
خبراء لـ”ليبرالي”: المعلم ضحية غياب التخطيط.. “السناتر” استنزفت جيوب الأسر.. وتطبيق القانون على المدارس الخاصة ضرورة لحماية أولياء الأمور
نيفين فارس: المعلم هو ضحية غياب التخطيط ولابد من وضع سقف واضح للمصروفات الدراسية
هلال عبد الحميد : السناتر باتت ” سوق سوداء” والمعلم بلا ظهير وأولياء الأمور لهم “ربنا”
داليا الحزاوي: أطالب الوزارة بفتح قنوات حوار حقيقية مع أولياء الأمور وعدم اتخاذ قرارات كبرى بدونهم
جيهان سعيد: طموح طلبة التربية الآن هو العمل في سنتر تعليمي وليس العمل في المدارس
أحمد حسين: الأزمة تبدأ من غياب المدرسة.. وتجريم الدروس الخصوصية وتطبيق القانون على المدارس الخاصة ضرورة
حسن القباني ومي سليم
تتصاعد الانتقادات لمنظومة التعليم وأزماتها وفي مقدمتها “عوز المعلم” والضغوط القاسية على الأسر المصرية، في ظل التوسع في “تعليم السناتر”، واختلال الرقابة الوزارية مع المصروفات الباهضة للمدراس الخاصة، بجانب ظهور أزمة الرسوب الأخيرة في مادة الدين بالمدارس الدولية، وما يشكله ذلك من أعباء وتوابع، بالتزامن مع الجدل المثار حول امتحانات الثانوية العامة.
وأكد معنيون لـ”ليبرالي” ضرورة إصلاح التعليم والالتزام بالنسبة الدستورية للإنفاق على التعليم، مشددين على أن التحديات التي تواجه القطاع تستوجب إرادة سياسية حقيقية وإصلاحًا مؤسسيًا شاملًا يعيد للمدرسة دورها التعليمي والتربوي وللمعلم حقوقه وللأسرة هدوءها.
ضحايا التعليم
من جانبها، أكدت النائبة نيفين فارس عضوة مجلس الشيوخ عن حزب العدل أن المعلم ليس مسؤولًا عن الأزمة التعليمية، بل هو أحد ضحاياها، موضحة أن الظروف الاقتصادية الصعبة وضعف الرواتب دفعاه قسرًا للبحث عن مصادر دخل إضافية.

وقالت إن الدولة عندما تضع المعلم في كادر مالي لا يكفي احتياجاته الأساسية، فإنها تدفعه بصورة غير مباشرة إلى اللجوء للسناتر التعليمية، معتبرة أن المعلم “ضحية غياب التخطيط، وضحية نظام قرر أن يوفر ميزانيته من جيوب أولياء الأمور”.
وأضافت أن السناتر بدأت كحل مساعد للعملية التعليمية، لكنها تحولت مع الوقت إلى مشروع اقتصادي “متوحش” يستنزف ميزانيات الأسر المصرية، مطالبة بإعادة الاعتبار للمدرسة الحكومية حتى تستعيد دورها الطبيعي.
وفي ملف المدارس الخاصة، شددت فارس على ضرورة وضع سقف واضح للمصروفات الدراسية، مؤكدة أن التعليم حق دستوري وليس سلعة تخضع للمنافسة التجارية أو المباهاة الاجتماعية.
وقالت إن هناك تفاوتات غير مبررة في المصروفات بين مدارس تقدم الخدمة نفسها، بينما تقف الوزارة موقف المتفرج، وهو ما يتطلب رقابة حقيقية وتطبيقًا صارمًا للقانون.
وأوضحت أنها مع تدريس التربية الدينية داخل المساجد والكنائس حفاظًا على قدسية المادة، مع استبدالها داخل المدارس بمادة “الثقافة السلوكية” التي تركز على بناء الشخصية والقيم والسلوك الإيجابي لدى الطلاب.
وأكدت أن إصلاح التعليم يبدأ بتغيير الثقافة المجتمعية تجاهه، ووضع استراتيجية وطنية ثابتة لا تتغير بتغير الوزراء.
التعليم والإصلاح السياسي
أما الخبير التعليمي والسياسي هلال عبد الحميد، عضو مجلس أمناء الحركة المدنية الديمقراطية، فأكد أن الأزمة التعليمية تراكمت على مدار سنوات طويلة، مشيرًا إلى أن نظام العمل بالحصة والرواتب المتدنية جعل مهنة التدريس طاردة للكفاءات.

وأوضح أن المعلم الذي يتقاضى عشرات الجنيهات عن الحصة لا يستطيع حتى تغطية تكلفة انتقاله إلى المدرسة، فيما تصل كثافة الفصول إلى ما يقرب من 90 طالبًا، وهو ما يجعل أداء العملية التعليمية بصورة جيدة أمرًا شبه مستحيل.
ووصف السناتر التعليمية بأنها “سوق سوداء”، مؤكدًا أن كثيرًا من القائمين عليها ليسوا تربويين، وإنما يعتمدون على أساليب استعراضية لجذب الطلاب.
واقترح منح المعلمين الأكفاء تراخيص رسمية لتقديم دروس تحت إشراف الدولة وبمنظومة قانونية واضحة، بدلاً من ترك المجال لكيانات غير خاضعة للرقابة.
وفي ملف التربية الدينية، رأى عبد الحميد أن المشكلة ليست في المادة ذاتها، وإنما في طريقة تدريسها وعدم تأهيل معلميها، معتبرًا أن الرسوب في بعض المدارس الدولية جاء نتيجة قرارات مفاجئة دون تدريب مسبق.
وأشار كذلك إلى أن ضعف الإنفاق الحقيقي على التعليم أدى إلى اتساع الفجوة بين مدارس حكومية تعاني نقص الإمكانات ومدارس دولية مرتفعة التكلفة، محذرًا من أن هذا الانقسام يهدد السلم الاجتماعي.
وشدد على أن إصلاح التعليم يبدأ بإصلاح المناخ السياسي، وإجراء انتخابات حقيقية لنقابة المعلمين، والالتزام بالنسبة الدستورية للإنفاق على التعليم، حتى يصبح للمعلم ظهير يدافع عن حقوقه وتتم محاسبة المسؤولين عن أي إخفاق في المنظومة التعليمية، مؤكدًا أن كل الأزمات جعلت أولياء الأمور لا حول لهم ولا قوة وليس لهم إلا “ربنا”.
تفعيل رخصة مزاولة مهنة التعليم
من جانبها، أكدت داليا الحزاوي الخبيرة التربوية ورئيسة ائتلاف أولياء أمور مصر أن المعلم يمثل العمود الفقري للعملية التعليمية، وأن أي تطوير للمناهج أو استخدام للتكنولوجيا لن يحقق أهدافه دون تحسين أوضاع المعلمين ماديًا ومعنويًا.
وطالبت بتفعيل رخصة مزاولة مهنة التعليم بما يحمي المعلم ويرفع من كفاءته، مشيرة إلى أن المدرسين أصبحوا مثقلين بالأعباء الإدارية والورقية، وهو ما أفقد الحصة الدراسية قيمتها التربوية.
وفيما يتعلق بالدروس الخصوصية، أوضحت الحزاوي أن السناتر ليست أصل الأزمة وإنما نتيجة مباشرة لمناهج ضخمة لا تتناسب مع عدد أيام الدراسة، إضافة إلى نظام تقييم مرهق يدفع أولياء الأمور إلى البحث عن بديل يضمن نجاح أبنائهم.
وأضافت أن ولي الأمر لم يعد شريكًا في العملية التعليمية، وإنما يُعامل داخل المدارس الخاصة باعتباره “زبونًا”، منتقدة الزيادات الكبيرة في أسعار الزي المدرسي والرحلات والـ”سبلايز” التي تُفرض دون رقابة.
كما رأت أن خروج مادة التربية الدينية من المجموع أفقدها أهميتها لدى الطلاب، معتبرة أن الهوية لا تُبنى بمواد مهمشة، وإنما بمناهج تفاعلية تغرس القيم والسلوك.
السناتر وخريجو التربية
من جانبها، قالت الدكتورة جيهان سعيد القيادية بحزب العدل إن المعلم أصبح ضحية لسنوات طويلة من وقف التعيينات وضعف الرواتب، وهو ما جعل خريجي كليات التربية يفضلون العمل داخل السناتر التعليمية على الالتحاق بالمدارس الحكومية.

وأضافت أن السناتر توفر للمعلم دخلاً يفوق بكثير ما يحصل عليه داخل المدرسة، الأمر الذي ساهم في تفاقم الأزمة التعليمية.
وكشفت عن تجاوزات تمارسها بعض المدارس الخاصة، منها الزيادات المفاجئة في رسوم الخدمات والنقل المدرسي، وروت واقعة حجب نتيجة طالب بإحدى المدارس الدولية بسبب خلاف على مبلغ بسيط من رسوم الباص، معتبرة أن غياب الرقابة الحكومية شجع بعض المدارس على التوسع في هذه الممارسات.
وأكدت أن تحسين أوضاع المعلمين يجب أن يكون أولوية عاجلة، إلى جانب إنشاء من صات تعليمية حكومية قوية ومجانية تعيد للمدرسة دورها وتحد من الاعتماد على السناتر.
إرادة سياسية حقيقية
بدوره، أكد الأكاديمي أحمد حسين، المتخصص في ملف تطوير التعليم، أن حاضر مصر ومستقبلها مرهونان بجودة منظومة التعليم، مشددًا على أن التحديات التي تواجه القطاع تستوجب إرادة سياسية حقيقية وإصلاحًا مؤسسيًا شاملًا يعيد للمدرسة دورها التعليمي والتربوي.
وقال حسين إن انتشار الدروس الخصوصية ليس سوى “عرض لمرض” يتمثل في عجز المدرسة عن أداء رسالتها، الأمر الذي أدى إلى فقدان أولياء الأمور الثقة في قدرتها على تعليم أبنائهم، لتتحول الدروس الخصوصية إلى بديل فعلي للمدرسة، بما يمثله ذلك من استنزاف كبير لموارد الأسر المصرية.

وأوضح أن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب إعادة المدرسة إلى موقعها الطبيعي من خلال توفير الإمكانات المادية والبشرية والتكنولوجية واللوجستية اللازمة، إلى جانب تعزيز الرقابة الشعبية المحلية المنتخبة على أدائها، وإصدار تشريعات تجرم الدروس الخصوصية وتوقع العقوبات على ممارسيها، فضلًا عن تحسين الأوضاع المادية للمعلمين بما يضمن لهم حياة كريمة.
وفي تعليقه على رسوب عدد من الطلاب في امتحان التربية الدينية، في المدراس الدولية، اعتبر حسين أن الواقعة تمثل “حالة مجتمعية كاشفة” تكشف غياب الدور الحقيقي للمدرسة، لافتًا إلى أن المادة تتضمن معلومات دينية أساسية وبسيطة، إلا أن الطلاب أهملوها لأنها لا تُضاف إلى المجموع النهائي ولا ترتبط بالدروس الخصوصية.
وأضاف أن نجاح الطلاب في مواد مثل الرياضيات واللغة الإنجليزية، مقابل الرسوب في التربية الدينية، يعكس اعتماد العملية التعليمية على الدروس الخصوصية أكثر من اعتمادها على المدرسة، وهو ما وصفه بأنه مؤشر خطير على واقع التعليم.
وحول الزيادات المستمرة في مصروفات المدارس الخاصة، أكد حسين أن الأزمة ذات أبعاد اقتصادية وسياسية وقانونية، مشيرًا إلى أن تراجع القوة الشرائية للجنيه وارتفاع معدلات التضخم يمثلان جانبًا من المشكلة، بينما يتمثل الجانب الآخر في ضعف الرقابة على المدارس الخاصة وتركها تحدد مصروفاتها بصورة لا تراعي الأعباء الواقعة على أولياء الأمور.
وشدد على ضرورة التزام الدولة بتطبيق أحكام قانون التعليم رقم 139 لسنة 1981، ولا سيما المادة (64)، التي تمنح المحافظ المختص سلطة تحديد المصروفات الدراسية ورسوم الأنشطة والخدمات المختلفة في ضوء مشروع موازنة المدرسة والقواعد العامة التي يضعها وزير التربية والتعليم والتعليم الفني، مؤكدًا أن تفعيل هذا النص يحقق التوازن بين حقوق المدارس الخاصة ومصالح أولياء الأمور.
وأوضح أن جميع مشكلات التعليم قابلة للحل إذا توافرت الإرادة السياسية التي تضع التعليم في مقدمة أولويات الدولة، مع الالتزام بتطبيق النصوص الدستورية المنظمة للإنفاق على التعليم، وصياغة السياسات التعليمية في إطار مؤسسي يستند إلى الدستور والقانون بعيدًا عن الارتباط بالأشخاص، إلى جانب توفير الإمكانات اللازمة للمدارس بما يمكنها من أداء رسالتها التعليمية والتربوية على الوجه الأمثل.





