
لم يعد شراء اللحوم أمرًا اعتياديًا على موائد كثير من الأسر المصرية، بل أصبح حلمًا وقرارًا يحتاج إلى حسابات مسبقة، في ظل الضغوط المعيشية وارتفاع الأسعار، ولم يعد الأمر مقتصرًا على الأسر محدودة الدخل، وإنما امتد إلى شرائح من الطبقة المتوسطة، بل وحتى من يصفون أنفسهم بـ”ميسوري الحال”، بعدما تراجعت قدرتهم على شراء اللحوم مقارنة بما كانت عليه قبل سنوات، وطبقًا للجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء تراجع نصيب الفرد السنوي من اللحوم الحمراء بين 2015 و 2024 بنسبة 41 % ، من 13.6 كجم عام 2015 إلى 8 كجم عام 2024.
ورغم استقرار سعر صرف الدولار وتراجع أسعار الأعلاف في الأسواق العالمية، لا تزال أسعار اللحوم في السوق المصرية عند مستويات مرتفعة، إذ يتراوح متوسط سعر كيلو اللحم البلدي للمستهلك بين 400 و550 جنيهًا، وفقًا للمنطقة والمحافظة ونوع القطعية.
ويكشف رصد للأسعار عن تفاوت واضح بين المحافظات؛ ففي القاهرة والجيزة والإسكندرية وأسوان يتراوح سعر الكيلو بين 400 و550 جنيهًا، بينما يسجل في الوادي الجديد (مركز الخارجة) ما بين 350 و400 جنيه. وفي محافظات مثل أسيوط والدقهلية وسوهاج يتراوح بين 370 و450 جنيهًا، في حين ينخفض في الفيوم والقليوبية إلى ما بين 250 و350 جنيهًا، بينما يتراوح في الغربية بين 400 و450 جنيهًا. غير أن هذا التفاوت لا يحقق وفورات حقيقية لكثير من المستهلكين، إذ غالبًا ما تلتهم تكلفة الانتقال فارق الأسعار بين منطقة وأخرى.
من قلب الواقع
وفي ظل هذه الأسعار، لم يعد السؤال كم مرة نأكل اللحوم شهريًا، بل هل نستطيع شراء اللحوم؟، وهو ما تعكسه شهادات عدد من المواطنين، حيث لم تكن سميرة، وهي سيدة خمسينية، تتخيل أن يصبح شراء اللحوم قرارًا يحتاج إلى حسابات دقيقة، فمنذ وفاة زوجها، وهي تعول ابنًا وابنة يدرسان في الجامعة، وتعتمد على معاشه الذي ترى أنه يوفر لها مستوى معيشة أفضل من كثير من الأسر.
وقالت لـ”ليبرالي” إنها كانت تشتري كيلو من اللحوم أسبوعيًا، أما اليوم فلا تستطيع شراء أكثر من كيلوين في الشهر، وتعتمد في بقية الأيام على الدواجن أو البيض أو الأسماك، وأحيانًا تكتفي بوجبات بسيطة، مشيرة إلى أن تفاوت الأسعار بين المناطق لا يخفف من أعبائها، لأن تكلفة الانتقال لشراء اللحوم من مكان أرخص تلتهم ما يمكن أن توفره من فارق في السعر، قبل أن تختتم حديثها قائلة:” إذا كان هذا حالي، فكيف تعيش الأسر الأقل دخلًا؟”.
ارتفاع أسعار اللحوم غير مبرر
وبينما تعكس شهادات المواطنين أثر الغلاء على موائدهم، يطرح استمرار ارتفاع الأسعار رغم استقرار عدد من العوامل الاقتصادية تساؤلات حول أسبابه الحقيقية وتفسير هذه الظاهرة.

من جانبه، قال الدكتور رشاد عبده، الخبير الاقتصادي، إن الارتفاع الحالي في أسعار اللحوم لا يستند إلى مبررات اقتصادية حقيقية، مرجعًا ذلك إلى ما وصفه بـ”الجشع والاستغلال”، في ظل استقرار سعر الدولار، وهو ما يفترض معه عدم وجود زيادات كبيرة في التكلفة، مضيفًا أن السوق يعاني من ظاهرة احتكار القلة، حيث يسيطر عدد محدود من التجار على المعروض ويتفقون ضمنيًا على عدم البيع بأقل من أسعار معينة، مما يحول السوق إلى احتكار فعلي يفرض أسعارًا مرتفعة على المستهلكين دون مبرر.
وأضاف أن الدولة تمتلك القدرة على كسر هذا الاحتكار من خلال التدخل كمنافس مباشر، عبر استيراد اللحوم وطرحها بأسعار أقل، بما يجبر التجار على خفض أسعارهم. مستشهدًا بتجارب سابقة نجحت فيها الدولة في طرح بعض السلع بأسعار تقل كثيرًا عن أسعار السوق، ما أدى إلى تراجع الأسعار.
وفيما يتعلق بتأثير التضخم على أنماط الاستهلاك، أكد “عبده” أن ما يحدث هو “ترشيد إجباري” للإنفاق، نتيجة تآكل القدرة الشرائية للمواطنين، إذ يضطر كثيرون إلى تقليل كميات اللحوم التي يشترونها أو الاستغناء عنها تمامًا والاتجاه إلى بدائل أقل تكلفة، بهدف التكيف مع محدودية الدخل وارتفاع الأسعار.
وأشار “عبده” إلى أن الإقبال على البدائل الغذائية قد لا يكون حلًا مستدامًا، بسبب استغلال بعض التجار لزيادة الطلب عليها ورفع أسعارها أيضًا، كما حدث مع بعض المنتجات المحلية عقب زيادة الإقبال عليها، وأكد أن غياب الرقابة وضعف المنافسة يفتحان الباب أمام الممارسات الاحتكارية، ويؤديان إلى استمرار موجة ارتفاع الأسعار على حساب المستهلك.
شراء اللحمة حدث نادر
ومع تراجع استهلاك اللحوم، تلجأ كثير من الأسر إلى بدائل غذائية أقل تكلفة، ما يثير تساؤلات حول مدى قدرتها على تعويض القيمة الغذائية للحوم الحمراء، حيث حكت أمل، وهي سيدة في بداية العقد الرابع من عمرها، تقيم بمنطقة المطرية وتعول خمسة أطفال بعد انفصالها عن زوجها، كيف تبدلت مائدة أسرتها خلال السنوات الأخيرة، قائلة إنها تعمل مساعدة تمريض، وإنها كانت قبل الانفصال تشتري كيلو من اللحوم أسبوعيًا، أما اليوم فأصبح شراء اللحوم لا يتكرر سوى مرة كل شهرين تقريبًا.
وأضافت أن:” كيلو اللحوم أصبح يُقسم على أكثر من وجبة، بينما تكتفي بشراء دجاجتين مرة واحدة شهريًا لأسرة مكونة من ستة أفراد، أما بقية الأيام، فتعتمد الأسرة على وجبات بسيطة مثل البيض والمكرونة والفول والعدس والبطاطس، وأحيانًا الجبن أو الطعمية”، مضيفة:” أشعر أن أولادي أصبحوا ضعفاء طوال الوقت بسبب نوعية الأكل فشراء اللحوم يحتاج إلى ادخار مسبق لشهرين، حتى نتمكن من توفير ثمنها”، لافتة إلى أنها تضطر أحيانًا إلى طلب قطعة عظم من الجزار لإعداد مرق للخضار، أو شرائها إذا كانت متاحة.
البحث عن بدائل
من خلال حديث “أمل” نجد أنفسنا أمام أزمة حقيقية حول احتياجات أجسامنا اليومية وضرورة الحصول على بروتين، فهل هناك بدائل رخيصة للحوم الحمراء وهل يمكن الاستغناء عنها؟.

أجابت عن هذا السؤال الدكتورة هبة ناجي، أخصائي التغذية العلاجية والعلاج الطبيعي، قائلة إنه يمكن تقليل استهلاك اللحوم الحمراء، أو حتى الاستغناء عنها لفترات، إذا كان النظام الغذائي متوازنًا ويعتمد على مصادر أخرى للبروتين، مثل البيض والبقوليات ومنتجات الألبان، مشرة إلى أن اللحوم ليست المصدر الوحيد للبروتين، لكنها تعد مصدرًا مهمًا للحديد وفيتامين B12 والزنك، لذلك يجب تعويض هذه العناصر من خلال نظام غذائي متنوع أو بالمكملات الغذائية عند الحاجة وتحت إشراف طبي.
وأضافت أن أفضل البدائل البروتينية منخفضة التكلفة تنقسم إلى مصادر حيوانية، مثل البيض والزبادي والجبن القريش، ومصادر نباتية، مثل الفول والعدس والحمص والفاصوليا البيضاء، وهي أطعمة توفر كميات جيدة من البروتين إلى جانب الألياف والفيتامينات والمعادن، لافتة إلى أن البيض يتميز باحتوائه على بروتين كامل يضم جميع الأحماض الأمينية الأساسية، بينما ينقص البقوليات بعض هذه الأحماض، لذا يُنصح بتناولها مع الحبوب، مثل الخبز البلدي أو الأرز، لتحسين القيمة الغذائية للبروتين.
وحذرت “ناجي” من تقليل استهلاك اللحوم دون تعويضها بمصادر بروتينية أخرى، لأن ذلك قد يؤدي إلى نقص البروتين، إضافة إلى انخفاض مستويات الحديد وفيتامين B12 والزنك وأحماض أوميجا 3، وهو ما يستدعي اهتمامًا خاصًا لدى الأطفال والحوامل وكبار السن، وكذلك الأشخاص الذين يعانون من نقص فيتامين B12، لضمان حصولهم على احتياجاتهم الغذائية كاملة.
وأكدت الدكتورة هبة أن تكوين وجبة غذائية متوازنة لا يرتبط بارتفاع التكلفة، وإنما بحسن اختيار المكونات، موضحة أن الطبق الصحي يجب أن يتكون نصفه من الخضراوات أو سلطة، وربعه من البروتين الصحي، والربع الأخير من الكربوهيدرات، مع استخدام الدهون الصحية في إعداد الطعام.
تكوين وجبة غذائية متوازنة
وأوضحت أن الأسر محدودة الدخل تستطيع توفير وجبة متوازنة بالاعتماد على البقوليات والبيض كمصادر اقتصادية للبروتين، إلى جانب الأرز أو الخبز البلدي أو البطاطس كمصدر للكربوهيدرات، مع الإكثار من الخضراوات وإضافة ثمرة فاكهة عند الإمكان، لافتة إلى أن وجبة الكشري المصري تمثل نموذجًا جيدًا لوجبة متوازنة نسبيًا، إذ تجمع بين النشويات والبروتين النباتي، ويمكن تعزيز قيمتها الغذائية بإضافة طبق سلطة وبيضة مسلوقة عند توافرها.
وحذرت من الاعتماد على النشويات وحدها بدلا من البروتين، موضحة أن ذلك يؤدي إلى خلل غذائي ينعكس على صحة الجسم، من خلال فقدان الكتلة العضلية، وضعف تجديد الخلايا، وزيادة الشعور بالجوع، ونقص الفيتامينات والمعادن، فضلاً عن اضطرابات الجهاز الهضمي وتقلبات مستوى السكر في الدم، بما يزيد من الشعور بالخمول والصداع والجوع المتكرر.
واختتمت حديثها بالتأكيد على أن وجود اللحوم على المائدة يوميًا ليس شرطًا للتغذية السليمة، لكن الاستغناء عن البروتين ليس خيارًا صحيًا، مشددة على أن البيض والبقوليات ومنتجات الألبان تمثل بدائل غذائية واقتصادية قادرة على تلبية احتياجات الجسم من البروتين لدى الأسر محدودة الدخل.
وبين حسابات الأسر التي تؤجل شراء كيلو من اللحوم شهرًا بعد آخر، وتحذيرات الأطباء من نقص البروتين، يبقى السؤال مطروحًا: هل أصبحت اللحوم سلعة ترفيهية على موائد المصريين بعد أن كانت غذاءً أساسيًا؟.







