
نجح الاستقبال الحافل الذي نظمه الرئيس التركي، رجب أردوغان، لنظيره الأمريكي دونالد ترامب، في قمة الناتو، في تحقيق مكاسب لأنقره، حيث أقامت تركيا عرضًا جويًا بألوان العلم الأمريكي، وأطلقت اسم “ترامب” على مبنى جديد في المطار، سعيًا منها للارتقاء بعلاقاتها مع الولايات المتحدة إلى آفاق جديدة خلال قمة الناتو التي عقدت نهاية الأسبوع الماضي في أنقرة، في الوقت الذي انتقد فيه الرئيس الأمريكي دولا أخرى في التحالف الأطلسي.
فترامب الذي وعد لاحقًا برفع العقوبات التي كان قد فرضها بنفسه على تركيا خلال ولايته الأولى قبل ست سنوات، أنهى بذلك فترة من أحلك فترات العلاقات الأمريكية التركية.
استضافت أنقرة قمة حلف الناتو للمرة الثانية خلال عقدين، وتعد هذه القمة الثانية التي تستضيف فيها تركيا الحلف، بعد قمة إسطنبول عام 2004، وتعتبر تركيا التي انضمت إلى الناتو عام 1952 عضوًا فيه منذ ما يقارب ٧٥ عامًا، مرسخة مكانتها كحلقة وصل دبلوماسية محورية بين الحلف والجهات الفاعلة في الشرق الأوسط وخارجه.

مكاسب تركيا من حضور “ترامب” قمة الناتو
كان التحدي الأكبر الذي واجه تركيا هو ضمان حضور الرئيس “ترامب” الاجتماع السنوي لقادة حلف الناتو البالغ عددهم 32 قائدًا، على الرغم من أنه لم يتغيب عن أي قمة حتى الآن، فالرئيس ترامب الذي لطالما صرح بأن حلفاء الناتو لا يبذلون الجهد الكافي، وإنه حضر فقط لأن أردوغان هو المضيف، وقد مثل ذلك في حد ذاته نجاحًا دبلوماسيًا، وفرصة لتركيا، التي تسعى إلى تعزيز مكانتها داخل الحلف، وتجاوز الخلافات العالقة مع واشنطن.
بالرغم من كل الاحتفاء، أحدث الرئيس ترامب فوضى في القمة يوم الأربعاء، مطالبًا الولايات المتحدة بقطع العلاقات التجارية مع إسبانيا، وجدد مطالبه بشأن جرينلاند، مما أثار غضب الدنمارك، حليفة الناتو.

محاولات “أردوغان” كسب ود “ترامب” لشراء الطائرات الـF-35
أشار الرئيس “أردوغان” إلى اعتقاده بأن صفقة شراء أنقرة لطائرات المقاتلة الأمريكية من طراز F-35 والمحركات النفاثة أمريكية الصنع لطائرات “كان” المقاتلة، وهي الطائرة الرئيسية في أسطول تركيا، باتت وشيكة.
وقال “ترامب” إنه سيقرر قريبًا ما إذا كان سيبيع تركيا هذه الطائرات رغم الحظر الذي فرضه الكونجرس، كما أعلن أنه سيرفع العقوبات المفروضة على تركيا بسبب شرائها منظومة إس-400 للدفاع الجوي الروسية في العام 2019، وقد سبق أن وعد ترامب تركيا بخمس طائرات من طراز F-35.
لكنه صرح لاحقًا بأنه لم يحسم أمره بعد، وأشاد مرارًا وتكرارًا بأردوغان، الذي تبادل معه الابتسامات والضحكات والأحضان أثناء تواصلهما عبر مترجمين.
ومع ذلك، من المرجح أن يواجه وعد “ترامب” معارضة في الكونجرس، حيث تنص القوانين على عدم امتلاك تركيا لمنظومة إس-400، كما أنه سيخلق مشاكل محتملة لأنقرة في موسكو، التي تلتزم بواجبات المستخدم النهائي في صفقة الشراء.

موقف “نتنياهو” من صفقة التسليح لتركيا
ينظر القادة في إسرائيل إلى أنقرة كتهديد محتمل، خاصة في ظل المنافسة الخفية بين أنقرة وتل أبيب في الملف السوري، مع ذلك فتركيا عضو في حلف الناتو، ولن ترغب إسرائيل في الدخول في مواجهة مع دولة عضو فيه، على الرغم من علاقاتها الودية مع اليونان، العضو أيضًا في الحلف.
أعلن “نتنياهو” موقفه علنًا في مقابلة مع قناة فوكس نيوز الخميس الماضي، محذرًا من أن تسليح نظام متأثر بجماعة الإخوان المسلمين، في إشارة لتركيا، من شأنه أن “يخل بتوازن القوى في الشرق الأوسط، والذي تضمنه في نهاية المطاف التفوق الجوي الإسرائيلي والموقف الأمريكي”.
وأفاد مصدر إسرائيلي لشبكة “سي إن إن”، بأن “نتنياهو” أثار هذه المسألة أيضًا بشكل خاص مع “ترامب”، مشيرًا إلى أن الصفقة قد تضعف التفوق العسكري النوعي لإسرائيل، وقال المصدر إنه كانت رسالة الإدارة الأمريكية حتى في حال الموافقة على الصفقة وإتمامها، فإن تنفيذها سيستغرق وقتًا طويلاً.

مصداقية “أردوغان”
يمنح نجاح قمة الناتو أردوغان زعيم تركيا منذ 23 عامًا دفعة داخلية، إذ تظهر استطلاعات الرأي أن شعبيته تختبر بفعل حملة قانونية غير مسبوقة ضد حزب المعارضة الرئيسي داخل تركيا، وعلى نطاق أوسع ترى الحملة على أنها اختبار لمصداقية تركيا الديمقراطية.
وقال مارك روته، الأمين العام لحلف الناتو، ردًا على سؤال حول موجة الاعتقالات التي سبقت القمة في تركيا، والتي طالت صحفيين وممثلًا كوميديًا بارزًا، إن الديمقراطية تعني الحق في التظاهر وحرية الإعلام، وليس مجرد انتخابات حرة.
وكان الرئيس جو بايدن، قد أبقى أردوغان على مسافة منه، وذلك بسبب مخاوف تتعلق بحقوق الإنسان والحريات في تركيا، ومنذ ذلك الحين التزمت القوى الغربية الصمت نسبيًا حيال هذه المسألة، في ظل تحول تركيا إلى قوة صناعية دفاعية رائدة وحصن منيع ضد العدوان الروسي على الجناح الجنوبي الشرقي لحلف الناتو.

مكاسب “الشرع”
تعد القضية السورية ذات أهمية بالغة في الشرق الأوسط، حيث تسعى المنطقة جاهدة لإعادة بناء نفسها بعد سنوات من الحرب الأهلية، وبالنسبة للشرع كانت للاجتماعات في أنقرة أهمية بالغة لمستقبل سوريا، فتركيا الداعم الرئيسي لدمشق الجديدة، كما تلقى “الشرع” دعمًا من أعضاء آخرين في الناتو، بما في ذلك الولايات المتحدة، فسوريا تسعى إلى ترسيخ علاقاتها مع أعضاء الناتو.
وخرج الرئيس السوري أحمد الشرع بسلسلة نجاحات، بدأت مع زيارة الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، التي استغرقت يومين إلى دمشق، حيث أسفرت المباحثات عن خطوات عملية لتعزيز التعاون بين البلدين، أبرزها اتفاقية تبادل السفراء، وتوقيع عدد من الاتفاقيات الاستراتيجية ومذكرات التفاهم في مجالي الطاقة وإعادة الإعمار.
ليأتي نجاح آخر في قمة الناتو، حيث وصل الرئيس الشرع إلى أنقرة في 8 يوليو للمشاركة في اجتماعات على هامش قمة الناتو،حيث أبلغ الرئيس ترامب نظيره السوري الشرع الأربعاء الماضي، بقراره رفع اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، وقال “ترامب” إنه أبلغ الكونجرس، الذي سيجري الآن مراجعة لمدة 45 يومًا قبل أن يصبح القرار نافذًا.
ويمثل هذا القرار تحولًا كبيرًا في سياسة واشنطن تجاه دمشق، ويعد دفعة قوية للشرع بعد تفجيرات دمشق التي وقعت يوم الثلاثاء الماضي، خلال زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.
كان تصنيف سوريا كدولة راعية للإرهاب يفرض قيودًا على المساعدات الخارجية الأمريكية، وصادرات الدفاع، وبعض المعاملات المالية، وفي العام الماضي، وقع ترامب أمرًا تنفيذيًا يقضي بإنهاء برنامج العقوبات الأمريكية المفروضة على سوريا، مما سمح بإنهاء عزلة البلاد عن النظام المالي الدولي.
أدرجت الولايات المتحدة سوريا على قائمة الدول الراعية للإرهاب عام 1979، وهي أطول مدة يفرض فيها هذا التصنيف على أي دولة في القائمة، وتشمل القائمة أيضًا كوبا وإيران وكوريا الشمالية، وقد صنفت سوريا بسبب دعم نظام الأسد السابق تاريخيًا لجماعات إرهابية مصنفة.
ووفقًا لمنشور على تطبيق تيليجرام، قال صفوت رسلان، محافظ مصرف سوريا المركزي، إن هذه الخطوة الأمريكية تفتح آفاقًا أوسع للاستثمارات والتعافي الاقتصادي، وإعادة دمج سوريا في الاقتصاد العالمي.

دور أنقرة في دمشق
لعبت تركيا دورًا في الصراع داخل سوريا، ففي البداية دعمت تركيا المعارضة السورية، إلا أنها تعاونت لاحقًا مع روسيا وإيران لمحاولة تهدئة الصراع في سوريا، وذلك عقب تقدم النظام السوري نحو حلب قرب الحدود التركية عام 2016، ثم حولت تركيا تركيزها إلى محاربة وحدات حماية الشعب الكردية في سوريا، متهمة إياها بالارتباط بحزب العمال الكردستاني، وغزت تركيا منطقة عفرين الكردية عام 2018، ثم سري كانيه عام 2019.
أما الآن فتركيا تسعى إلى لعب دور مختلف في سوريا، بدعمها للحكومة الجديدة، واندماج القوات الكردية مع قوات أمن دمشق الجديدة.
يتعامل الرئيس “ترامب” مع حلفائه بمنطق الزوج الذي يراضي زوجته بعد تعنيفها جسديًا ونفسيًا، فتراوحت تصريحاته بين إنه شعر بمحبة كبيرة من القادة في قمة الناتو، وذلك بعد ساعات فقط من انتقاده اللاذع لهم بسبب إنفاقهم الدفاعي وعدم مساعدتهم للولايات المتحدة في الهجوم على إيران.
كما هيمنت رسائل الرئيس ترامب المتضاربة على الساعات الأخيرة من القمة، حيث بدأها بوصفه العلني للقيادة الإيرانية بـ”الحثالة” وتجديده مطالبته بالسيطرة على جرينلاند، ليتبنى نبرة أكثر اعتدالاً في الاجتماع الخاص مع 32 من قادة الناتو، حيث لم يتطرق إلى جرينلاند أو انتقاداته السابقة، بل قال للحلفاء نريد البقاء معكم.
وأكد إعلان القمة الختامي الذي وقعه الرئيس ترامب و31 من قادة الحلف، التزام الدول الراسخ بالمادة الخامسة، التي تنص على أن أي هجوم على أي عضو في الناتو يعد هجومًا على جميع الأعضاء.
لكن لم يعلن أيضًا عن موعد قمة القادة المقبلة، والمقرر عقدها في ألبانيا، حيث تشهد البلاد احتجاجات مناهضة لترامب والحكومة، وسط تلميحات إلى أنها لن تُعقد قبل عام 2028.





