من “جيهان زكي” إلى رؤساء دول.. كيف أطاحت السرقات الأدبية بكبار المسؤولين في العالم ؟

لم تعد السرقة الأدبية أو الانتحال الأكاديمي مجرد مخالفة بحثية تُناقش داخل أروقة الجامعات، بل تحولت خلال العقود الأخيرة إلى قضية تمس نزاهة المسؤولين وثقة الرأي العام في أصحاب المناصب العامة، ففي العديد من الدول، أطاحت اتهامات الانتحال الأدبي بوزراء ورؤساء دول وشخصيات سياسية بارزة، بعدما اعتُبرت الأمانة العلمية امتدادًا للأمانة العامة، وأن من يخالف الأولى يصعب الوثوق في الثانية.

وفي مصر، عاد هذا الملف إلى الواجهة مجددًا مع الجدل الذي أثير حول إحدى القضايا المتعلقة بحقوق الملكية الفكرية، ليطرح تساؤلات أوسع حول العلاقة بين المسؤولية العامة واحترام حقوق المؤلف، وحدود المسؤولية القانونية والأخلاقية للمسؤولين.

تُعد القضية المرتبطة بوزيرة الثقافة، الدكتورة جيهان زكي، من أبرز القضايا التي أثارت نقاشًا واسعًا حول حقوق الملكية الفكرية، بعد صدور أحكام قضائية في نزاع يتعلق بكتاب “قوت القلوب”.

وتعود وقائع النزاع إلى دعوى أقامتها الكاتبة سهير عبد الحميد، اتهمت فيها الوزيرة بالتعدي على حقوقها الفكرية من خلال نشر مصنف يتضمن أجزاءً من كتابها دون الحصول على إذن أو مراعاة حقوق المؤلف، وفق ما ورد بأوراق الدعوى.

وانتهى النزاع بصدور أحكام قضائية أيدتها محكمة النقض، لتصبح الأحكام نهائية وباتة، وهو ما منح القضية بعدًا قانونيًا يتجاوز مجرد الخلاف الأدبي، باعتبارها تتعلق بتطبيق قانون حماية الملكية الفكرية، ما دفع وزيرة الثقافة إلى تقديم استقالتها لرفع الحرج عن الحكومة.

وأثارت القضية نقاشًا واسعًا داخل الأوساط الثقافية والقانونية، خاصة وأن وزارة الثقافة تُعد الجهة المنوط بها دعم الإبداع وصون حقوق المؤلفين، بينما رأى آخرون أن الفصل القانوني في النزاع لا يمنع استمرار الجدل السياسي والأخلاقي حول انعكاسات القضية على المنصب العام.

ترصد “ليبرالي” في هذا التقرير أشهر وقائع السرقات الأدبية للمسؤولين والمشاهير.

 كارل تئودور تسو جوتنبرج”2011″

كان يُنظر إلى وزير الدفاع الألماني الأسبق، كارل تئودور تسو جوتنبرج، باعتباره أحد أبرز المرشحين لخلافة المستشارة أنجيلا ميركل، قبل أن تكشف وسائل الإعلام الألمانية أن أطروحته للدكتوراه تضمنت عشرات المقاطع المنقولة من مصادر مختلفة دون توثيق علمي.

وبعد تحقيقات أكاديمية موسعة، سحبت جامعة بايرويت درجة الدكتوراه منه، قبل أن يعلن استقالته من منصبه تحت ضغط سياسي وإعلامي واسع، لتصبح القضية واحدة من أشهر وقائع سقوط مسؤول بسبب الانتحال الأكاديمي.

بال شميت “2012”

واجه رئيس المجر السابق بال شميت، أزمة سياسية غير مسبوقة بعدما أثبت تحقيق أكاديمي أن رسالته للدكتوراه تضمنت أجزاء كبيرة منقولة من أعمال باحثين آخرين دون الإشارة إليها.

وقررت الجامعة سحب الدرجة العلمية، وبعد أيام أعلن استقالته من رئاسة الجمهورية، مؤكدًا أن استمرار الجدل حول القضية قد يؤثر في موقع الرئاسة ذاته.

 ديسيرنت” تفتح أكبر ملفات الانتحال الأكاديمي للمسؤولين

لم تكن روسيا بمنأى عن فضائح الانتحال الأكاديمي، إذ شهدت منذ عام 2013 ظهور شبكة «ديسيرنت» (Dissernet)، وهي مبادرة مستقلة تضم أكاديميين وصحفيين ومتخصصين في مراجعة الرسائل العلمية، وتولت فحص مئات رسائل الدكتوراه الخاصة بمسؤولين وسياسيين وأعضاء في البرلمان، لتتحول خلال سنوات قليلة إلى أحد أبرز الملفات التي أثارت الجدل حول نزاهة الحياة الأكاديمية في روسيا.

ومن أبرز الوقائع التي فجرت القضية، ما يتعلق بأندريه أندريانوف، المدير السابق للمركز التعليمي المتخصص بجامعة موسكو الحكومية، حيث كشفت لجنة شكلتها وزارة التعليم الروسية، عن أن رسالته للدكتوراه تضمنت مخالفات أكاديمية ونصوصًا منقولة دون توثيق، قبل أن يُسحب منه اللقب العلمي عام 2013، في قضية اعتُبرت الشرارة التي أطلقت موجة واسعة من مراجعة الرسائل العلمية للمسؤولين.

كما واجه النائب الروسي فلاديمير بورماتوف اتهامات واسعة بعد أن خلصت تحقيقات “ديسيرنت” إلى أن أجزاء كبيرة من رسالته العلمية منسوخة من أعمال أكاديمية سابقة، وهو ما أثار أزمة سياسية وإعلامية دفعته إلى التخلي عن منصبه كنائب لرئيس لجنة التعليم في مجلس الدوما، رغم نفيه الاتهامات.

وامتدت التحقيقات لاحقًا إلى شخصيات سياسية أخرى، من بينها نائب رئيس مجلس الدوما إيغور ليبيديف، الذي قالت «ديسيرنت» إن رسالته تضمنت اقتباسات واسعة غير موثقة من رسالة أكاديمية أخرى، كما طالت الاتهامات وزير الثقافة الروسي الأسبق فلاديمير ميدينسكي، إلا أن قضيته اتخذت مسارًا مختلفًا؛ إذ شهدت جدلًا أكاديميًا وقانونيًا طويلًا انتهى بعدم سحب درجته العلمية، رغم استمرار النقاش حولها داخل الأوساط الأكاديمية الروسية.

مشاهير وقادة في مرمى الاتهامات

جو بايدن

خلال حملته الرئاسية الأولى عام 1987، تعرض جو بايدن لانتقادات بعدما استخدم أجزاء من خطاب السياسي البريطاني نيل كينوك دون الإشارة إليه في إحدى المناسبات، كما أُعيد تداول واقعة قديمة تتعلق باقتباسات غير موثقة خلال دراسته الجامعية.

وأدت الأزمة إلى انسحابه من السباق الرئاسي آنذاك، قبل أن يعود لاحقًا إلى الحياة السياسية ويصبح نائبًا للرئيس ثم رئيسًا للولايات المتحدة.

 ميلانيا ترامب

أثار خطاب ميلانيا ترامب في المؤتمر الوطني للحزب الجمهوري عام 2016 موجة واسعة من الانتقادات بعد ملاحظة تشابه واضح بين فقرات منه وخطاب سابق ألقته ميشيل أوباما عام 2008.

واعترفت كاتبة الخطاب بتحملها مسؤولية التشابه، وقدمت اعتذارًا رسميًا.

 أشهر قضية انتحال في العالم العربي

تُعد هذه القضية من أبرز قضايا حقوق الملكية الفكرية عربيًا، بعدما اتهمت الكاتبة السعودية سلوى العضيدان الداعية عائض القرني بالاعتداء على أجزاء من كتابها.

وانتهى النزاع بصدور قرار من الجهة المختصة بإدانة المخالفة وفرض غرامة وسحب الكتاب محل النزاع، لتصبح القضية واحدة من أشهر السوابق المتعلقة بحقوق المؤلف في المملكة العربية السعودية.

تكشف هذه الوقائع أن الانتحال الأدبي لم يعد مجرد مخالفة أكاديمية، بل تحول إلى معيار يقيس نزاهة أصحاب المناصب العامة ومدى احترامهم لحقوق الآخرين، ففي كثير من الدول، لم تكن العقوبة مقتصرة على سحب شهادة جامعية، وإنما امتدت إلى الاستقالة من المناصب العليا أو إنهاء المستقبل السياسي بالكامل.

ومع تطور تقنيات كشف التشابه النصي وبرامج فحص الانتحال، أصبحت فرص إخفاء السرقات الفكرية أقل من أي وقت مضى، فيما يظل احترام الملكية الفكرية أحد أهم معايير المصداقية في الحياة العامة.