90 يومًا على المحك.. نافذة ضيقة للسلام وسط رهانات عسكرية متصاعدة وتعقيدات إقليمية ودولية

تمثل المبادرة الأمريكية الأخيرة لوقف إطلاق النار في السودان لمدة 90 يومًا، واحدة من أكثر المبادرات الدولية جدية منذ اندلاع الحرب بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع في أبريل 2023، إلا أن قراءة المشهد لا يمكن أن يقتصر على البعد الإنساني، فالمبادرة تأتي في لحظة تشهد تغيرًا واضحًا في ميزان القوى العسكرية، وتصاعدًا في الضغوط الدولية، وإعادة تموضع إقليمي للقوى الفاعلة، الأمر الذي يجعلها جزءًا من معركة سياسية واستراتيجية أكثر من كونها مجرد هدنة إنسانية.
ومن منظور مراكز الدراسات الاستراتيجية، فإن نجاح أي وقف لإطلاق النار لا يرتبط فقط بتوقيع الأطراف، وإنما بمدى توافق مصالح اللاعبين المحليين والاقليميين والدوليين، وهي معادلة لا تزال حتى الآن بعيدة عن الاكتمال.
لماذا طُرحت المبادرة الآن؟
جاءت المبادرة بعد سلسلة تطورات ميدانية قلبت معادلة الصراع نسبيًا، أبرزها استعادة الجيش السوداني السيطرة على الخرطوم ومناطق استراتيجية في وسط البلاد، مقابل استمرار سيطرة قوات الدعم السريع على أجزاء واسعة من إقليم دارفور ومناطق في كردفان.
في الوقت ذاته، يواجه المجتمع الدولي أزمة إنسانية تعد من الأكبر عالميًا، حيث تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن أكثر من 30 مليون شخص يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، فيما تجاوز عدد النازحين واللاجئين 15 مليون شخص، مع اتساع رقعة المجاعة في عدة ولايات.
وتدرك واشنطن أن استمرار الحرب يهدد بتحول السودان، إلى بؤرة عدم استقرار تمتد آثارها إلى البحر الأحمر، والقرن الأفريقي، ومنطقة الساحل، وهو ما يفسر التحرك الأمريكي لإعادة إطلاق مسار تفاوضي جديد.
الجيش السوداني.. قبول مشروط يعكس تغير ميزان القوى
لا يمكن تفسير موقف الجيش السوداني باعتباره رفضًا للمبادرة، وإنما هو قبول مشروط يعكس الثقة التي اكتسبها بعد سلسلة من المتقدمات العسكرية خلال الأشهر الأخيرة.
فالقيادة العسكرية تعتبر أن أي وقف لإطلاق النار دون انسحاب قوات الدعم السريع من المدن سيؤدي إلى تجميد خطوط التماس الحالية، ومنح خصمها فرصة لإعادة تنظيم قواته وإدخال الإمدادات واستعادة قدراته القتالية.
كما يتمسك الجيش بمبدأ احتكار الدولة للسلاح، ويرفض أي ترتيبات تمنح الدعم السريع وضعًا عسكريًا مستقلاً في المرحلة الانتقالية، باعتبار أن ذلك سيكرس ازدواجية المؤسسة العسكرية ويهدد وحدة الدولة مستقبلاً.
ومن ثم، فإن اشتراط الانسحاب الكامل قبل تنفيذ الهدنة يعكس محاولة لاستثمار التفوق العسكري الحالي في تحقيق مكاسب سياسية على طاولة التفاوض.
قوات الدعم السريع.. قبول تكتيكي لتجنب العزلة
في المقابل؛ تدرك قوات الدعم السريع أن رفض المبادرة بصورة كاملة قد يضعها في مواجهة ضغوط دولية متزايدة، خاصة مع تصاعد الاتهامات المتعلقة بالانتهاكات الإنسانية.
ولذلك، فإن إعلانها الترحيب بالمبادرة يمنحها مساحة سياسية أمام المجتمع الدولي، لكنه لا يُعني بالضرورة استعدادها لتنفيذ الانسحاب الكامل من المدن، لأن ذلك يُعني عمليًا فقدان أهم أوراقها العسكرية و التفاوضية.
وتسعى قوات الدعم السريع إلى ربط أي انسحاب بتسوية سياسية شاملة تشمل مستقبل المؤسسة العسكرية، وتقاسم السلطة، وضمانات لدمج قواتها ضمن ترتيبات أمنية جديدة.
التحركات الإقليمية .. توافق على وقف الحرب واختلاف حول شكل التسوية
تكشف التحركات الدبلوماسية الأخيرة عن وجود توافق إقليمي على ضرورة وقف الحرب، لكن مع استمرار التباين بشأن طبيعة الحل النهائي، وترى مصر أن الحفاظ على وحدة الجيش السوداني، يمثل ركيزة أساسية لاستقرار السودان، انطلاقًا من اعتبارات الأمن القومي وأمن الحدود الجنوبية وحوض النيل.
أما السعودية فتواصل دورها كوسيط رئيسي، مستفيدة من خبرة مفاوضات جدة، مع التركيز على تثبيت وقف إطلاق النار وفتح الممرات الإنسانية، وتؤكد الإمارات دعمها للحل السياسي وتنفي الاتهامات السودانية بتقديم دعم عسكري لقوات الدعم السريع، بينما لا تزال هذه القضية تمثل إحدى أبرز نقاط الخلاف بين الخرطوم وأبوظبي، أما الاتحاد الأفريقي وإيجاد، فيواصلان الدفع نحو حل أفريقي للأزمة، إلا أن محدودية أدوات الضغط تقلل من قدرة المنظمتين على فرض اتفاق ملزم.
العقبات الرئيسية أمام الهدنة
تشير القراءة الاستراتيجية إلى أن المبادرة تواجه خمس عقبات رئيسية:
- انعدام الثقة بين الطرفين بعد انهيار عدة اتفاقات لوقف إطلاق النار.
- استمرار الرهان على الحسم العسكري لدى الجانبين.
- غياب آلية دولية قوية لمراقبة تنفيذ أي اتفاق.
- تداخل المصالح الإقليمية والدولية في الأزمة.
- غياب توافق حول مستقبل قوات الدعم السريع وهيكلة المؤسسة العسكرية.
السيناريوهات المحتملة
السيناريو الأول “الأكثر ترجيحًا”: هدنة مؤقتة محدودة قد ينجح الوسطاء في التوصل إلى هدنة إنسانية محدودة، مع استمرار الخلافات حول الملفات السياسية والعسكرية، وهو السيناريو الأكثر واقعية على المدى القريب.
السيناريو الثاني
تعثر المبادرة إذا تمسكت الجيش بشرط الانسحاب الكامل، ورفضت قوات الدعم السريع ذلك، فمن المرجح استمرار العمليات العسكرية، خاصة في دارفور وكردفان، مع تصاعد الضغوط الإنسانية.
السيناريو الثالث:- اتفاق سياسي تدريجي
وهو سيناريو أقل احتمالاً حاليًا، لكنه قد يصبح ممكنًا إذا توافرت ضمانات دولية وإقليمية ملزمة، وربط وقف إطلاق النار بخارطة طريق واضحة لإعادة بناء مؤسسات الدولة.
تقدير الموقف
تشير المعطيات الراهنة إلى أن المبادرة الأمريكية تمثل اختبارًا حقيقيًا لقدرة المجتمع الدولي على الانتقال من إدارة الأزمة إلى محدودة في ظل الفجوة الكبيرة بين شروط الجيش السوداني ومواقف قوات الدعم السريع.
ومن المرجح أن تشهد الأسابيع المقبلة مفاوضات مكثفة لإعادة صياغة بعض بنود المبادرة، خصوصًا ما يتعلق بترتيبات الانسحاب وآليات الرقابة الدولية وضمانات التنفيذ.
وعليه؛ فإن الهدنة ليست مستحيلة، لكنها لن تكون كافية لإنهاء الحرب ما لم تُعالج جذور الأزمة المرتبطة بإعادة هيكلة المؤسسة العسكرية، واحتكار الدولة للسلاح، وبناء سلطة مدنية توافقية، كما أن استمرار التنافس الإقليمي والدولي على النفوذ في السودان سيظل عاملاً مؤثرًا في مسار أي تسوية، ممما يجعل فرص السلام المستدام مرهونة بتوافق داخلي سوداني مدعوم بضمانات إقليمية ودولية قابلة للتنفيذ، وليس بمجرد إعلان وقف مؤقت لإطلاق النار.





