“تحت المجهر” جرائم قتل الزوجات في مصر.. هل تصاعد العنف الأسري أم ازداد ظهوره؟

جرائم متشابهة في محافظات مختلفة ونهاية واحدة.. خبراء يناقشون أسباب تكرار قتل الزوجات ودور الأسرة والقانون في مواجهة الظاهرة

في الآونة الأخيرة، وعلى فترات متقاربة، نستيقظ على خبر مقتل زوجة على يد زوجها، بينما اختلفت المحافظات التي شهدت الجرائم، وتنوعت طرق ارتكابها، لكن تكررت في معظمها رواية واحدة في التحقيقات الأولية وهي الخلافات الأسرية.

ورصد “ليبرالي” عددًا من الوقائع التي جرى تداولها عبر وسائل الإعلام منذ بداية العام الجاري، حيث امتدت الجرائم من الجيزة والمنوفية والفيوم إلى الإسكندرية والبحيرة والقاهرة، ومختلف محافظات مصر، وانتهت جميعها بمقتل زوجات على أيدي أزواجهن، الأمر الذي يطرح تساؤلات حول أسباب تصاعد العنف داخل الأسرة.. وماذا يحدث للمجتمع المصري؟ هل أن الأمر استعراض قوة.. أم استسهال تنفيذ جريمة؟ وهل هذه النوعيات من الجرائم معتادة للمجتمع المصري والسوشيال ميديا ساعدت في انتشارها.. أم أنها ازدادت بالفعل؟

ويقتصر هذا الرصد على الحوادث التي وصلت إلى وسائل الإعلام وأثارت اهتمام الرأي العام، بينما تبقى وقائع أخرى بعيدة عن دائرة الضوء، وهو ما يُعني أن حجم العنف الأسري قد يكون أكبر مما تعكسه الأخبار المتداولة.

خلافات أسرية انتهت بالقتل.. أبرز الجرائم منذ بداية 2026
رصد “ليبرالي” أخر جريمة منذ أيام قليلة في محافظة الجيزة بمنطقة الواحات، حيث قام عاطل بقتل زوجته ودفن جثمانها داخل أرض زراعية مجاورة للمنزل، قبل أن يحاول إبعاد الشبهات عن نفسه بالإبلاغ عن اختفائها في ظروف غامضة، إلا أن التحريات قادت إلى كشف الجريمة وضبط المتهم وإحالته للتحقيق.

أما في القاهرة، فألقت الأجهزة الأمنية القبض على صاحب شركة سيراميك متهم بقتل زوجته داخل مسكنهما بمدينة بدر، بعدما تبين أنه هشّم رأسها وسدد لها طعنات متفرقة في أنحاء الجسد، وذلك على خلفية خلافات زوجية متكررة بينهما.

وفي الفيوم، شهد مركز طامية واقعة مأساوية بعدما اعتدى زوج على زوجته بالضرب المبرح خلال خلاف أسري، لتسقط قتيلة متأثرة بإصابتها.

وبرزت محافظة المنوفية بشكل لافت ضمن الوقائع التي جرى رصدها منذ بداية العام، حيث شهدت أكثر من جريمة قتل راحت ضحيتها زوجات على أيدي أزواجهن، ففي قرية منيل عروس التابعة لمركز أشمون، لقيت ربة منزل مصرعها، على خلفية خلافات زوجية، كما شهدت قرية الكوم الأخضر التابعة لمركز شبين الكوم جريمة أخرى، بعدما أقدم زوج على طعن زوجته بسلاح أبيض داخل المنزل، ما أدى إلى وفاتها.

وفي قرية كفر السنابسة، انتهت خلافات بين زوجين بمقتل الزوجة داخل منزلها، كما شهدت قرية ميت برة التابعة لمركز قويسنا واقعة أخرى، بعدما اعتدى عاطل على زوجته بالضرب المبرح، ما أدى إلى وفاتها متأثرة بالإصابات التي لحقت بها، وفي مدينة السادات، أقدم زوج على ذبح زوجته أمام إحدى المدارس أثناء خروجها برفقة نجلها.

وفي محافظة البحيرة، قام عامل بقتل زوجته ثم دفن جثمانها داخل حفرة خلف المنزل، قبل أن يغطيها بطبقة من الأسمنت في محاولة لإخفاء معالم الجريمة، وشهدت محافظة الإسكندرية عددًا من الوقائع المتنوعة خلال الأشهر الماضية، حيث أقدم ميكانيكي على قتل زوجته داخل مسكنهما بدائرة قسم شرطة الرمل ثان، وفي منطقة عزبة سكينة، أقدم زوج على قتل زوجته باستخدام سلاح أبيض إثر خلافات أسرية بينهما، كما شهدت منطقة الهانوفيل بالعجمي جريمة أخرى راحت ضحيتها زوجة على يد زوجها.

ومن بين الوقائع التي أثارت صدمة واسعة، مقتل سيدة  منطقة عبد القادر غرب محافظة الإسكندرية وكانت تعاني من سرطان الرحم، إلا أن زوجها قام بالاعتداء عليها بضرب أفضى إلى الموت .

وفي سوهاج، قام موظف بالتأمينات، بالتعدي على ابنتيه باستخدام سكين، مما نتج عنه إصابتهما، وإحداهما حالتها خطرة، كما قام بالتعدي على زوجته، ما أسفر عن وفاتها في الحال متأثرة بإصابتها.

الجريمة لا تفرق بين الوظائف

أكد اللواء فاروق المقرحي، مساعد وزير الداخلية الأسبق، أن تزايد الجرائم الأسرية في السنوات الأخيرة يرتبط في المقام الأول بتراجع منظومة التربية داخل الأسرة، مؤكدًا أن السبب لا يتعلق بالمستوى التعليمي أو الوظيفي للجاني، وإنما بانهيار القيم والأخلاق.

وأضاف “المقرحي” في تصريح خاص لـ”ليبرالي” أن الجرائم الأسرية التي نشهدها اليوم لم تكن بهذا الانتشار أو بهذا القدر من العنف في العقود الماضية، لافتًا إلى أنها كانت تعد حالات نادرة تثير الرأي العام بأكمله، مستشهدًا بواقعة تحرش تعود إلى منتصف السبعينيات، حيث أحدثت وقتها ضجة كبيرة في الشارع والصحافة، وهو ما يعكس اختلاف طبيعة المجتمع آنذاك.

ورفض “المقرحي” رأي البعض في أن هذه الجرائم كانت موجودة قديمًا بنفس المعدلات لكن وسائل التواصل الاجتماعي هي التي أبرزتها، مؤكدًا أنه عاصر أجيالًا مختلفة، ولم يشهد انتشارًا لهذا النوع من الجرائم بالشكل الحالي، وأن هذه الجرائم لك تكن بهذا الحجم، موضحًا أن الظاهرة لم تعد قاصرة على المدن، بل امتدت إلى القرى أيضًا، بعد أن تأثرت المجتمعات الريفية بأنماط الحياة في المدن، بل وازدادت المعدلات في القرى أكثر من المدن.

واختتم مساعد وزير الداخلية السابق تصريحاته بالتأكيد على أن الحل الحقيقي يكمن في عودة الأسرة لتحمل مسؤوليتها الكاملة في تنشئة الأبناء، وأن يضطلع الأب والأم بدورهما في التربية وغرس القيم والأخلاق، مشددًا على أن التربية الصحيحة هي خط الدفاع الأول لحماية المجتمع من هذه الجرائم.

عوامل تصنع الجناة

من جانبه، سلط الدكتور شريف العماري، استشاري العلاقات الأسرية، الضوء على أبرز العوامل التى تدفع الأزواج إلى إرتكاب جرائم عنف تصل إلى قتل الزوجة، ومن أهمها ضعف الوازع الديني، وأيضًا الفهم الخاطئ للدين يعتبر من أبرز عوامل العنف ضد الزوجة، حيث أن المجتمع الآن يترنح ما بين الإفراط أو التفريط فإما تشدد واهتمام بالمظهر وليس الجوهر وصحيح الدين وإما تفريط وبعد عن الدين.

وأضاف في تصريحاته لـ”ليبرالي” أن ثالث الأسباب يتمثل في أخطاء التربية، قائلا إن:” التربية هي حجر الأساس في تشكيل الشخصية وتنشئتها تنشئة سوية وغياب دور الآباء في التربية وانشغالهم بالحياة المادية ومحاولة توفير متطلبات الحياة”، أما رابع الأسباب حسب رأيه، فهو إهمال الإشباع العاطفي للأبناء، كما أن أخطاء التربية تقود إلى جيل منحرف. وعن السبب الخامس، أكد أن غياب دور المدرسة في التوجيه والإرشاد، وثقافة المجتمع التي تشجع على العنف والجريمة والموروثات الثقافية الخاطئة، مثل ما يطلق عليه “جرائم الشرف”، وهو مصطلح خاطئ فلا شرف في الجريمة، فتلك الجرائم تحكمها عادات وتقاليد خاطئة وتدفع ثمنها المجني عليها وليس الجاني.

وتابع أن الإدمان والمخدرات تزيد من معدل الرغبة لدى المتعاطي في القتل والسرقة وارتكاب الجرائم، وتدمر طريقة حكمه على الأمور، كما أن الإدمان يعد من أكثر الأسباب التي تؤدي إلى زيادة معدلات الجريمة، مضيفًا أن البطالة والفقر والضغوط الاقتصادية التي تلعب دوراً أساسياً في زيادة معدلات الجريمة والجهل، فكلما ارتقى المستوى الثقافي والتعليمي في المجتمع قلت معدلات الجريمة، بينما انتشار الجهل وغياب الوعي يؤدي إلى زيادة معدلات الجريمة، موضحًا أن العنف في الدراما من أكثر الأسباب التي تؤدي إلى العنف وارتكاب الجرائم، مع غياب العدل والتعرض للظلم والقهر والعنف، مشيرًا إلى أن الطلاق يؤدي إلى انهيار الأسرة وضياع الأبناء، ويترتب عليه العديد من المشاكل، كالتسرب من التعليم وأطفال الشوارع وتشوهات نفسية للأبناء ومن ثم زيادة معدلات الجريمة.

نسف العادات المخالفة للدين
وشدد استشاري العلاقات الأسرية في نهاية حديثه على ضرورة تصحيح المفاهيم الدينية ونشر روح السماحة والرحمة وقبول الآخر في المجتمع، وكذلك العمل على نسف جميع العادات والتقاليد المتوارثة التي تخالف صحيح الدين، وتخالف الإنسانية والرحمة والعدل، وأن يكون للمدرسة دور في التوجيه والإرشاد وتقديم القدوة للطلبة، ومن الضروري تأهيل المقبلين على الزواج ليصبحوا آباء وأمهات قادرين على تنشئة جيل سوي وتوعيتهم بأسس التربية الصحيحة.

كلمة السر “الخلافات الأسرية”

ومن جانبه، قال الدكتور أحمد مهران، الخبير القانوني، إن هذه النوعية من الجرائم ليست جديدة على المجتمع المصري، وشهدت السنوات الماضية العديد من الوقائع المشابهة التي رصدتها منظمات حقوقية ونسوية، كما عكستها الحوادث المتداولة في الأخبار، والتي كشفت عن سقوط كثير من السيدات ضحايا لخلافات وصراعات أسرية انتهت بشكل مأساوي.

وأضاف “مهران” في حديثه لـ”ليبرالي” أنه غالبًا ما ترتبط هذه الجرائم بتفاقم الخلافات الزوجية، سواء بسبب الأعباء المادية، أو عدم قدرة الزوج على الإنفاق، أو تعرض الزوجة للعنف، أو اضطرارها إلى العمل لتحمل جزء من مسؤوليات الأسرة، بما ينعكس على طبيعة العلاقة بين الطرفين، كما أن بعض الوقائع ارتبطت باكتشاف أحد الزوجين وجود خيانة زوجية، سواء كانت خيانة فعلية أو إلكترونية عبر مواقع التواصل الاجتماعي، التي أصبحت في بعض الحالات وسيلة لإقامة علاقات أو صداقات تتجاوز حدود العلاقة المشروعة، وهو ما يؤدي أحيانًا إلى تصاعد الخلافات وانفجارها بصورة عنيفة.

جرائم لا تعكس قيم المجتمع المصري
ووجّه “مهران” رسالة توعوية إلى المجتمع، مؤكدًا أن هذه الجرائم لا تعكس قيم المجتمع المصري ولا أخلاقه، ويجب أن يعلم الجميع أن هناك قانون يحمي الرجال والنساء، وعليهم الرجوع إلى الدين والقيم والعادات المجتمعية.

وأكد أن تطبيق القانون بحزم وسرعة يمثل أحد أهم وسائل الردع، حتى يدرك الجميع أن أن أي اعتداء على الزوجة أو أي فرد داخل الأسرة لن يمر دون عقاب، وأن كل من يرتكب مثل هذه الجرائم سيواجه جزاءً رادعًا وفقًا للقانون، ولكي يعلم القاصي والداني سيقتص من كل من يخالف أحكامه بالاعتداء على قيم المجتمع أو الحقوق والحريات أو بالاعتداءعلى المرأة وأن يكون لها نصيب ودور داخل المجتمع.

وطالب بمحاكمة كل من يقوم بمثل هذه النوعية من الجرائم بشكل علني، لكي يكون عبرة لكل من يتصور أن حياة النساء رخيصة أو أن حياة الزوجات هينة، أو أن القانون سيحمي البعض دون البعض الأخر، لذا لابد من نشر ثقافة التوعية التي تُرسخ أساليب التعامل السليم بين الأزواج، ونشر روح الود والمودة والرحمة، وترفض جميع أشكال العنف الأسري، مؤكدًا أن احترام حقوق المرأة وصون كرامتها مسؤولية مجتمعية قبل أن تكون التزامًا قانونيًا.