكرانية
بعد مرور أكثر من أربع سنوات على هجوم موسكو الشامل على أوكرانيا، منح التقدم الذي أحرزته أوكرانيا في تكنولوجيا الطائرات المسيرة، ميزة لها في الأشهر الأخيرة، حيث إن الضربات على خطوط الإمداد خلف خط المواجهة، قد أضعفت زخم الجيش الروسي في ساحة المعركة، مما أدى إلى إبطاء تقدمه وزيادة خسائره.
أعلنت وزارة الدفاع الروسية أن الهجوم استهدف مصانع أسلحة في كييف، بما في ذلك مواقع قالت إنها تنتج طائرات مسيرة، وطائرات مسيرة بحرية ومركبات مدرعة وصواريخ، بالإضافة إلى منشآت لإصلاح أنظمة الدفاع الجوي والبنية التحتية للوقود والطاقة في المدينة والمنطقة المحيطة بها. إلا أنه لم يتسن التحقق من هذه الادعاءات بشكل مستقل.
وتستغل روسيا الآن نوعًا مختلفًا من الزخم، وهو نقاط الضعف في الدفاعات الجوية الأوكرانية، التي لا تزال تعتمد بشكل كبير على منظومات باتريوت الأمريكية لاعتراض الصواريخ الباليستية التي نادرًا ما تستطيع إسقاطها بأي طريقة أخرى. وقد أدى الصراع في الشرق الأوسط إلى استنزاف الإمدادات العالمية من صواريخ باتريوت الاعتراضية، التي تنتج بالفعل بأعداد محدودة، وهو نقص تشعر به أوكرانيا الآن بشكل خاص.
يعتمد حلفاء الولايات المتحدة، ولا سيما في منطقة الخليج وكذلك أوكرانيا، على صواريخ باتريوت المصنعة في الولايات المتحدة من قبل شركتي “رايثيون” و”لوكهيد مارتن”، إلا أن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران استنزفت ما يقرب من ثلث المخزون العالمي من صواريخ باتريوت الاعتراضية. كما تشير بعض التقديرات إلى أن دول الخليج أطلقت مجتمعة أكثر من 1100 صاروخ اعتراضي خلال الأشهر القليلة الماضية.
ووفقًا لزيلينسكي تنتج شركة “لوكهيد مارتن” نحو 600 صاروخ اعتراضي سنويًا، أي ما بين 60 و65 صاروخًا شهريًا. ويقول مسؤولون أوكرانيون إن روسيا تنتج نحو 120 صاروخًا باليستيًا شهريًا، إلى جانب أنظمة أخرى. ما يعني خلل في التصدي مقابل الإنتاج.
ويبقى السؤال الرئيسي هل سيتمكن بوتين من تحقيق أهدافه التي يراها ضرورة حتمية لأمن روسيا القومي في الحرب أم سيتنازل؟ وهل سيتمكن زيلنيسكي من إقناع ترامب بالتفاوض لصالحه؟





