العنف السياسي يشتعل مجددًا في اليونان.. اعتقالات تكشف خيوط الهجمات الحارقة ضد قيادات الحزب الحاكم

مقتل والدة مرشحة سابقة للحزب الحاكم يحول القضية إلى ملف إرهاب داخلي

مداهمات متزامنة في سالونيك وكريت تنتهي باعتقال ثلاثة مشتبه بهم

الشرطة تعتمد على كاميرات المراقبة والأدلة الجنائية لتحديد المنفذين

الحكومة تتعهد بمواجهة العنف السياسي وتشديد الإجراءات الأمنية

تحولت سلسلة الهجمات الحارقة بالنيران والمتفجرات بهدف إشعال منازل قيادات في حزب الديمقراطية الجديدة الحاكم في اليونان، إلى واحدة من أخطر قضايا العنف السياسي التي شهدتها البلاد خلال السنوات الأخيرة، بعدما أعلنت وحدة مكافحة الإرهاب اليونانية توقيف ثلاثة أشخاص يشتبه في تورطهم في تنفيذ الهجمات التي وقعت بمدينة سالونيك، وأسفرت عن مقتل سيدة وإصابة عدد من الأشخاص، بينما امتدت عمليات التوقيف إلى جزيرة كريت في إطار تحقيق واسع النطاق.

وبحسب السلطات اليونانية، فإن الاعتقالات جاءت بعد تحقيقات مكثفة اعتمدت على تحليل تسجيلات كاميرات المراقبة، ورفع البصمات والأدلة الجنائية من مواقع الهجمات، إضافة إلى تتبع تحركات المشتبه بهم قبل تنفيذ العمليات وبعدها، وأدت هذه الأدلة إلى توقيف رجل يبلغ من العمر 29 عامًا في سالونيك، وامرأة تبلغ 26 عامًا في جزيرة كريت، إلى جانب شخص ثالث يُشتبه في أنه وفر المأوى والدعم اللوجستي للمنفذين عقب الهجمات.

العنف السياسي يعود للواجهة
وتعيد هذه القضية إلى الواجهة ملف العنف السياسي في اليونان، وهي ظاهرة شهدت البلاد موجات متقطعة منها منذ سبعينيات القرن الماضي، سواء عبر جماعات يسارية متشددة أو مجموعات فوضوية استخدمت عبوات ناسفة ووسائل حارقة لاستهداف سياسيين ومقار حكومية ومؤسسات مالي،  ورغم نجاح السلطات خلال العقدين الماضيين في تفكيك عدد من التنظيمات المسلحة، فإن السنوات الأخيرة شهدت ظهور مجموعات أصغر تعتمد على وسائل بدائية لكنها قادرة على إحداث خسائر بشرية ومادية كبيرة.

وتشير مراجعة التحقيقات السابقة في قضايا العنف السياسي باليونان إلى أن دوافع الهجمات التي استهدفت مسئولين ومقار حكومية خلال العقود الماضية تمثلت في رفض سياسات الحكومات المتعاقبة واتهامها بالانحياز للرأسمالية وللاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، إلى جانب الاحتجاج على إجراءات التقشف التي فُرضت خلال أزمة الديون بين عامي 2010 و2018، ومعارضة برامج الخصخصة والإصلاحات الاقتصادية، كما ارتبطت بعض الهجمات بالاعتراض على سياسات الهجرة وأداء قوات الشرطة، فضلاً عن تبني بعض الجماعات المتطرفة مواقف داعمة لقضايا دولية، من بينها القضية الفلسطينية، أو معارضة سياسات حلف شمال الأطلسي “الناتو”، وهي دوافع كانت تُعلن أحيانًا عبر بيانات تتبنى المسئولية عن تلك العمليات.

وعُرفت اليونان منذ سبعينيات القرن الماضي نشاط عدد من الجماعات اليسارية المتطرفة والفوضوية، أبرزها منظمة 17 نوفمبر، والكفاح الشعبي الثوري (ELA)، ثم لاحقًا الكفاح الثوري “Revolutionary Struggle” ومؤامرة خلايا النار “Conspiracy of Cells of Fire”، إلا أن السلطات اليونانية لم تربط حتى الآن بين هذه التنظيمات والهجمات الأخيرة في سالونيك، وما تزال التحقيقات جارية لتحديد الدافع والجهات المحتملة وراءها.

هجمات منسقة فجرًا
وتعود وقائع القضية الحالية إلى أوائل الشهر الجاري يوليو، عندما شهدت مدينة سالونيك اليونانية ثلاث هجمات متزامنة قبيل الفجر استهدفت منازل وسيارات ثلاثة من المسؤولين والقيادات المحلية المنتمين لحزب الديمقراطية الجديدة، واستخدم المهاجمون عبوات حارقة بدائية الصنع تعتمد على أسطوانات غاز صغيرة، وهي وسيلة استخدمت في عدد من الهجمات ذات الدوافع السياسية داخل اليونان خلال السنوات الماضية.

الهجوم على منزل مرشحة سابقة يؤدي لوفاة والدته
وألحقت الهجمتان الأوليتان أضرارًا مادية بالممتلكات دون وقوع إصابات خطيرة، إلا أن الهجوم الثالث كان الأكثر دموية، حيث اندلع حريق كبير أمام منزل المرشحة البرلمانية السابقة عن الحزب الحاكم أفروديتي نيستورا، ما أدى إلى إصابة خمسة أشخاص، بينهم والدتها فاغيا نيستورا، التي توفيت لاحقًا متأثرة بحروقها بعدما حاولت المساعدة في إخماد النيران، كما أصيبت نيستورا ووالدها وعدد آخر من الموجودين في المنزل.

تحقيقات مكافحة الإرهاب
وأوكلت السلطات اليونانية التحقيق إلى جهاز مكافحة الإرهاب، الذي اعتبر أن طبيعة الهجمات، وتنسيق توقيتها، واختيار أهدافها السياسية، تشير إلى وجود دوافع تتجاوز الجرائم الجنائية التقليدية.

شكبة العنف السياسي
وكشفت التحقيقات أن اثنين من المشتبه بهم راقبا منزل نيستورا لعدة أيام قبل تنفيذ الهجوم، بينما توصل المحققون إلى أن المرأة التي اعتُقلت في كريت سبق أن أدينت في عام 2022 في قضية مرتبطة بسلسلة من عمليات الحرق العمد، وهو ما عزز فرضية ارتباطها بخلفيات متشددة أو بشبكات تنشط في أعمال العنف السياسي.

ولا تزال التحقيقات مستمرة للكشف عما إذا كان الموقوفون الثلاثة تصرفوا بشكل منفرد أم كانوا جزءًا من شبكة أوسع تقف وراء الهجمات، في وقت تواصل فيه السلطات عمليات التفتيش وتحليل الأدلة الرقمية والاتصالات، مع توقع توجيه اتهامات تتعلق بالإرهاب والقتل العمد وتشكيل تنظيم إجرامي، وهي اتهامات قد تفضي إلى عقوبات مشددة إذا ثبتت مسؤولية المتهمين أمام القضاء اليوناني.

رد حكومي من رئيس الوزراء اليوناني
وأثار الحادث ردود فعل واسعة داخل اليونان، حيث أدان رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس الهجمات، واصفًا إياها بأنها “اعتداء جبان على الديمقراطية”، مؤكدًا أن الدولة ستتعامل بحزم مع كل أشكال الإرهاب والعنف السياسي، وأن الأجهزة الأمنية ستواصل ملاحقة جميع المتورطين، سواء المنفذين أو الداعمين لهم.

كما أشادت الحكومة بسرعة تحرك أجهزة الأمن، معتبرة أن القبض على المشتبه بهم خلال أيام من وقوع الهجمات يعكس تطور قدرات أجهزة مكافحة الإرهاب في تتبع الجرائم المنظمة ذات الطابع السياسي.